
الجزء الثاني والاخير
ما كنتش عارفة أروح فين.
فضلت سايقة عربيتي في شوارع إسكندرية من غير هدف، والمطر بينزل خفيف على الزجاج الأمامي، وأنا كل شوية أبص على الشنطة اللي حطيتها في الكرسي اللي جنبي.
شنطتي…
وأوراق الانفصال…
وسر الحمل.
كل حاجة في حياتي كانت موجودة قدامي في نفس العربية.
بعد حوالي ساعة، وقفت قدام شقة صغيرة كانت بتاعة أبويا.
من بعد وفاته وأنا تقريبًا ما كنتش بدخلها.
كنت محتفظة بيها زي ما هي.
فتحت الباب، ولما دخلت حسيت إني رجعت فجأة لسنين بعيدة.
ريحة الكتب القديمة.
المكتب الخشبي.
الصورة الصغيرة اللي كان حاططها على الرف.
كل حاجة كانت مكانها.
حطيت شنطتي على الأرض، وقعدت على طرف الكنبة.
وبمجرد ما بقيت لوحدي…
انهرت.
مش عشان عمر.
ولا عشان حماتي.
ولا حتى عشان الست اللي كانت قاعدة معاه.
كنت بعيط عشان السنين اللي ضاعت وأنا بحاول أثبت إني مش ناقصة.
سنين وأنا بروح للدكاترة.
سنين وأنا أسمع كلام من نوع:
“لسه بدري.”
“استني.”
“المرة الجاية يمكن يحصل.”
وبعد كل مرة…
كنت برجع البيت وأحاول أبتسم لعمر.
وهو كان بيبتسم لي أحيانًا.
لكن مع مرور الوقت، ابتسامته نفسها بقت مختلفة.
في البداية كان بيطمني.
بعدها بقى بيتجنب الموضوع.
وبعدين…
بقى صمته هو الإجابة.
مسحت دموعي وحطيت إيدي على بطني.
“أنا مش هسيبك.”
قلت الجملة بصوت مسموع.
“مهما حصل… أنا مش هسيبك.”
في اللحظة دي موبايلي رن.
كان رقم غريب.
ترددت قبل ما أرد.
“ألو؟”
جالي صوت ست كبيرة:
“مدام ليلى؟”
“أيوه.”
“أنا أمينة، كنت شغالة عند عيلة المنشاوي.”
اتعدلت في قعدتي.
“حضرتك عايزة إيه؟”
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
“أنا عارفة إنك خرجتي من البيت النهارده.”
قلبي دق بسرعة.
“إنتِ عرفتي منين؟”
قالت:
“لأني كنت موجودة.”
“موجودة فين؟”
“وقت ما كانوا بيحطوا شنطتك بره.”
سكت.
“طيب؟”
قالت بصوت متردد:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
“إيه؟”
“الست اللي كانت قاعدة مع الأستاذ عمر…”
وقفت فجأة.
وبعدين قالت:
“مش مجرد واحدة من الشركة.”
حسيت بقلبي بيشد.
“يعني إيه؟”
“أنا مش هقدر أقول أكتر في التليفون.”
“طب قولي!”
“هسيبلك ظرف عند البواب بتاع العمارة.”
وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني…
قفلت.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش فاهمة.
بعد أقل من عشر دقايق، البواب خبط على الباب.
كان ماسك ظرف بني صغير.
“ده ليكي.”
أخدته.
مفيش اسم.
مفيش عنوان.
فتحت الظرف.
جواه صورة.
صورة قديمة لعمر.
كان واقف فيها قدام مستشفى.
بصيت للتاريخ المكتوب على الصورة.
واتجمدت.
من حوالي تسع سنين.
قلبت الصورة.
كان فيه كلام مكتوب بالقلم:
“اسألي عمر عن ليلة 17 أكتوبر.”
وقفت مكاني.
17 أكتوبر…
التاريخ ده كان مستحيل أنساه.
لأنه كان نفس اليوم اللي حصل فيه أكبر خلاف بيني وبين عمر في أول سنين جوازنا.
اليوم اللي قال لي فيه لأول مرة:
“يمكن إحنا مش مناسبين لبعض.”
وقتها افتكرت إن السبب هو ضغط موضوع الحمل.
لكن الصورة كانت بتقول إن فيه حاجة تانية.
حاجة عمر أخفاها عني.
رجعت أبص للصورة.
وفجأة لاحظت حاجة في الخلفية.
كان فيه باب مكتوب عليه:
قسم النساء والولادة.
إيدي بدأت ترتعش.
أنا كنت فاكرة إن حياتي مع عمر بدأت تتدهور بسبب تأخر الحمل.
لكن…
إيه اللي حصل في المستشفى دي قبل تسع سنين؟
وقبل ما أقدر أفكر، الموبايل رن مرة تانية.
المرة دي كان رقم عمر.
فضلت أبص للاسم على الشاشة.
يرن…
ويرن…
وبعدين سكت.
بعد ثواني وصلتني رسالة.
“ليلى، لازم نتكلم.”
قرأت الرسالة مرة.
وبعدين مرة تانية.
وقبل ما أرد، وصلت رسالة تانية:
“الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”
ضحكت بسخرية رغم دموعي.
بعد 11 سنة…
الجملة دي جت متأخرة قوي.
كتبت له:
“إنت عايز تتكلم في إيه؟”
الرد جه فورًا.
“في الحمل.”
اتجمدت.
إزاي عرف؟
أنا ما قلتش لحد.
الدكتورة قالت لي إن التحليل سري.
وأنا ما حكيتش غير لصديقتي المقربة.
فضلت أحدق في الشاشة.
وبعدين وصلتني رسالة ثالثة:
“أنا عارف إنك حامل.”
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
لكن قبل ما ألحق أكتب…
وصلت الرسالة الأخيرة.
“وعارف إن الأطفال مش طفل واحد.”
رفعت إيدي على بطني من غير ما أحس.
إزاي؟
إزاي عمر عرف؟
أنا لسه ما عملتش حتى أول أشعة تفصيلية.
وما كانش حد يعرف أي حاجة عن عدد الأجنة.
إلا…
الدكتورة.
ومين كان ممكن يوصل للمعلومة دي؟
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
وقفت ببطء.
فتحت.
كانت صديقتي سارة واقفة قدامي، ووشها مليان قلق.
قالت:
“ليلى… لازم تروحي معايا للدكتورة دلوقتي.”
“ليه؟”
مسكت إيدي.
“هي اتصلت بيا.”
“وقالت إيه؟”
بصت لي للحظة طويلة.
وبعدين قالت:
“قالت إن نتيجة التحاليل الأولية محتاجة مراجعة.”
قلبي وقع.
“مراجعة ليه؟”
سارة بلعت ريقها.
“لأنها شافت حاجة في الفحص الأول…”
وسكتت.
“حاجة إيه؟”
بصت على بطني.
وبعدين قالت:
“وقالت إن الحمل ده مش حمل عادي.”
في اللحظة دي…
ما كنتش أعرف إن الأشعة اللي هعملها بعد ساعات قليلة هتكشف سرًا أخطر من كل اللي حصل.
سر هيغيّر معنى السنين الـ11 اللي فاتوا كلها.
يتبع…
وصلنا العيادة بعد حوالي نص ساعة.
طول الطريق، سارة كانت ساكتة تمامًا.
وأنا كمان ما كنتش قادرة أتكلم.
كل اللي كان بيدور في دماغي هو كلام عمر:
“أنا عارف إنك حامل… وعارف إن الأطفال مش طفل واحد.”
إزاي عرف؟
وليه كان مستني اللحظة دي بالذات عشان يقولي؟
دخلت العيادة، والدكتورة كانت مستنياني.
أول ما شافتني، قامت من مكانها وقالت:
“ليلى، اقعدي.”
قعدت قدامها.
“أنا عايزة أفهم.”
بصت للدكتورة مباشرة.
“إزاي عمر عرف إني حامل؟”
وشها اتغير.
“عمر عرف؟”
“أيوه.”
سارة تدخلت:
“بعت لها إنه عارف.”
الدكتورة سكتت شوية، وبعدين فتحت الملف قدامها.
قالت:
“أنا ما قلتش لأي حد.”
“طب مين عرف؟”
هزت رأسها.
“مش عارفة.”
ثم قالت:
“بس في حاجة أهم.”
حست إني مش قادرة أتنفس.
“إيه؟”
أشارت لجهاز الأشعة.
“تعالي نشوف بنفسنا.”
دخلنا غرفة الفحص.
كنت متوترة جدًا.
الدكتورة حطت الجهاز، وبعد ثواني بدأت تبص للشاشة بتركيز شديد.
أنا بصيت لوشها.
“فيه إيه؟”
ما ردتش.
فضلت تحرك الجهاز ببطء.
وبعدين قالت:
“ليلى…”
“نعم؟”
“إنتِ كنتِ عارفة إن الحمل ممكن يكون أكتر من جنين؟”
“لا.”
قالت:
“طيب… خدي نفس.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الدكتورة كبرت الصورة.
وبعدين قالت:
“فيه تلاتة.”
غمضت عيني.
ثلاثة.
ثلاث أطفال.
حطيت إيدي على بوقي.
سارة بدأت تبكي من الفرحة.
أما أنا…
فكنت مصدومة.
مش عشان العدد.
لكن عشان افتكرت كل السنين اللي فاتت.
كل مرة حماتي كانت بتقول إني مش هقدر أديهم طفل.
كل مرة عمر كان بيرجع من زيارة دكتور وهو ساكت.
كل مرة كنت أنا اللي بلوم نفسي.
الدكتورة قالت:
“الحمل محتاج متابعة دقيقة، لكنه في الوقت الحالي مستقر.”
بصيت لها.
“بس حضرتك قلتي إن فيه حاجة غريبة.”
سكتت.
ثم فتحت ملف قديم على الكمبيوتر.
وقالت:
“أنا راجعت بياناتك الطبية.”
“بياناتي؟”
“أيوه.”
“إيه اللي لقيتيه؟”
لفت الشاشة ناحيتي.
كان فيه تقرير قديم.
قديم جدًا.
من حوالي تسع سنين.
نفس التاريخ الموجود على الصورة اللي أمينة بعتها لي.
17 أكتوبر.
اتجمدت.
“التقرير ده منين؟”
قالت:
“من مستشفى النور.”
“أنا ما كنتش هنا.”
الدكتورة بصت لي باستغراب.
“إنتِ متأكدة؟”
“طبعًا.”
“لأن التقرير باسمك.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
“باسمي؟”
“أيوه.”
قربت من الشاشة.
الاسم كان فعلًا:
ليلى الشامي.
اسمي قبل الجواز.
لكن التاريخ…
والتفاصيل…
كلها كانت مرتبطة بملف طبي أنا ما افتكرش إني عملته.
قلت:
“إيه المكتوب؟”
الدكتورة بدأت تقرأ.
وبعدين توقفت.
“فيه إجراء طبي تم تسجيله في اليوم ده.”
“إجراء إيه؟”
بصت لي.
“فحص ومتابعة حمل.”
سكتُّ.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
“حمل؟”
الدكتورة هزت رأسها.
“أيوه.”
“بس أنا ما كنتش حامل وقتها!”
بدأت أقلب في دماغي أحداث السنة دي.
كنت متجوزة عمر بقالنا حوالي سنتين.
وكنا وقتها بنحاول نخلف.
لكن…
ما كانش فيه حمل.
كنت متأكدة.
الدكتورة قالت:
“الموضوع أغرب من كده.”
“إزاي؟”
أشارت إلى خانة ملاحظات الطبيب.
كان مكتوب:
“المريضة وصلت برفقة الزوج، ويُرجى عدم مشاركة تفاصيل الملف إلا مع الزوج.”
تجمدت.
الزوج.
عمر.
رفعت عيني للدكتورة.
“يعني عمر كان موجود؟”
قالت:
“الملف بيقول كده.”
رجعت أبص للشاشة.
وفجأة كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
الصورة.
المستشفى.
تاريخ 17 أكتوبر.
عمر.
الحمل.
والسنين اللي بعدها.
قلت بصوت منخفض:
“هو كان بيخبي عني حاجة.”
سارة مسكت إيدي.
لكن الدكتورة قالت:
“ليلى… لسه ما وصلناش لأخطر حاجة.”
بصيت لها.
“إيه؟”
فتحت صفحة تانية.
وقالت:
“الملف ده مش بيتكلم عن حمل واحد.”
قلبي توقف للحظة.
“يعني إيه؟”
قالت:
“فيه إشارة إلى حمل متعدد.”
أنا وسارة بصينا لبعض.
الدكتورة كملت:
“لكن البيانات ناقصة.”
“ناقصه إزاي؟”
“الصفحة الأخيرة من الملف مش موجودة.”
في اللحظة دي، موبايلي اهتز.
رسالة جديدة من عمر.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“لو عرفتي الحقيقة، هتفهمي ليه سيبتك تمشي النهارده.”
بصيت للشاشة طويلًا.
ولأول مرة…
ما حسيتش إني عايزة أرجع له.
حسيت إني عايزة أعرف الحقيقة.
كلها.
حتى لو كانت هتوجعني.
خرجنا من العيادة، وأنا ماسكة نسخة من التقرير القديم.
وأثناء ما كنا بنركب العربية، سارة قالت:
“ليلى…”
“نعم؟”
“إنتِ لاحظتي حاجة؟”
“إيه؟”
أشارت للتقرير.
“اسم الدكتور.”
بصيت.
كان اسم الطبيب:
دكتور كريم المنشاوي.
اتجمدت.
كريم…
كان أخو عمر.
أخو عمر اللي قيل لي إنه سافر من مصر من أكتر من عشر سنين، وإنه ما بقاش له علاقة بالعيلة.
لكن لو كان هو الطبيب اللي تابع الملف…
يبقى عمر ما كانش الشخص الوحيد اللي بيخبي الحقيقة.
عيلة المنشاوي كلها كانت عارفة.
وفي اللحظة دي، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
ما حدش اتكلم في البداية.
وبعدين سمعت صوت راجل كبير بيقول:
“مدام ليلى… لو عايزة تعرفي مين الأطفال التلاتة دول فعلًا، لازم تقابلي حد قبل ما ترجعي بيت المنشاوي.”
سألته:
“مين؟”
قال:
“أمينة.”
ثم قفل الخط.
بصيت لسارة.
وقلت:
“لازم نلاقي أمينة.”
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن أمينة كانت هتكشف لي سرًا عن يوم 17 أكتوبر، سرًا يخلي كل كلمة قالها عمر عن تأخر الحمل تتحول إلى سؤال واحد:
مين اللي كان بيتحكم في حياتي الطبية من ورايا طوال السنين دي؟
يتبع…
نكمل بالجزء قبل الأخير، ونقرب من كشف السر الحقيقي اللي ورا تقرير المستشفى ويوم 17 أكتوبر.
وصلت أنا وسارة للمكان اللي أمينة قالت لنا عليه بعد حوالي ساعة.
كان كافيه صغير في منطقة هادية على أطراف إسكندرية.
دخلنا، وفضلنا ندور بعنينا عليها.
لحد ما شفتها قاعدة في آخر ترابيزة، لابسة إسدال غامق ونضارة كبيرة، وبصت لنا أول ما دخلنا.
قربنا منها.
أول ما قعدت، قالت:
“أنا مش هقدر أفضل كتير.”
قلت لها:
“أنا مش عايزة غير الحقيقة.”
بصت لي فترة طويلة.
وبعدين قالت:
“الحقيقة هتوجعك يا مدام ليلى.”
رديت بهدوء:
“أنا عشت 11 سنة وأنا موجوعة… مش هتفرق.”
أمينة نزلت عينيها للأرض.
وقالت:
“يوم 17 أكتوبر، عمر جه المستشفى مع أخوه الدكتور كريم.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
“ليه؟”
قالت:
“كان فيه موضوع متعلق بيكي.”
“أنا؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
وبعدين طلعت من شنطتها ظرف قديم.
حطته قدامي.
“ده اتساب عندي من سنين.”
فتحته.
جواه نسخة من ورقة طبية قديمة.
لكن المفاجأة ما كانتش في الورقة.
كانت في التوقيع.
توقيع عمر.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
“إيه ده؟”
أمينة قالت:
“هو وقّع بنفسه.”
“على إيه؟”
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
“على موافقة لإجراء طبي كان المفروض يتم بسرية.”
“إجراء إيه؟”
أمينة قربت مني وقالت:
“حفظ أجنة.”
اتجمدت.
“إيه؟”
قالت:
“قبل ما تتجوزي عمر بسنة تقريبًا، كنتِ عملتي فحوصات في مركز متخصص.”
حاولت أفتكر.
وفجأة افتكرت.
من حوالي 12 سنة، كنت دخلت برنامج علاجي بسبب مشكلة بسيطة اكتشفها الدكتور وقتها.
كنت وقتها مش مرتبطة رسميًا بعمر.
وفي آخر زيارة…
قال لي الطبيب إن فيه إجراء احتياطي ممكن يساعدني مستقبلًا لو احتجت.
لكن الموضوع انتهى عند كده.
أنا ما كنتش فاكرة أي تفاصيل.
أمينة كملت:
“الأجنة اتكونت من بويضاتك.”
قلبي دق بسرعة.
“ومن مين؟”
بصت لي.
“الموضوع ده هو السبب اللي خلا عمر يفضل ساكت كل السنين دي.”
“قولي!”
قالت:
“الأجنة كانت موجودة في المركز من سنين.”
“طيب وإيه علاقتها بعمر؟”
أمينة تنهدت.
“عمر كان عارف.”
“من إمتى؟”
“من قبل جوازكم.”
حسيت إن الكلام بقى تقيل على صدري.
“طب ليه ما قالش لي؟”
أمينة بصت لي بعينين مليانين شفقة.
“لأن عيلته كانت رافضة.”
“رافضة إيه؟”
قالت:
“كانوا شايفين إن وجود أطفال منك هيخلي السيطرة على مستقبل العيلة أصعب.”
سكتُّ.
“أنا مش فاهمة.”
أمينة قالت:
“فيه حاجة تانية.”
طلعت ورقة تانية.
“دي من نفس الملف.”
أخدتها.
قرأت أول سطر.
وبعدين رفعت عيني لها.
“إيه معنى الكلام ده؟”
قالت:
“الأجنة تم نقلها مؤخرًا.”
“مؤخرًا؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
“مين طلب النقل؟”
أمينة سكتت.
“مين؟”
قالت:
“عمر.”
رجعت بظهري للكرسي.
“يعني هو اللي…”
قاطعتها:
“هو اللي دفع تكاليف الإجراء.”
سكتنا كلنا.
كنت مش قادرة أستوعب.
عمر كان عارف بوجود الأجنة.
وعمر هو اللي بدأ الإجراءات.
وعمر كان عارف إني حامل.
لكن السؤال الأكبر كان:
إزاي حصل الحمل؟
أنا ما كنتش عملت أي إجراء في الفترة الأخيرة.
ولا روحت لأي مركز.
ولا وقعت على أي موافقة.
بصيت لأمينة.
“إزاي أنا حامل؟”
قالت:
“هنا بقى المشكلة.”
سكتت.
“قولي.”
قالت:
“قبل ما تخرجي من بيت المنشاوي النهارده، عمر كان متوقع إنك هتكتشفي الحمل.”
“متوقع؟”
“أيوه.”
“طب ليه طردني؟”
أمينة بصت حواليها قبل ما تقول:
“لأنه كان عايزك تبعدي.”
“عشان إيه؟”
قالت:
“عشان لو فضلتِ هناك، الحقيقة كانت هتظهر بدري.”
أنا بصيت لها.
“حقيقة إيه؟”
أمينة مدت إيدها في شنطتها وطلعت فلاشة صغيرة.
حطتها قدامي.
“دي فيها تسجيلات.”
“تسجيلات لإيه؟”
قالت:
“اجتماعات حصلت بين عمر وحماتك والدكتور كريم.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
“أسمعها هنا؟”
هزت رأسها.
“لا.”
“ليه؟”
قالت:
“لأن لو سمعتيها، مش هترجعي تشوفي عمر بنفس الطريقة.”
أخدت الفلاشة.
وقلت:
“أنا أصلًا مش شايفاه بنفس الطريقة.”
خرجنا من الكافيه.
رجعت شقتي مع سارة.
وصلت اللابتوب وفتحت أول تسجيل.
ظهر صوت حماتي.
“إحنا ما ينفعش نخليها تعرف.”
ثم جاء صوت عمر:
“أنا عارف.”
صوت كريم قال:
“والأطفال؟”
ساد صمت طويل.
ثم قال عمر:
“لما يولدوا، هيكونوا تحت سيطرتنا.”
حسيت إن إيدي بتترعش.
سارة قربت مني.
“كملي.”
شغلت التسجيل.
حماتي قالت:
“ولو رفضت؟”
رد عمر:
“هتكون خرجت من حياتنا قبل ما تعرف أصلًا.”
سكتت.
ثم جاء صوت كريم:
“بس في مشكلة.”
عمر قال:
“إيه؟”
كريم:
“التحاليل الأخيرة أثبتت إن الحمل مش زي ما توقعنا.”
سكت الجميع.
ثم قالت حماتي:
“يعني إيه؟”
ورد كريم:
“يعني إن فيه احتمال كبير إن الثلاثة يكونوا…”
وانقطع التسجيل.
فضلت أبص للشاشة.
“يكونوا إيه؟!”
ضغطت على التسجيل مرة تانية.
نفس الجملة.
لكن الملف انتهى هنا.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
جاءني صوت عمر.
“ليلى.”
قلت:
“إنت كنت عارف كل حاجة.”
سكت.
“وعارف إن فيه تلاتة.”
قال:
“أيوه.”
“وعارف إن الحمل حصل إزاي.”
سكت تاني.
صرخت:
“رد عليا!”
قال بصوت منخفض:
“أنا عارف.”
“طيب ليه عملت كده؟”
سكت لثواني.
ثم قال:
“لأن الأطفال التلاتة دول مش مجرد أطفال يا ليلى.”
قلبي انقبض.
“أمال إيه؟”
قال:
“لو عرفتي الحقيقة كاملة… هتفهمي ليه عيلتي كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنعك من معرفتها.”
وقبل ما يقفل…
سمعته يقول:
“والأهم… إن واحد من التلاتة مش المفروض يكون موجود أصلًا.”
ثم انقطع الاتصال.
فضلت واقفة قدام اللابتوب.
مش قادرة أتكلم.
ولا حتى أتحرك.
لأول مرة، فهمت إن كل اللي حصل خلال الـ11 سنة الماضية ما كانش مجرد زواج فاشل…
كان فيه سر أكبر.
سر له علاقة بالأطفال التلاتة.
وبحياتي أنا نفسها.
وفي صباح اليوم التالي…
وصلني ظرف جديد.
لكن المرة دي…
ما كانش من محامي عمر.
كان من المستشفى.
وفيه نتيجة تحليل واحدة فقط.
مكتوب فيها:
“يرجى الحضور بشكل عاجل لمراجعة نتائج الحمل.”
وتحتها جملة بخط يد الطبيب:
“الطفل الثالث هو سبب كل شيء.”
يتبع…
روحت المستشفى الصبح بدري، وأنا طول الطريق حاسة إن كل حاجة حواليا بقت غريبة.
جملة واحدة كانت بتتكرر في دماغي:
“الطفل الثالث هو سبب كل شيء.”
دخلت مكتب الدكتور كريم، لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان فيه دكتورة تانية قاعدة جنبه، ومعاها ملف كبير.
أول ما دخلت، الدكتور كريم قام.
قلت له:
“أنا عايزة الحقيقة.”
بص لي للحظات، وبعدين قال:
“وأنا عارف إنك تستحقي تعرفيها.”
قعدت.
فتح الملف.
وقال:
“قبل 12 سنة، قبل جوازك من عمر، عملتي إجراء طبي في مركز متخصص.”
هزيت رأسي.
“أيوه… فاكرة.”
قال:
“لكن اللي إنتِ ما تعرفيهوش إن البويضات اللي تم حفظها وقتها اتستخدمت بعد سنوات.”
سألته:
“إزاي؟”
قال:
“عمر طلب نقلها لمركز متخصص، وتم إجراء عملية حمل من خلال تقنية طبية.”
بصيت له.
“بس أنا ما وافقتش.”
قال:
“وده كان أكبر خطأ.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“الإجراء حصل بعد ما عمر أقنعك إنك بتاخدي علاج عادي لتنشيط التبويض.”
حسيت بصدمة.
“يعني إيه؟”
قال:
“كان فيه علاج تم تقديمه لك على إنه جزء من خطة علاج الحمل، لكنه كان مرتبط بإجراء آخر.”
أنا حطيت إيدي على بطني.
“والأطفال؟”
الدكتورة اللي كانت قاعدة جنبه فتحت صورة الأشعة.
قالت:
“الثلاثة موجودين بالفعل.”
تنفست بارتياح.
لكنها كملت:
“لكن الطفل الثالث هو اللي كشف المشكلة.”
بصيت لها.
“إيه المشكلة؟”
قالت:
“التحليل الجيني أظهر إن الطفل الثالث يحمل تطابقًا وراثيًا نادرًا جدًا مع عائلة المنشاوي.”
“يعني؟”
سكتت.
ثم قالت:
“أقرب مما كنا متوقعين.”
ما فهمتش.
“قوليها بشكل واضح.”
الدكتور كريم بص للأرض.
وقال:
“الطفل الثالث يحمل مادة وراثية مرتبطة بعينة كانت محفوظة في المركز من سنوات.”
“عينة مين؟”
رفع عينه لي.
“أخوكِ؟”
اتجمدت.
“أنا ما عنديش أخ.”
سكت الجميع.
الدكتورة قالت:
“وده بالضبط سبب إننا محتاجين نراجع الملف.”
الدكتور كريم فتح صفحة أخرى.
وفيها اسم.
والدي.
بصيت للاسم.
اتسمرت مكاني.
أبويا.
قال كريم:
“والدك كان متبرعًا بعينة وراثية في مشروع بحثي طبي قبل وفاته بسنوات.”
ما كنتش أعرف.
ولا عمري سمعت عن الموضوع.
“وعمر عرف؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“إزاي؟”
قال:
“عيلته كانت من أكبر المستثمرين في المركز الطبي.”
فهمت فجأة.
كل شيء.
الأجنة.
التحاليل.
الملفات.
السرية.
السيطرة.
عيلة المنشاوي كانت تقدر توصل لمعلومات ما كانش المفروض توصل لها.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
“طيب ليه كانوا عايزين يبعدوني؟”
الدكتور كريم قال:
“لأنهم كانوا خايفين من نتيجة التحليل.”
“نتيجة إيه؟”
قال:
“إن الطفل الثالث ممكن يحمل تطابقًا وراثيًا مع والدك.”
قلت:
“وماذا يعني ذلك؟”
قال:
“يعني إن العينة اللي استخدمت في تكوين الأجنة ما كانتش مجرد عينة عادية.”
سكت.
ثم قال:
“كان فيها جزء من المادة الوراثية المرتبطة بوالدك.”
فضلت ساكتة.
مش قادرة أستوعب.
كل اللي كنت أعرفه عن أبويا، وكل الذكريات اللي عشتها معاه، فجأة دخلت في قصة كنت فاكرة إنها مجرد جوازة انتهت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
الدكتورة قالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
“إيه؟”
مدت لي ورقة.
“التحليل النهائي بيقول إن الأطفال التلاتة مش مرتبطين بنفس المصدر الوراثي.”
بصيت لها.
“يعني إيه؟”
قالت:
“الطفلين الأول والثاني مرتبطين بعينة واحدة.”
“والثالث؟”
سكتت.
ثم قالت:
“الطفل الثالث مختلف.”
سألت:
“مختلف إزاي؟”
قالت:
“الطفل الثالث مرتبط بعينة أخرى.”
“عينة مين؟”
نظرت للدكتور كريم.
هو اللي رد:
“عينة تخص عمر.”
سكتُّ.
كل شيء توقف.
يعني الطفل الثالث…
من عمر.
أما الطفلين الأول والثاني…
فكان مصدرهما مختلفًا.
رفعت عيني للدكتور.
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني إن فيه جزء من القصة عمر ما قاله لك.”
خرجت من المستشفى وأنا مش عارفة أصدق مين.
لكن قبل ما أوصل العربية، لقيت عمر واقف مستنيني.
كان واقف بعيد، لوحده.
أول ما شافني، قرب.
قال:
“ليلى… اسمعيني.”
رفعت إيدي.
“قبل ما تتكلم، جاوبني على سؤال واحد.”
سكت.
“إنت كنت عارف؟”
غمض عينيه.
“أيوه.”
“كنت عارف إن فيه أطفال من عينات مختلفة؟”
قال:
“أيوه.”
حسيت إن دموعي نزلت رغم إني ما كنتش عايزة أبكي قدامه.
“ليه؟”
قال:
“لأن أبويا كان مريض، وكان محتاج علاج تجريبي.”
بصيت له باستغراب.
“إيه علاقة ده بالأطفال؟”
قال:
“عيلتي كانت بتحاول تستخدم الأبحاث الطبية لإنقاذه.”
“وإنت دخلتني في الموضوع ده؟”
“أنا غلطت.”
“غلطت؟”
ضحكت وسط دموعي.
“إنت دمرت 11 سنة من حياتي وبعدين بتقول غلطت؟”
سكت.
ثم قال:
“أنا كنت فاكر إن لو الحمل نجح، كل حاجة هتتصلح.”
“ولما عرفت إن الحمل فيه تلاتة؟”
قال:
“خفت.”
“من إيه؟”
بص لي.
“من إنك تعرفي الحقيقة.”
سألته:
“والست اللي كانت معاك في البيت؟”
نزل عينه.
“كانت من المركز.”
“يعني مش زي ما كنت فاكرة؟”
“لا.”
سكت لحظة.
“كنت بحاول أخليها توافق على تسليم الملفات.”
قلت:
“والانفصال؟”
قال:
“كنت مضطر أعمله.”
“مضطر؟”
“أمي كانت هتستخدم كل نفوذها عشان تمنعك من معرفة الحقيقة.”
فضلت أبص له.
“بس إنت ساعدتها.”
قال:
“أنا عارف.”
كان ممكن أصرخ.
كان ممكن أضربه.
لكن فجأة…
حطيت إيدي على بطني.
وقلت:
“أنا مش هرجع.”
رفع عينه لي.
“ليلى…”
قاطعته:
“مش عشان الأطفال.”
سكت.
“عشان أنا.”
لأول مرة من 11 سنة، حسيت إني مش محتاجة موافقة حد عشان أقرر مصيري.
لفيت ومشيت.
وبعد أسبوع…
وصلني ظرف من المحامي.
لكن المرة دي، ما كانش فيه أوراق انفصال.
كان فيه مستندات ملكية.
عمر كان نقل باسمي جزءًا من ممتلكاته، وطلب رسميًا فتح تحقيق مستقل في كل الإجراءات الطبية اللي تمت من غير علمي.
أما حماتي…
فقد بدأت تواجه تحقيقات قانونية بسبب محاولات إخفاء ملفات طبية والتدخل في إجراءات ما كانش من حقها تتدخل فيها.
وأنا؟
رجعت لشقة أبويا.
جهزت غرفة الأطفال.
ثلاث أسرّة صغيرة.
ثلاث بطاطين.
وثلاث أسماء لسه ما اخترتهمش.
وفي ليلة هادية، قعدت جنب الشباك، وحطيت إيدي على بطني.
افتكرت الشنطة اللي كانت مرمية بره البوابة.
وقلت لنفسي:
لو كنت دخلت يومها…
لو كنت صرخت…
لو كنت أعلنت إني حامل…
كان ممكن حياتي كلها تفضل مربوطة بيهم.
لكن خروجي من البوابة كان أول خطوة في حياتي الجديدة.
وبعد شهور…
ولدت أطفالي الثلاثة.
ولما الدكتور حطهم قدامي، بكيت.
مش عشان الماضي.
لكن عشان عرفت أخيرًا إن اللي كنت فاكرة إنه نهاية حياتي…
كان في الحقيقة بداية جديدة.
وبعدها بسنة، وصلني خطاب أخير من عمر.
ما فتحتهوش.
رجعته له.
لأني أخيرًا فهمت حاجة كان أبويا حاول يعلمني إياها من زمان:
قيمتي ما كانتش يومًا متوقفة على إن عيلة المنشاوي تقبلني.
أنا كنت كفاية من البداية.
والشنطة اللي رموها بره البوابة…
كانت أول حاجة خرجت من حياتي.
لكنها كانت كمان…
أول خطوة في الطريق اللي خلاني أرجع لنفسي.
النهاية.




