
حماتي تجاوزت حدودها بشكل ما كنتش أتخيل إنها ممكن توصله، وبعدها هي بنفسها خدتني المستشفى وهي بتتصرف كأنها بتعمل معايا معروف!
وفي الوقت ده، جوزي كان في رحلة مع إخواته، وبعتلي رسالة قصيرة جدًا:
«ما تكبريش الموضوع… ارجعي واعتذري لها.»
قريت الرسالة مرة… وبعدها مرة تانية.
وسكت شوية، وبعدين كتبت له:
«حاضر… أنا هتصرف بطريقتي.»
لكن مع شروق الشمس، كنت اختفيت من حياتهم تمامًا…
واللي هما ما كانوش متوقعينه، إنني قبل ما أمشي، كنت سايبة حاجة على ترابيزة السفرة في الشقة الفاضية…
حاجة كانت كفيلة إنها تكشف لهم أسرارًا ما كانوش متوقعين إنها تظهر.
—
أول مرة حماتي «نوال الشامي» تفقد السيطرة على نفسها بالشكل ده، فهمت إن فيه جانب منها ما ينفعش أبرره أو أعديه كأنه مجرد خلاف عائلي.
بقالنا 3 سنين متجوزين، وطول الفترة دي كانت حماتي بتتعامل مع جوازي كأنه صفقة لازم تفضل هي المسيطرة عليها.
اسمها نوال، وكانت مقتنعة إن كل حاجة تخص ابنها تخصها هي كمان.
في الليلة دي، ظهرت عند شقتنا في مدينة نصر من غير ما تتصل ولا تستأذن.
وكانت غاضبة جدًا.
السبب؟
إني غيّرت كلمة السر الخاصة بحساب التوفير المشترك بيني وبين جوزي.
جوزي «محمود» كان وقتها مسافر في رحلة مع إخواته ناحية الساحل الشمالي.
أول ما دخلت حماتي، بدأت تطلب مني كلمة السر الجديدة.
قلت لها بهدوء:
«الحساب ده بيني وبين محمود.»
ردت بعصبية:
«ده فلوس العيلة!»
بصيت لها وقلت:
«دي فلوس من مرتبي أنا كمان.»
تعبير وشها اتغير في لحظة.
وكأن الجملة دي استفزتها أكتر من أي حاجة تانية.
بدأ النقاش يعلى.
صوت ورا صوت.
كلمة ورا كلمة.
لحد ما الخلاف خرج تمامًا عن السيطرة.
حماتي تجاوزت حدودًا ما كنتش أتخيل أبدًا إنها ممكن تتجاوزها.
وبعد ما كل شيء انتهى، وقفت مكاني وأنا مصدومة.
للحظات، ماحدش فينا اتكلم.
وبعدين، حماتي مدت إيدها وخدت مفاتيح عربيتي.
وقالت بمنتهى البرود:
«بصي إنتِ اللي وصلّتيني لكده.»
وبعدها هي اللي خدتني المستشفى.
وصلنا مستشفى في القاهرة، وكانت واقفة جنبي وقت تسجيل دخولي.
لكن الغريب إنها كانت بتجاوب على الأسئلة اللي المفروض أنا اللي أجاوب عليها.
الممرضة سألتني عن اللي حصل.
حماتي سبقتني وقالت:
«هي وقعت على السلم… هي أصلًا بتخبط في نفسها كتير وبتتأثر بسرعة.»
بصيت للممرضة، وبعدها قلت بهدوء:
«ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟»
في اللحظة دي، ابتسامة حماتي اختفت.
وبعد حوالي عشر دقايق، كنت قاعدة في غرفة كشف خاصة، ومعايا أخصائية اجتماعية من المستشفى.
المرة دي ما كانش فيه حد واقف فوق راسي.
سألوني إيه اللي حصل.
وسابوني أتكلم براحة.
قلت لهم اسم حماتي.
وقلت لهم الحقيقة كاملة.
والأهم من ده كله…
طلبت صور من كل التقارير والمستندات اللي اتعملت في المستشفى.
كنت عايزة كل حاجة موثقة.
كل تفصيلة.
كل كلمة.
—
الساعة كانت 11:42 بالليل لما موبايلي اهتز.
كانت رسالة من محمود.
كتب:
«ماما قالت إنكم اتخانقتوا. ما تكبريش الموضوع. ارجعي واعتذري لها.»
قريت الرسالة مرتين.
وقبل ما أقدر أرد، وصلتني رسالة تانية:
«هي بتوصل للمرحلة دي بس لما حد يقلل منها أو ما يحترمهاش.»
بصيت للشاشة لفترة طويلة.
وبعدين كتبت جملة واحدة:
«حاضر… أنا هتصرف بطريقتي.»
رد عليا بإيموجي إعجاب.
وبس.
في اللحظة دي، حصل جوايا شيء ما رجعش تاني.
بطلت أشوف نفسي مجرد زوجة محمود.
لأن محمود ما سألنيش:
«إنتِ كويسة؟»
ما سألنيش:
«إيه اللي حصل؟»
ما حاولش حتى يسمع مني.
هو كان أخد قراره بالفعل.
اختار يقف في صف والدته قبل حتى ما يعرف الحقيقة.
لكن اللي محمود ونوال ما كانوش يعرفوه…
إنني قبل ما أتجوز محمود، كنت شغالة لمدة تسع سنين في مجال المحاسبة الجنائية.
كنت بعرف أراجع الحسابات وأتتبع حركة الأموال وأكشف أي تلاعب في المستندات.
ولما محمود بدأ شركته للمقاولات، سبت شغلي علشان أساعده يبني الشركة.
وده معناه إني كنت عارفة كل حاجة تقريبًا.
كل حساب بنكي.
كل مورد.
كل قرض.
كل إقرار ضريبي.
كل عقد.
وكل دفعة مالية خرجت من الشركة.
وقبل ست شهور…
اكتشفت حاجة كنت بتمنى من كل قلبي إني ما أحتاجش أستخدمها أبدًا.
اكتشفت إن حماتي كانت بتحوّل فلوس من الشركة بشكل سري عن طريق فواتير لموردين غير حقيقيين.
في البداية كانت مبالغ صغيرة.
وبعدين بدأت تكبر.
أسماء شركات مختلفة.
تواريخ مختلفة.
فواتير مختلفة.
لكن النمط كان واحد.
كل الفلوس كانت بتروح في اتجاه واحد.
والصدمة الأكبر؟
محمود كان عارف.
ما كانش بيحاول يوقفها.
بل اكتشفت إنه كان بيساعد في إخفاء الموضوع.
في الوقت ده، ما واجهتش حد.
ما عملتش مشكلة.
ما هددتش محمود.
وما قلتش لحماتي إني عرفت.
بدل كل ده…
بدأت أنسخ كل حاجة.
الفواتير.
كشوف الحسابات.
سجلات التحويلات.
بيانات الموردين.
الإيميلات.
وكل مستند يوضح الفلوس راحت فين.
كنت محتفظة بنسخ من كل حاجة في مكان محدش فيهم يعرف عنه أي شيء.
وطول الست شهور اللي فاتوا، كنت بقول لنفسي إنني بحتفظ بالمستندات دي كنوع من الأمان.
مجرد احتياط.
حاجة أتمنى إني ما أضطرش أستخدمها أبدًا.
لكن وأنا قاعدة في غرفة المستشفى، وببص لرسالة محمود اللي ختمها بإيموجي إعجاب…
فهمت أخيرًا ليه كنت محتفظة بكل المستندات دي.
—
الساعة 3 الفجر، وبعد ما المستشفى خلصت كل الإجراءات والتوثيق، خرجت من باب جانبي.
طلبت عربية أجرة من التطبيق، ورجعت للشقة.
نوال كانت فاكرة إني في النهاية هرجع وأعتذر.
ومحمود كان واضح إنه فاكر نفس الشيء.
لكنهم كانوا غلطانين.
دخلت الشقة بهدوء.
جهزت شنطة واحدة بس.
حطيت فيها اللابتوب.
بطاقتي الشخصية.
الأوراق المالية المهمة.
وبعض الحاجات الضرورية.
وما أخدتش أي حاجة لها قيمة عاطفية.
ما أخدتش صور فرحنا.
ولا الهدايا اللي حماتي كانت جايباها لنا.
حتى العقد الغالي اللي محمود كان جابهولي في ذكرى جوازنا…
سيبته مكانه.
الحاجات دي كلها كانت جزء من حياة…
أنا خلاص بطلت أحاول أحافظ عليها.
قبل ما أخرج، دخلت غرفة السفرة.
طلعت المفتاح الاحتياطي بتاع الشقة.
وحطيته في منتصف الترابيزة.
وبعدين حطيت تحته ظرف سميك.
كان جواه نسخ من المستندات اللي جمعتها خلال الست شهور اللي فاتوا.
مش كل حاجة.
بس جزء كفاية.
كفاية يخلي محمود يفهم أنا كنت عارفة إيه.
وكفاية تخلي نوال تدرك إن مشكلة كلمة سر حساب التوفير…
كانت مجرد بداية.
لأن المشكلة الحقيقية كانت أكبر بكتير مما كانوا يتخيلوا.
وتركت الظرف فوق الترابيزة…
وخرجت من الشقة قبل ما الشمس تطلع.
لكنهم ما كانوش يعرفوا إن الظرف ده…
هيكون أول خطوة في كشف أسرار كانوا فاكرين إنها هتفضل مخفية للأبد.
يتبع…
مع أول خيط نور بدأ يدخل من شباك الصالة، كنت واقفة قدام الشقة للمرة الأخيرة.
بصيت للباب ثواني طويلة.
المكان اللي دخلته من 3 سنين وأنا فاكرة إني داخلة بيت هعيش فيه عمري كله…
كنت خارجة منه وأنا عارفة إن عمري الحقيقي هيبدأ من النهارده.
ركبت العربية، وقبل ما أمشي، بصيت على موبايلي.
كان فيه 3 مكالمات فائتة من محمود.
ما رديتش.
بعدها وصلتني رسالة:
«إنتِ فين؟»
وبعدها بثواني:
«ماما بتقول إنك مشيتي من المستشفى.»
وبعدين:
«ارجعي البيت فورًا.»
قفلت الشاشة.
ما كنتش مستعدة أسمع صوته.
مش بعد كل اللي حصل.
—
وصلت لفندق صغير في مصر الجديدة كنت حجزت فيه قبل ما أخرج من المستشفى.
أول ما دخلت الغرفة، حطيت الشنطة على السرير، وقعدت على طرفه.
لأول مرة من ساعات، حسيت إن جسمي كله بدأ يستوعب اللي حصل.
إيدي كانت بتترعش.
نفسي كان سريع.
لكن وسط كل ده، كان فيه إحساس غريب بالراحة.
لأني أخيرًا أخدت قرار.
بعد حوالي ساعة، رن موبايلي.
محمود.
المرة دي رديت.
صوته كان متوتر.
قال:
«إنتِ عملتي إيه؟»
قلت:
«تقصد إيه؟»
قال بعصبية:
«ماما راحت الشقة وما لقتكيش. إنتِ سيبتي البيت؟»
سكت شوية، وبعدين قال:
«إيه اللي في الظرف؟»
ابتسمت رغم إني كنت موجوعة.
وقلت:
«افتحه.»
قال:
«إنتِ بتلعبي معايا؟»
رديت:
«لا يا محمود. أنا لأول مرة في حياتي مش بلعب.»
سكت.
وبعدين سأل:
«إنتِ خدتي إيه من البيت؟»
قلت:
«حاجتي.»
«فين باقي الأوراق؟»
«معايا.»
صوته اتغير.
قال:
«إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه؟»
قلت:
«أيوه.»
وبعدها قفلت المكالمة.
—
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلتني رسالة منه.
«إنتِ لازم ترجعي فورًا. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»
ما رديتش.
بعدها رسالة تانية:
«ماما مستعدة تتكلم معاكي.»
وبرضه ما رديتش.
وبعدين وصلتني الرسالة اللي كنت متوقعة توصل.
«لو قدمتي أي أوراق للجهات المختصة، هتسببي مشاكل كبيرة للشركة ولحياتنا كلنا.»
قريتها بهدوء.
ما كانش فيه اعتذار.
ما كانش فيه سؤال عن حالتي.
ما كانش فيه حتى كلمة «آسف».
كان كل اللي يهمه…
الشركة.
الفلوس.
والأسرار.
في اللحظة دي، اتأكدت إن قراري كان واضحًا بالنسبة لي.
—
الساعة 8 الصبح، فتحت اللابتوب.
كان عندي مجلد كامل باسم بسيط جدًا:
«مشروع 17».
جواه ملفات كتير.
لكن أهم ملف كان عبارة عن جدول عملته بنفسي.
كل فاتورة.
كل تحويل.
كل اسم شركة.
كل تاريخ.
وكل مبلغ.
بدأت أراجع الأرقام مرة تانية.
كنت محتاجة أتأكد إني ما نسيتش أي تفصيلة.
وبعد حوالي ساعة، اكتشفت حاجة أخطر مما كنت متوقعة.
فيه مبلغ كبير اتسحب من حساب الشركة قبل أسبوعين.
المبلغ ما كانش باسم حماتي.
ولا باسم شركة من الشركات اللي كنت أعرفها.
كان متحول لحساب شخص ثالث.
شخص ما كنتش أعرفه.
لكن اسم المستفيد كان مرتبط بعنوان قديم كنت شوفته قبل كده في أوراق الشركة.
فتحت المستندات القديمة.
وبدأت أربط التفاصيل ببعض.
وبعد دقائق…
اتجمدت مكاني.
العنوان كان عنوان شقة تملكها حماتي من سنين.
يعني الموضوع ما كانش مجرد فواتير غير حقيقية.
كان فيه شبكة كاملة.
وأنا لسه ما كنتش عارفة نهايتها فين.
—
في نفس الوقت، كان محمود في شقتنا.
واللي حصل هناك كان مختلف تمامًا.
حسب ما عرفت بعدين، أول ما فتح الظرف، طلع أول مستند.
كشف حساب.
بعده فاتورة.
بعدها نسخة من إيميل.
وبعدها جدول بالأرقام.
وفي آخر ورقة كنت كاتبة بخط إيدي:
«أنا ما كنتش بدور على مشكلة… أنا كنت بدور على الحقيقة.»
محمود فضل واقف قدام الترابيزة من غير ما يتحرك.
لكن والدته كانت أسرع منه في فهم خطورة الموقف.
أول ما شافت المستندات، وشها اتغير.
قالت:
«هي عرفت؟»
محمود رد بصوت منخفض:
«واضح إنها عرفت كل حاجة.»
نوال قربت من الورق.
وقالت:
«إنت قلتلي إنها مش هتكتشف.»
رفع عينه ليها.
«ما توقعتش إنها هتجمع كل ده.»
ردت بعصبية:
«يبقى لازم نتصرف قبل ما تتكلم.»
—
في الفندق، كنت لسه براجع الملفات لما موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل هادي:
«الأستاذة مريم؟»
قلت:
«أيوه.»
قال:
«أنا محتاج أقابلك بخصوص مستندات شركة محمود.»
سكت.
ما كنتش عارفة مين هو.
سألته:
«حضرتك مين؟»
قال:
«أنا كنت مسؤول حسابات الشركة قبل ما محمود يغير الإدارة.»
قلبي دق أسرع.
سألته:
«وإنت عايز مني إيه؟»
قال:
«أنا عرفت إنك خرجتي من البيت.»
«إزاي؟»
«لأن محمود اتصل بيا الصبح.»
سكت شوية، وبعدين قال:
«بس قبل ما نتكلم في أي حاجة، لازم تعرفي إن اللي عندك مش كل الحقيقة.»
ثبتُّ عيني على شاشة اللابتوب.
وقلت:
«يعني إيه؟»
قال:
«فيه حساب تاني.»
اتجمدت.
«حساب تاني؟»
قال:
«أيوه… وحساب الشركة الرئيسي مش هو اللي كانوا بيستخدموه لإخفاء كل التحويلات.»
سألته:
«فين الحساب ده؟»
رد:
«لو قابلتيني، هقولك.»
وقبل ما أقفل، قال جملة خلتني أسكت تمامًا:
«وفيه اسم موجود في المستندات… لو عرفتي هو مين، هتفهمي ليه محمود كان ساكت كل السنين دي.»
المكالمة انتهت.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتحرك.
كنت فاكرة إني اكتشفت السر كله.
لكن واضح إن اللي اكتشفته…
كان مجرد أول طبقة.
والسؤال اللي بدأ يطاردني كان واحد بس:
مين الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميه بكل الثمن ده؟
—
فضلت قاعدة قدام اللابتوب ومش عارفة أعمل إيه.
كلمة واحدة كانت بتدور في دماغي:
«حساب تاني.»
لو الحساب اللي عندي ما كانش هو الحساب الرئيسي اللي استخدموه في إخفاء التحويلات، يبقى أنا كنت شايفة جزء واحد بس من الصورة.
مسكت ورقة وقلم، وبدأت أكتب كل الأسماء اللي ظهرت قدامي خلال الشهور اللي فاتت.
نوال الشامي.
محمود.
الموردين.
المحاسب القديم.
والشركات اللي ظهرت بأسماء مختلفة.
لكن كان فيه اسم واحد بيتكرر بشكل غريب…
اسم ما كنتش واخدة بالي منه في البداية.
«ياسر الشامي.»
أخو محمود الأصغر.
اتسندت على الكرسي وأنا بحاول أفتكر كل حاجة عنه.
ياسر كان نادرًا ما بيتدخل في شغل الشركة.
كان دايمًا بيظهر في المناسبات العائلية، ياخد نصيبه من الأرباح، وبعدها يختفي.
لكن قبل شهرين، فاكرة إن محمود قال لي جملة وقتها ما اهتمتش بيها:
«ياسر محتاج مساعدة في موضوع قديم.»
دلوقتي الجملة دي بقت مختلفة تمامًا.
—
رجعت اتصلت بالمحاسب القديم.
رد بعد أول رنة.
قلت:
«عايزة أقابلك.»
قال:
«تمام. فين؟»
اخترت كافيه هادي في الزمالك.
ما كنتش عايزة أقابله في الفندق.
ولا في أي مكان يعرفه محمود.
بعد حوالي ساعة، وصل رجل في أواخر الأربعينات.
قعد قدامي، وحط ملف أسود على الترابيزة.
وقال:
«قبل ما أفتح الملف، لازم أوضحلك حاجة.»
قلت:
«اتفضل.»
قال:
«أنا ما كنتش شريك في اللي حصل.»
«أنا عارف.»
بصلي باستغراب.
قلت:
«لو كنت شريك، ما كنتش اتصلت بيا.»
فتح الملف.
وكان جواه صور من مستندات قديمة.
قال:
«الحساب التاني اتفتح من حوالي سنتين.»
بصيت للأوراق.
«باسم مين؟»
قلب الصفحة.
وتوقفت أنفاسي.
الحساب كان مرتبط بشركة صغيرة اسمها:
الشامي للمقاولات والخدمات.
قلت:
«دي شركة إيه؟»
رد:
«شركة اتأسست على الورق، لكن ما كانش ليها نشاط حقيقي.»
قلبت الصفحة.
ولقيت توقيع محمود.
وبجانبه توقيع شخص تاني.
ياسر.
قلت:
«يعني الاتنين كانوا مشتركين؟»
هز رأسه.
«في البداية، أيوه.»
«وبعدين؟»
قال:
«بعدها حصل تغيير.»
«إيه التغيير؟»
قرب الملف مني.
وقال:
«التوقيع التاني اختفى من بعض المعاملات… لكن الفلوس استمرت تتحرك.»
سألته:
«لصالح مين؟»
رفع عينه لي.
وقال:
«ده اللي كنت عايز أحذرك منه.»
—
قبل ما يكمل، موبايلي رن.
كان محمود.
نظرت للشاشة.
ثم وضعت الهاتف على الصامت.
المحاسب بص للموبايل وقال:
«هو عارف إنك هنا؟»
قلت:
«لا.»
قال:
«خلي بالك… لأنه لو عرف، ممكن يحاول ياخد منك المستندات.»
قلت:
«المستندات مش معايا كلها.»
ابتسم.
«عشان كده هو قلقان.»
—
فتح ملفًا آخر.
وقال:
«بصي هنا.»
كانت كشوف تحويلات.
أسماء مختلفة.
مبالغ متقاربة.
وتواريخ متباعدة.
لكن كل التحويلات كانت بتنتهي عند حساب واحد.
سألته:
«الحساب ده باسم مين؟»
قال:
«شخص اسمه سامح فؤاد.»
الاسم ما كانش مألوف بالنسبة لي.
قلت:
«مين سامح فؤاد؟»
رد:
«موظف سابق في الشركة.»
«موظف؟»
«أيوه. لكن الغريب إنه ساب الشركة من 4 سنين.»
بصيت له.
«طيب ليه فلوس الشركة لسه بتروح له؟»
قال:
«ده السؤال.»
—
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر من حماتي.
وأكبر من محمود.
وأكبر حتى من الشركة.
كان فيه أشخاص تانيين.
وأموال اتحركت من مكان لمكان.
وأسماء اتغيرت.
وأوراق اتعملت بعناية علشان ما حدش يقدر يربط كل حاجة ببعض.
لكن أنا كنت بعرف أربط الأرقام.
وده كان أكتر شيء يخوفهم.
—
وأنا خارجة من الكافيه، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
«ما تكمليش في الطريق ده لو عايزة تفضلي بعيدة عن المشاكل.»
وقفت مكاني.
بصيت حواليا.
ناس ماشية.
عربيات.
محلات.
ولا حاجة غريبة.
لكن إحساسي قال لي إن الرسالة دي ما كانتش صدفة.
رفعت عيني على الشارع.
ولأول مرة، حسيت إن الموضوع ما بقاش مجرد خلاف بين زوج وزوجته.
حد ما كنتش أعرفه…
كان بيراقب اللي بعمله.
—
رجعت الفندق.
فتحت اللابتوب.
وعملت نسخة إضافية من كل الملفات.
وبعدين حفظتها في مكان منفصل.
لكن قبل ما أقفل الجهاز، لاحظت رسالة بريد إلكتروني قديمة جدًا.
المرسل:
سامح فؤاد.
التاريخ كان من سنتين.
العنوان:
«بخصوص الاتفاق.»
فتحت الرسالة.
وكان فيها سطر واحد بس:
«لو محمود وافق، يبقى والدته هي اللي هتتعامل مع باقي التفاصيل.»
اتجمدت.
رجعت قريت الجملة مرة تانية.
والدته.
يعني نوال كانت جزء من الموضوع من البداية.
لكن كان فيه شيء تاني أخطر.
الرسالة كانت موجهة إلى محمود…
ومحمود ما ردش عليها.
لكن بعد أقل من خمس دقائق من إرسالها، حصل تحويل مالي كبير من حساب الشركة.
فتحت تفاصيل التحويل.
المستفيد؟
سامح فؤاد.
بدأت أراجع كل المستندات بسرعة.
وفجأة…
لقيت تاريخًا متكررًا.
كل مرة كان سامح بياخد فيها مبلغًا، كان بعدها بأيام يحصل اجتماع عائلي في بيت نوال.
وفي آخر تحويل…
كان المبلغ ضخم بشكل غير مسبوق.
والتاريخ كان قبل أسبوع واحد فقط.
يعني قبل الخلاف اللي حصل بيني وبين نوال بأيام.
—
رن موبايلي مرة تانية.
رقم مجهول.
رديت من غير كلام.
جالي صوت راجل.
قال:
«مريم؟»
قلت:
«مين؟»
قال:
«أنا الشخص اللي بتدوري عليه.»
قلبي وقف لحظة.
«سامح؟»
سكت.
وبعدين قال:
«أيوه.»
قلت:
«إنت فين؟»
قال:
«ما ينفعش أقولك.»
«إنت اللي بعت الرسالة؟»
«أيوه.»
«إنت بتهددني؟»
رد بسرعة:
«لا. أنا بحذرك.»
سألته:
«من مين؟»
صمت طويل.
وبعدين قال:
«من الشخص اللي محمود مستعد يخسر كل حاجة علشانه.»
قلت:
«مين؟»
لكن المكالمة انقطعت.
حاولت أتصل تاني.
الرقم كان مغلق.
جلست على السرير وأنا أحدق في الهاتف.
كنت فاكرة إن محمود كان بيحاول يحمي أمه.
لكن لو كلام سامح صحيح…
فهو كان بيحمي شخصًا آخر.
شخص مستعد يخسر بسببه زواجه.
وشركته.
ويمكن حتى مستقبله كله.
فتحت الملف من جديد.
وبدأت أراجع كل توقيع وكل تحويل.
لحد ما وصلت لورقة قديمة جدًا.
ورقة كنت شفتها قبل كده…
لكن ما فهمتش معناها.
كان عليها توقيع محمود.
وتوقيع نوال.
وفي أسفل الصفحة…
كان فيه اسم ثالث.
الاسم اللي كنت بدور عليه من البداية.
رفعت الورقة قدام عيني.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحقيقة اللي كنت بدور عليها…
كانت أقرب لبيتي مما تخيلت.
لكن اللي ما كنتش أعرفه… إن الشخص ده كان عنده سبب قوي جدًا يخلي محمود ونوال يعملوا المستحيل علشان يخفوا الحقيقة عنه.
—
فضلت ماسكة الورقة في إيدي وأنا مش قادرة أستوعب الاسم اللي قدامي.
طارق الشامي.
والد محمود.
الراجل اللي كل العيلة كانت بتتكلم عنه باعتباره مات من سنين بعد ما ساب الشركة لابنه.
لكن كان فيه حاجة غريبة.
أنا عمري ما شفت أي مستند رسمي يخص وفاته.
كل اللي أعرفه إن محمود قال لي يومها:
«أبويا مات من زمان، ومش عايز أتكلم في الموضوع.»
وساعتها احترمت رغبته.
لكن دلوقتي…
الاسم موجود على ورقة مرتبطة بتحويلات مالية كبيرة.
والأغرب إن الورقة نفسها كانت موقعة من محمود ونوال.
اتصلت بالمحاسب القديم فورًا.
رد بسرعة.
قلت:
«أنا لقيت اسم طارق الشامي.»
سكت للحظات.
وبعدين قال:
«إنتِ متأكدة؟»
قلت:
«أيوه.»
قال بصوت منخفض:
«يبقى لازم نتقابل تاني.»
قلت:
«ليه؟»
رد:




