قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

“أيوه يا عقيد… أنا سامعك.” الصوت اللي جه من الناحية التانية كان هادي، لكن أول ما سمعته حسيت إن أول قطعة من اللغز بدأت تتحط في مكانها. بصيت لمارجريت وقلت: “محتاجاك تيجي مستشفى النور فورًا.” رد الصوت: “حاضر. في حاجة حصلت لبنتك؟” بصيت لإيمي. كانت عينيها مليانة خوف. قلت:

 

“أيوه… وحابب أقولك إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد وقعة.”

مارجريت قربت مني بسرعة.

“إنتِ بتعملي إيه؟”

قفلت المكالمة وبصيت لها.

“لسه بدري تعرفي.”

وشها اتغير.

لكن براندون حاول يضحك وقال:

“واضح إن العقيد بتحب تعمل مشاهد درامية.”

بصيت له من غير ما أرد.

في اللحظة دي دخلت دكتورة الطوارئ الغرفة.

كانت ماسكة الملف الطبي لإيمي.

قالت:

“حضرتك والدتها؟”

قلت:

“أيوه.”

الدكتورة بصت لمارجريت وآدم وبراندون، وبعدين رجعت تبصلي.

“ممكن نتكلم على انفراد؟”

مارجريت تدخلت بسرعة:

“مفيش داعي. إحنا عيلتها.”

الدكتورة ردت بهدوء:

“أنا آسفة، لكن المعلومات الطبية تخص المريضة ووالدتها.”

اتوترت مارجريت.

أما أنا فطلبت منها تسيبنا.

خرجت هي والباقيين من الغرفة، لكن قبل ما الباب يتقفل، شفت براندون بيبص لإيمي نظرة خلتها تضم البطانية حواليها أكتر.

استنيت لحد ما الباب اتقفل.

وبعدين سألت الدكتورة:

“إيه اللي حصل بالضبط؟”

فتحت الملف وقالت:

“بنتك وصلت هنا قبل حوالي ساعة من وصول زوجها وعيلته.”

قلبي اتقبض.

“وإيه اللي قالته؟”

الدكتورة اترددت للحظة.

“قالت إنها كانت محتجزة، وإن حد منعها من الخروج.”

بصيت لإيمي.

كانت بتبص في الأرض.

الدكتورة كملت:

“وقالت كمان إن إصاباتها ماحصلتش بسبب سقوط عادي.”

سألتها:

“سجلتي الكلام ده في التقرير؟”

“أيوه.”

سكت شوية.

وبعدين سألت:

“هل حد حاول يغيّر كلامها؟”

الدكتورة بصت ناحية الباب.

وقالت:

“بعد ما وصل زوجها، طلب مني يتكلم معايا على انفراد.”

“وقال إن إيمي عندها مشاكل وإنهار ساعات بتفقد السيطرة على نفسها.”

حسيت إن إيدي اتقبضت.

لكن الدكتورة أكملت:

“أنا رفضت أكتب أي تشخيص مش موجود في الفحوصات.”

في اللحظة دي…

إيمي مسكت إيدي.

وقالت بصوت منخفض:

“ماما… في حاجة أهم.”

قربت منها.

“قولي.”

بصت حوالين الغرفة، وكأنها خايفة حد يسمعها.

وبعدين همست:

“الموضوع مش بدأ النهارده.”

اتسمرت مكاني.

“يعني إيه؟”

قالت:

“قبل كده حصلت حاجات كتير… بس كل مرة كانوا بيخلوني أصدق إني أنا السبب.”

“كانوا بيقولولي إني لو اتكلمت، محدش هيصدقني.”

وبدأت دموعها تنزل.

“لكن النهارده سمعت حاجة… خلتني أعرف إنهم مش بس عايزين يخوفوني.”

سألتها:

“سمعتي إيه؟”

إيمي قربت من ودني.

وقالت جملة واحدة:

“كانوا بيتكلموا عن أوراق البيت.”

سكت.

“أي أوراق؟”

“أوراق البيت اللي باسمك.”

اتغيرت ملامحي.

من سنين، كنت سايبة لإيمي شقة صغيرة في القاهرة باسمها، كنوع من الأمان ليها لو احتاجتها في أي وقت.

لكن إيمي قالت:

“مارجريت قالت لآدم إن لازم أخليكي توقعي على تنازل.”

سألتها:

“تنازل عن إيه؟”

قالت:

“عن الشقة.”

الدكتورة كانت لسه واقفة، لكن واضح إنها بدأت تدرك إن الموضوع أكبر من إصابات في المستشفى.

سألت إيمي:

“ليه كانوا عايزين الشقة؟”

إيمي هزت راسها.

“مش عارفة.”

وبعدين قالت:

“لكن في حاجة حصلت قبل ما أهرب.”

“إيه؟”

“مارجريت قالت لهم إن لو أنا ماوقعتش… لازم يلاقوا طريقة يخلوني أظهر قدام الناس إني مش مستقرة.”

سكتت.

أنا ماكنتش محتاجة أسمع أكتر.

سنين الخدمة علمتني إن أخطر اللحظات مش هي اللي بيكون فيها العدو واضح.

الأخطر…

لما يكون كل شيء متخطط له من قبل.

خرجت من الغرفة.

لقيت مارجريت واقفة في الممر.

أول ما شافتني قالت:

“أتمنى تكوني فهمتي إن بنتك محتاجة علاج مش مشاكل جديدة.”

وقفت قدامها.

“إنتِ قلتي إن بنتي وقعت.”

“أيوه.”

“والدكتورة قالت إنها وصلت قبل ما توصلي.”

سكتت.

“إنتِ قلتي إن محدش لمسها.”

“وده اللي حصل.”

قربت منها خطوة.

“غريبة.”

قالت:

“إيه الغريب؟”

بصيت للكاميرا اللي فوق الباب.

“لأن كاميرات المستشفى سجلت وصولكم.”

وشها اصفر.

براندون اللي كان واقف بعيد قرب بسرعة.

“كاميرات؟”

ابتسمت لأول مرة.

“أيوه.”

وبعدين قلت:

“والكاميرا مش بس صورت إنكم دخلتوا…”

سكت لحظة.

“هي سجلت مين دخل الغرفة قبل الدكتور، ومين خرج منها، ومين كان مع إيمي.”

الهدوء سيطر على الممر.

مارجريت حاولت تتمالك نفسها.

“إنتِ بتتهمينا بحاجة من غير دليل.”

رديت:

“أنا مااتهمتش حد.”

وبصيت لها بثبات.

“أنا بجمع الأدلة.”

في اللحظة دي، وصل شخص كنت مستنياه.

رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة مدنية، ومعاه ملف أسود.

قرب مني وقال:

“العقيد هارت.”

قلت:

“أهلًا يا لواء سامح.”

مارجريت اتراجعت خطوة.

براندون بص له باستغراب.

لواء سامح كان من الأشخاص القليلين اللي أثق فيهم، وكان اشتغل لسنوات في التحقيقات قبل ما يخرج من الخدمة.

بص لإيمي.

وبعدين للإصابات اللي في وشها.

وسألني:

“هل بنتك قالت لك كل حاجة؟”

قلت:

“لسه.”

فتح الملف.

“يبقى لازم نبدأ من البداية.”

مارجريت قالت بعصبية:

“هو حضرتك مين أصلًا؟”

رفع عينه ناحيتها.

“الشخص اللي هيتابع الموضوع بعيد عن نفوذ عيلتكم.”

وشها اتشد.

لكن براندون ضحك بسخرية.

“إنتوا فاكرين إن ملف طبي والكاميرا دي هتغير حاجة؟”

لواء سامح بص له.

“مش ملف واحد.”

وقلب صفحة.

“في تسجيلات.”

قلب الصفحة التانية.

“وفي إفادات.”

وقلب الثالثة.

“وفي تحويلات مالية.”

لأور مرة…

محدش من عيلة بريسكوت اتكلم.

أنا بصيت لإيمي.

كانت بتبصلي ودموعها في عينيها.

لكنها فجأة قالت:

“ماما… في حاجة أنا مخبيّاها عنك.”

سألتها:

“إيه؟”

قالت:

“أنا ماهربتش لوحدي.”

سكت الجميع.

“مين ساعدك؟”

إيمي بصت ناحية باب المستشفى.

وقالت:

“واحدة من العاملين في بيتهم.”

سألتها:

“فين هي؟”

إيمي ابتلعت ريقها.

“مش عارفة.”

“لكن قبل ما أخرج، ادتني حاجة.”

“إيه؟”

مدت إيدها تحت الوسادة…

وطلعت مفتاح صغير.

حطيته في إيدي.

وقالت:

“قالتلي… لو حصل لي أي حاجة، لازم أديهولك.”

بصيت للمفتاح.

كان عليه رقم صغير محفور:

317

لواء سامح بص للمفتاح.

وبعدين بصلي.

وقال جملة خلتني أفهم إن اللي جاي أخطر بكتير:

“العقيد… الرقم ده مش رقم غرفة.”

“ده رقم خزنة.”

المفتاح فضل في إيدي ثواني، وأنا ببص للرقم المحفور عليه:

317

سألت لواء سامح:

“خزنة فين؟”

رد بهدوء:

“ده اللي لازم نعرفه.”

إيمي شدت على إيدي وقالت:

“الست اللي ساعدتني قالت إن الخزنة موجودة في مكان مش بعيد عن بيت عيلة بريسكوت.”

مارجريت كانت واقفة بعيد، لكن أول ما سمعت كلمة “خزنة”، ملامحها اتغيرت.

وده كان كفاية بالنسبة لي.

بصيت لها.

“إنتِ تعرفي الخزنة دي؟”

قالت بسرعة:

“طبعًا لأ.”

لكن صوتها كان مختلف.

براندون تدخل:

“أمي قالت إنها ماتعرفش. الموضوع انتهى.”

لواء سامح رد:

“لأ، الموضوع لسه بيبدأ.”

وبعدين طلب من إدارة المستشفى الاحتفاظ بكل تسجيلات الكاميرات وعدم السماح بمسحها أو استبدالها.

بعد دقائق، خرجت أنا وإيمي من غرفة الطوارئ.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى