منوعات

حماتي بقلم محمد عبده

«لأن فيه حاجة ما قلتهاش لك.»

—

بعد ساعة، كنا قاعدين في نفس الكافيه.

أول ما شافني، قال:

«طارق ما ماتش.»

فضلت أبص له من غير ما أتكلم.

قال:

«على الأقل… حسب آخر معلومة وصلتني.»

حسيت إن الدنيا بتلف بيا.

«إنت بتقول إيه؟»

قال:

«من أربع سنين، حصل خلاف كبير بين طارق ومحمود.»

«بسبب إيه؟»

«بسبب الشركة.»

حط الملف قدامي.

وقال:

«طارق كان عايز يراجع الحسابات بنفسه. ولما بدأ يكتشف تحويلات مش مفهومة، حصلت مشكلة.»

قلت:

«وبعدين؟»

قال:

«بعدها بأيام، اختفى.»

«اختفى إزاي؟»

«سافر.»

«فين؟»

هز رأسه.

«ما حدش كان يعرف.»

قلت:

«ومحمود قال لي إنه مات.»

قال:

«يمكن كان عايزك تصدقي كده.»

—

حسيت إن كل حاجة حواليا بتتحرك بسرعة.

قلت:

«طيب ليه نوال كانت بتحول فلوس؟»

قال:

«يمكن لأنها كانت بتستخدم اسم طارق في معاملات معينة.»

«بس ليه؟»

رد:

«عشان لو حد راجع الورق، يفتكر إن التحويلات مرتبطة بصفقة قديمة تخصه.»

بصيت له.

«يعني استخدموا اسم راجل مش موجود؟»

قال:

«بالضبط.»

—

فتحت اللابتوب قدامه.

قلت:

«بص على ده.»

عرضت عليه التحويل الأخير.

وبعدين الورقة اللي عليها توقيع طارق.

وشه اتغير.

قال:

«ده توقيع قديم.»

قلت:

«يعني إيه؟»

قال:

«يعني الورقة دي اتعملت من سنين.»

سألته:

«طيب ليه موجودة في ملف حديث؟»

ما ردش.

وبعد ثواني قال:

«لأن حد بيستخدم مستندات قديمة علشان يغطي معاملات جديدة.»

سكتنا الاتنين.

ثم قال:

«مريم، لازم تبقي حذرة.»

قلت:

«أنا مش هسيب الموضوع.»

رد:

«أنا مش بقولك سيبيه.»

وبعدين قرب مني وقال:

«أنا بقولك ما تثقيش في أي حد.»

—

رجعت الفندق وأنا حاسة إن كل حاجة كنت عارفاها عن محمود بدأت تنهار.

لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يخرج من دماغي:

لو طارق عايش فعلًا… فين هو؟

فتحت بريدي الإلكتروني.

بدأت أبحث في الرسائل القديمة عن أي شيء يخص اسمه.

وبعد حوالي نصف ساعة، لقيت رسالة من رقم غريب كانت وصلتني من أكتر من سنة.

كنت وقتها فاكرة إنها رسالة إعلانية.

لكن لما فتحتها دلوقتي…

لقيت صورة مرفقة.

صورة لرجل واقف قدام مبنى قديم.

الصورة كانت غير واضحة.

لكن ملامحه…

كانت مألوفة جدًا.

حملت الصورة على الكمبيوتر وكبّرتها.

وقفت مكاني.

كان طارق.

والأغرب من الصورة نفسها…

كان التاريخ.

الصورة اتبعتت لي قبل شهرين فقط.

يعني طارق كان موجودًا…

قبل ما أنا أكتشف أي حاجة.

—

في نفس اللحظة، وصلني إشعار على الهاتف.

رسالة جديدة.

من نفس الرقم المجهول.

فتحتها.

«دلوقتي عرفتي إنه عايش.»

وبعدها رسالة ثانية:

«لكن ما عرفتيش ليه اختفى.»

ثم رسالة ثالثة:

«ولو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة 10 الصبح عند محطة مصر.»

فضلت أبص للشاشة.

كنت عارفة إن الذهاب ممكن يكون مخاطرة.

لكن الحقيقة كانت أهم بالنسبة لي من الخوف.

رديت:

«هكون هناك.»

—

في اليوم التالي، وصلت قبل الموعد بنصف ساعة.

فضلت قاعدة في مكان قريب، أراقب الناس.

الساعة وصلت 10.

وبعدين 10:05.

10:10.

بدأت أفتكر إن الموضوع كله خدعة.

لحد ما سمعت صوتًا خلفي:

«مريم؟»

لفيت.

وكان واقف قدامي رجل في أواخر الستينات.

شعره أبيض.

وشكله مرهق.

لكن عينيه…

ما كانش فيهما أي شك.

كان طارق الشامي.

والد محمود.

بص لي للحظات طويلة، وبعدين قال:

«أنا آسف إنك عرفتي الحقيقة بالطريقة دي.»

قلت:

«إنت عارف أنا مين؟»

قال:

«أنا عارف عنك أكتر مما تتخيلي.»

قلت:

«ومحمود؟»

خفض عينيه.

وقال:

«محمود ما كانش هو اللي بدأ كل ده.»

اتصدمت.

قلت:

«أمال مين؟»

بص حواليه قبل ما يرد.

ثم قال:

«الشخص اللي بدأ كل حاجة…

هو الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميه.»

سألته:

«مين؟»

لكنه لم يجب.

بدلًا من ذلك، أخرج ظرفًا قديمًا من حقيبته.

وضعه في إيدي.

وقال:

«قبل ما تعرفي الاسم، لازم تشوفي اللي جوه الظرف.»

فتحت الظرف ببطء.

وكان بداخله…

شهادة ميلاد قديمة.

نظرت إلى الاسم.

ثم إلى طارق.

وشعرت بقلبي يتوقف للحظة.

لأن الاسم الموجود في الشهادة…

كان اسم شخص أعرفه جيدًا.

شخص كنت أراه كل أسبوع تقريبًا.

وشخص لم يخطر ببالي أبدًا…

إنه ممكن يكون مفتاح كل الأسرار دي.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في اسم الأم المكتوب أسفل الشهادة…

—

فضلت ماسكة شهادة الميلاد وأنا مش قادرة أرفع عيني من على الاسم.

الاسم اللي مكتوب في خانة الأم كان:

نوال الشامي.

حماتي.

رفعت عيني لطارق وقلت بصوت مرتعش:

«يعني إيه الكلام ده؟»

طارق ما ردش فورًا.

فضل ساكت، وكأنه كان عارف إن الحقيقة دي هتكون أصعب من كل اللي قبلها.

قلت له:

«إنت أبو محمود… ونوال هي أمه. مين الشخص المكتوب اسمه هنا؟»

أشار إلى خانة اسم الطفل.

وقتها فهمت.

الاسم كان:

ياسر الشامي.

أخو محمود.

اتراجعت خطوة.

قلت:

«ياسر؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«بس إيه علاقة ده بالفلوس؟»

تنهد وقال:

«كل اللي حصل بدأ من هنا.»

—

حكى لي طارق إن الشركة في بدايتها كانت ملكه بالكامل.

كان محمود وقتها لسه بيتعلم الشغل.

أما ياسر، فكان بعيد عن الشركة.

لكن بعد سنوات، بدأت تظهر مشاكل مالية.

نوال كانت بتحاول تضمن مستقبل أولادها بأي طريقة.

وكانت مقتنعة إن محمود هو اللي يستحق الشركة.

لكن طارق رفض إنه يحوّل ملكية الشركة لمحمود وحده.

قال:

«أنا كنت عايز كل واحد ياخد حقه.»

وهنا بدأت الخلافات.

نوال كانت شايفة إن محمود هو اللي بنى الشركة، وإن ياسر ما لهوش حق في جزء كبير منها.

لكن طارق كان عنده مستندات تثبت العكس.

«وعشان كده؟»

سألته.

قال:

«عشان كده بدأوا يسحبوا فلوس من الشركة بشكل تدريجي.»

«ومحمود وافق؟»

سكت.

ثم قال:

«في البداية، كان بيقول لنفسه إنه بيحمي حقه.»

«وبعدين؟»

«الموضوع كبر.»

—

سألته:

«طب ليه اختفيت؟»

ابتسم بحزن.

وقال:

«لأني اكتشفت إن فيه أوراق اتعملت باسمي من غير علمي.»

«وإيه اللي عملته؟»

«واجهتهم.»

«وبعدين؟»

قال:

«اتعرضت لضغط كبير، واضطريت أبعد فترة.»

بصيت له.

«بس ليه خليت محمود يقول إني مت؟»

هز رأسه.

«أنا ما قلتش له يقول كده.»

سكت شوية.

ثم قال:

«هو اللي اختار يقول للناس إني مت.»

الكلمة نزلت عليا كأنها صدمة جديدة.

يعني محمود ما كانش مجرد شخص ساكت.

كان بيخفي حقيقة كبيرة عن كل اللي حواليه.

—

رجعت الفندق ومعايا نسخة من المستندات اللي أعطاني إياها طارق.

لكن قبل ما أقدر أعمل أي شيء، لقيت محمود مستنيني عند مدخل الفندق.

وقفت مكاني.

قال:

«لازم نتكلم.»

قلت:

«مفيش كلام بينا.»

قال:

«إنتِ قابلتي أبويا.»

ما جاوبتش.

قال:

«أنا عارف.»

قلت:

«إنت كنت عارف إنه عايش.»

قال:

«أيوه.»

«وخبيت عليا الحقيقة.»

سكت.

قلت:

«وخبيت عني فلوس الشركة.»

قال:

«الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»

ضحكت بسخرية.

«دي نفس الجملة اللي بتتقال قبل كل كارثة.»

قرب خطوة.

وقال:

«أنا كنت بحاول أحمي ياسر.»

بصيت له.

«من إيه؟»

قال:

«من أمي.»

—

لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

قال:

«نوال كانت عايزة كل حاجة تفضل تحت سيطرتها.»

«وياسر؟»

«كان بيعترض عليها.»

«يبقى ليه استخدمتوا اسمه؟»

خفض عينيه.

«عشان نخلي التحويلات تبان كأنها جزء من حقه في الشركة.»

«لكنها ما كانتش حقه.»

«عارف.»

«يبقى كانت معاملات غير قانونية.»

ما ردش.

الصمت كان كفاية.

—

طلعت موبايلي.

وقلت:

«أنا موثقة كل حاجة.»

وشه تغير.

قلت:

«التقارير الطبية.»

«الفواتير.»

«التحويلات.»

«الإيميلات.»

«والمستندات القديمة.»

«وكل حاجة تثبت إنك كنت عارف.»

قال:

«إنتِ هتبلغي عننا؟»

قلت:

«أنا مش عايزة أدمّر حياة حد.»

وبعدين بصيت له مباشرة.

«أنا بس عايزة حقي وحياتي ترجع لي.»

قال:

«وماما؟»

قلت:

«هي اختارت طريقها.»

—

بعدها بأيام، بدأت الإجراءات الرسمية.

قدمت المستندات للجهات المختصة.

المستشفى احتفظت بتقرير الواقعة.

والمستندات المالية بدأت تتراجع بشكل رسمي.

لأول مرة، ما كنتش أنا اللي بطارد الحقيقة.

الحقيقة نفسها كانت بتظهر.

وبعد مراجعة أولية للمستندات، بدأت أسئلة كثيرة تتوجه لمحمود ونوال.

لكن المفاجأة كانت إن ياسر قرر يتكلم.

قدم مستندات إضافية.

وأكد إن اسمه استخدم في معاملات ما كانش على علم بتفاصيلها.

وده غيّر اتجاه الموضوع بالكامل.

—

بعد عدة أسابيع، رجعت للشقة.

مش علشان أرجع لمحمود.

كنت راجعة آخد باقي حاجتي.

دخلت غرفة السفرة.

نظرت إلى الترابيزة.

المكان اللي كنت سايبة عليه المفتاح والظرف.

ابتسمت لنفسي.

فاكرة الليلة دي.

فاكرة قد إيه كنت خايفة.

لكنني كنت عارفة إن الخوف مش معناه إننا لازم نسكت.

وأنا خارجة، لقيت محمود واقف عند الباب.

قال:

«أنا خسرتك.»

بصيت له.

وقلت:

«إنت خسرتني قبل ما أخرج من البيت بوقت طويل.»

سكت.

ثم قال:

«لو رجع الزمن، كنت هتصرف بشكل مختلف.»

قلت:

«يمكن.»

وبعدين أضفت:

«بس أنا مش هعيش حياتي كلها وأنا مستنية حد يتغير.»

ومشيت.

—

بعد شهور، بدأت حياتي تتغير.

رجعت لشغلي في مجال المحاسبة.

وبدأت أشتغل مع شركة صغيرة بعيد عن أي حد أعرفه.

ما بقيتش أتعامل مع الخوف كأنه ضعف.

بقيت أعرف إن توثيق الحقيقة أحيانًا أهم من الصراخ.

وإن السكوت ممكن يكون اختيار مؤقت…

لكن ما ينفعش يبقى أسلوب حياة.

أما محمود، فواجه نتائج قراراته.

ونوال اضطرت تواجه التحقيقات المتعلقة بالمعاملات المالية.

أما طارق، فبدأ يصلح علاقته بأولاده من جديد.

وفي يوم، قابلت ياسر بالصدفة.

قال لي:

«أنا مدين لك باعتذار.»

قلت:

«ليه؟»

قال:

«لأني سكت.»

بصيت له وقلت:

«المهم إنك اتكلمت في النهاية.»

ابتسم.

وقال:

«إنتِ عارفة إن الظرف اللي سيبتيه على الترابيزة غيّر كل حاجة؟»

ابتسمت.

«أيوه.»

ثم قلت:

«أنا وقتها ما كنتش عايزة أغيّر حياتهم.»

«كنت بس عايزة أنقذ حياتي.»

ومشيت.

لأول مرة من سنين…

كنت ماشية من غير ما أبص ورايا.

لأنني فهمت أخيرًا إن بعض الأبواب لازم تتقفل…

مش علشان نهرب من الماضي،

لكن علشان نقدر نبدأ حياة جديدة.

**تمت**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى