
### الجزء الخامس: الاسم اللي ظهر في التسجيل قلب كل الحقائق
فضلت واقف في غرفة المستشفى، والتسجيل شغال للمرة التانية على موبايل مريم.
كنت بحاول أقنع نفسي إني سمعت غلط، وإن الصوت اللي سمعته مش صوت الشخص اللي جه في بالي.
لكن لما شريف أعاد تشغيل المقطع، ما بقاش فيه مجال للشك.
الصوت كان واضحًا.
والكلمات كانت أخطر من أي اتهام ممكن أتخيله.
بصيت لشريف وسألته:
«إنت عرفت صاحب الصوت التاني؟»
هز راسه ببطء.
«عندي شك قوي، لكن لازم نتحقق من التسجيل الأصلي، ونتأكد من مصدره قبل ما نعتبره دليلًا نهائيًا».
مريم كانت ساكتة، وعينيها مليانة دموع.
قربت منها وسألتها:
«إنتِ كنتِ عارفة مين الشخص ده؟»
ردت بصوت متعب:
«كنت شاكّة، لكن ما كانش عندي دليل كفاية. كل مرة كنت بقرب من الحقيقة، كان بيحصل شيء يخليني أخاف على نفسي وعلى الولاد».
حسيت بغضب شديد.
«وليه ما بلغتيش الشرطة؟ ليه فضلتي لوحدك طول السنين دي؟»
بصت لي بحزن وقالت:
«لأني كنت خايفة إنهم ياخدوا الولاد مني، أو إن الشخص ده يستخدم نفوذه عشان يخليني أبان إني بكذب. أنا كنت لوحدي يا ياسين، وما كانش عندي حد أقدر أعتمد عليه».
الكلام وجعني.
كنت أنا المفروض أكون الشخص اللي تقدر تعتمد عليه.
لكنها كانت بتحارب لوحدها، وأنا حتى ما كنتش عارف إنها بتواجه كل ده.
مسكت إيديها وقلت:
«أنا آسف يا مريم. آسف إني ما دورتش ورا الحقيقة أكتر. صدقت كلام ناس، وما فكرتش إنك ممكن تكوني بتحاولي توصلي لي».
هزت راسها، والدموع بتنزل على خدودها.
«إنت ما كنتش تعرف كل حاجة. أنا مش عايزاك تفضل تلوم نفسك. كل اللي عايزاه دلوقتي إن عمر وآدم يعيشوا حياة طبيعية، وإن الحقيقة تظهر».
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات صغيرة في الممر.
الباب اتفتح، ودخل عمر وآدم.
عمر كان شايل كراسة رسم، وآدم ماسك الثعلب البرتقالي.
قرب عمر من أمه وسألها:
«ماما، هو بابا هيمشي تاني؟»
السؤال خلاني أنسى كل حاجة تانية.
نزلت على ركبتي قدامه وقلت:
«لأ يا عمر. أنا مش هختفي من حياتكم. حتى لو لسه عندنا حاجات كتير محتاجين نفهمها، أنا موجود».
بص لي شوية، وبعدها مد إيده الصغيرة ومسك إيدي.
آدم قرب هو كمان، وحط الثعلب البرتقالي في حضني.
وقال بصوت خافت:
«خليه معاك يا بابا، عشان ما تنسناش».
حسيت إن قلبي بيتقطع.
حضنت الولدين، ووعدت نفسي إني مش هسمح لأي حد يحرمني منهم تاني.
لكن كان لسه فيه سؤال لازم ألاقي إجابته.
مين صاحب الصوت التاني؟
وليه كان مصمم إن اسمه ما يظهرش في أي ورقة؟
### الشخص اللي ما توقعتش أشك فيه
بعد ما خرجنا من غرفة مريم، طلبت من شريف نقعد في مكان هادي ونتكلم بعيد عن أي حد.
فتح الملف القديم اللي جابه من الشركة، وطلع منه مستندات تخص المشروع العقاري اللي مريم كانت بتتكلم عنه.
قال:
«المشروع ده كان من أكبر مشروعات المجموعة قبل ست سنين. وفي الفترة دي، حصلت تحويلات مالية كبيرة بين شركات متعاقدة معانا. بعض التحويلات كانت قانونية، لكن فيه مبالغ تانية محتاجة مراجعة».
سألته:
«مين كان مسؤول عن الموافقة على التحويلات؟»
قلب صفحات الملف، وبعدها أشار إلى اسم مكتوب في أول صفحة.
كان الاسم هو حسام الشناوي، والدي.
حسيت إن صدري ضاق.
أبويا؟
هل كان هو الشخص اللي ظهر صوته في التسجيل؟
أبويا كان رئيس مجلس إدارة الشركة وقتها، وكان عنده صلاحية الموافقة على العقود والتحويلات الكبيرة.
لكن فكرة إنه يكون عارف اللي حصل لمريم، أو يكون ساهم في إبعادها عني، كانت أصعب من إني أستوعبها.
أنا كنت طول عمري شايفه رجلًا صارمًا، لكنه عادل.
علّمني إن سمعة العيلة أهم من أي مكسب، وإن الغلط لازم يتصلح مهما كان صاحبه.
هل ممكن يكون هو نفسه اللي شارك في إخفاء الحقيقة؟
شريف لاحظ التغيير في وشي.
قال بهدوء:
«يا أستاذ ياسين، لازم نفرّق بين إن الصوت يكون مألوفًا، وبين إننا نثبت صاحبه. ما ينفعش نتهم حد اعتمادًا على تسجيل غير موثّق. هنحتاج نراجع أصل التسجيل والمستندات المرتبطة بيه».
هزيت راسي.
كان عنده حق.
أنا مش عايز أكرر الغلطة اللي وقعت فيها من ست سنين، لما صدقت كلام ماجد من غير ما أسمع مريم.
المرة دي، لازم أعرف الحقيقة كاملة.
اتصلت بأبويا.
رد بعد الرنة التانية.
«أيوه يا ياسين، خير؟»
حاولت أخلي صوتي طبيعي.
«محتاج أشوفك النهارده يا بابا. فيه موضوع مهم بخصوص الشركة».
سألني:
«موضوع إيه؟»
قلت:
«موضوع المشروع القديم اللي اتفتح فيه تحقيق قبل ست سنين».
سكت للحظات.
كان صمته قصيرًا، لكنه كان كفاية يخليني أحس إن الاسم ده مش عابر بالنسبة له.
وبعدين قال:
«الموضوع ده اتقفل من زمان. إيه اللي فكرك بيه دلوقتي؟»
رديت:
«ظهرت مستندات جديدة، ولازم نراجعها».
قال بنبرة حاسمة:
«تعالى البيت الساعة سبعة. نتكلم هناك».
وقفل المكالمة.
فضلت ماسك التليفون، وبفكر في رد فعله.
ليه ما سألنيش عن طبيعة المستندات؟
وليه كان متأكد إن الموضوع اتقفل نهائيًا؟
### المواجهة في بيت العيلة
الساعة سبعة بالضبط، وصلت بيت العيلة في مصر الجديدة.
كان البيت هو نفس المكان اللي قضيت فيه طفولتي، ونفس المكان اللي اتعلمت فيه أول دروس الثقة والوفاء.
لكن وأنا داخل، حسيت إن كل ذكرى فيه بقت محل سؤال.
أبويا كان قاعد في مكتبه، قدامه كوب شاي وملفات قديمة.
رفع عينيه لما دخلت.
«اقعد يا ياسين».
قعدت قدامه، وحطيت الظرف البني على المكتب.
بص له، وبعدها بص لي.
«إيه ده؟»
قلت بهدوء:
«43 جواب كتبتهم مريم على مدار ست سنين. كلهم كانوا محاولات منها عشان توصل لي، لكنهم ما وصلوش».
أبويا ما لمسش الظرف.
فضل باصص لي من غير كلام.
كملت:
«وفيه تسجيل صوتي بيتكلم عن منع مريم من الوصول لي، وعن مشروع الشركة القديم. وفيه صوت شخص بيقول إنه هيتصرف معاها بنفسه، بشرط إن اسمه ما يظهرش في أي مستند».
اتغيرت ملامح أبويا.
لأول مرة في حياتي، شفته عاجزًا عن إخفاء انزعاجه.
قال بصوت منخفض:
«مين اللي اداك التسجيل ده؟»
سألته:
«ليه السؤال ده مهم عندك؟»
رد بسرعة:
«لأن التسجيلات ممكن تتفبرك، والمستندات ممكن تتزوّر. إنت لازم تكون حذر».
قلت له:
«أنا عارف. وعشان كده مش باتهم حد. أنا بس عايز أعرف إذا كنت تعرف حاجة عن اللي حصل لمريم».
قام من كرسيه، وراح ناحية الشباك.
فضل واقف وظهره ليا لثوانٍ طويلة.
وبعدين قال:
«مريم كانت بنت كويسة، لكن علاقتك بيها كانت ممكن تعمل مشاكل كبيرة للعيلة».
حسيت بصدمة.
«مشاكل إيه؟»
لف وبص لي.
«في الوقت ده، الشركة كانت بتمر بأزمة مالية. كان فيه مشروع كبير، ومستثمرين، والتزامات لازم تتسدد. وأنا كنت بحاول أحافظ على الشركة وعلى مستقبل الموظفين اللي شغالين فيها».
قلت له:
«وده إيه علاقته بمريم؟»
اتنهد.
«مريم اكتشفت مستندات ما كانش المفروض تكون في إيديها. وبدأت تسأل أسئلة عن التحويلات المالية، وعن بعض العقود اللي اتعملت وقتها».
سألته بسرعة:
«هل منعتها تتواصل معايا؟»
ما ردش فورًا.
وبعد لحظات قال:
«أنا ما طلبتش من حد يدمّر حياتك، يا ياسين. لكن كان فيه ناس بتحاول تحمي الشركة من فضيحة كبيرة».
قلت له بغضب:
«أنا مش بسأل عن الشركة! أنا بسأل عن طفلين قضوا ست سنين من غير أبوهم، وعن أم كانت بتحاول توصل لي وما قدرتش!»
أبويا نزل عينيه.
ولأول مرة، حسيت إنه مش قادر يدافع عن اللي حصل.
لكن قبل ما أضغط عليه بأسئلة أكتر، قال جملة غيّرت اتجاه الحوار بالكامل.
«لو عايز تعرف مين المسؤول عن الجوابات، اسأل ماجد عن الموظف اللي كان بيوصل البريد لمكتبي وقتها».
وقفت مكاني.
«إنت بتقول إن ماجد كان عارف مين اللي بيمنع الجوابات؟»
رد بصوت متعب:
«أنا بقول إن ماجد كان مسؤولًا عن جزء كبير من الإدارة وقتها، وكان عنده صلاحيات مش كل الموظفين كانوا عندهم».
سألته:
«وهل إنت كنت عارف إن مريم حامل؟»
أبويا رفع عينيه ناحيتي.
وسكت.
الصمت المرة دي كان أطول من أي إجابة.




