
### الجزء الثاني: المفتاح الصغير اللي كشف أول خيط في المؤامرة
فضلت واقف مكاني في بهو الشركة، مش قادر أستوعب اللي سمعته.
عمر وآدم كانوا واقفين قدامي، وكل واحد فيهم مستني مني رد.
كنت عايز أسألهم عن أمهم، وعن السنين الستة اللي فاتت، وعن السبب اللي خلاها تخبي عني وجودهم، لكن لساني كان تقيل، وكأن كل الأسئلة اتجمعت في حلقي ورفضت تطلع.
نزلت لمستواهم، وقعدت على ركبتي عشان أبقى قريب من عينيهم.
بصيت لعمر وسألته بهدوء:
«يا عمر، ماما قالتلكم إيه كمان عني؟»
بص لأخوه، وبعدها رجع بص لي.
«قالت إنك كنت بتحبها، وإنك مش شخص وحش. وقالت إن فيه ناس ممكن تمنعنا نكون معاك، بس إحنا لازم نعرف الحقيقة بنفسنا».
حسيت بصدمة جديدة.
ناس تمنعهم يكونوا معايا؟
مين الناس دول؟ وليه مريم كانت خايفة بالشكل ده؟
مدام بهية، الست اللي جابت الولدين، قربت مني وقالت بصوت مليان قلق:
«يا أستاذ ياسين، مريم كانت تعبانة من فترة. ومن كام يوم، حالتها بقت محتاجة متابعة أكتر. قبل ما تروح المستشفى، ادتني صورة الولاد، وطلبت مني لو حصل لها أي ظرف وما قدرتش ترجع، أجيبهم لحضرتك».
سألتها بسرعة:
«هي فين دلوقتي؟ أنهي مستشفى؟»
ردت وهي بتخفض عينيها:
«في مستشفى في مدينة نصر. لكن هي طلبت مني ما أقولش لحضرتك أي تفاصيل غير لما الولاد يوصلوا بنفسهم».
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
حتى وهي في أصعب لحظاتها، مريم كانت مصممة إني أعرف الحقيقة من ولادي، مش من أي شخص تاني.
مديت إيدي ناحية عمر، وقلت له:
«أنا مش عارف أشرحلكم اللي حاسس بيه دلوقتي، لكن لو فعلًا أنا باباكم، فأنا عايز أسمع منكم كل حاجة. ومش هسيبكم لوحدكم».
عمر ما ردش فورًا.
فضل يبص لي كأنه بيحاول يقرر إذا كان يقدر يثق في كلامي ولا لأ.
أما آدم، فاقترب خطوة صغيرة، ورفع لعبة الثعلب البرتقالي قدامي.
وقال بصوت خافت:
«ماما قالت إن الثعلب ده لازم يفضل معانا، وإننا ما نديهوش لأي حد غير بابا».
بصيت للعبة باستغراب.
«ليه يا حبيبي؟ إيه اللي جواه؟»
هز آدم كتفيه.
«مش عارف. ماما قالت إن جواه حاجة مهمة، وإن بابا هو الوحيد اللي هيعرف يعمل بيها إيه».
في اللحظة دي، افتكرت إن مريم كانت بتحب تخبي رسائل صغيرة في أماكن محدش يتوقعها. زمان، كانت بتسيب لي ورق مكتوب عليه كلام لطيف جوه كتبي أو في جيب الجاكيت بتاعي.
ابتسمت ابتسامة حزينة وأنا ببص للعبة.
هل ممكن تكون لسه بتعمل نفس الحاجة، حتى بعد كل السنين دي؟
مديت إيدي عشان أمسك الثعلب، لكن آدم ضمه لصدره بسرعة.
اتراجعت فورًا وقلت له:
«خلاص يا آدم، مش هاخده منك غصب عنك. ممكن بس توريني المكان اللي ماما قالتلك عليه؟»
فكر شوية، وبعدها قلب اللعبة بين إيديه الصغيرتين.
بدأ يلمس القماش عند رجل الثعلب، لحد ما لقى فتحة صغيرة مخفية وسط الخياطة.
فتحها بحذر.
وبعد ثوانٍ، طلع منها مفتاح معدني صغير، مربوط بخيط أزرق باهت.
أول ما شفت المفتاح، حسيت إن قلبي وقف للحظة.
كان مفتاحًا قديمًا، من النوع اللي بيستخدم في صناديق الأمانات والخزائن الصغيرة.
وكان مربوطًا به ورقة مطوية، مكتوب عليها بخط مريم:
«ياسين، لو المفتاح ده وصل لإيدك، يبقى أخيرًا عرفت إن عندك ولدين. ما تثقش في أي حد يقولك إني اخترت أبعدهم عنك بإرادتي. دور على صندوق الأمانات رقم 214، وهتفهم كل حاجة».
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين تلات مرات.
كل كلمة كانت بتفتح جوايا باب جديد من الأسئلة.
مريم ما كانتش بتقول إنها نسيتني.
ولا إنها قررت تبدأ حياة جديدة بعيد عني.
كانت بتقول إن حد منع الحقيقة عني، وإن فيه دليل مستنيني.
لكن مين الشخص ده؟
وقبل ما أقدر أفكر في إجابة، رنّ تليفوني.
كان المتصل هو ماجد الشناوي، ابن عمي وشريكي في إدارة الشركة، وأقرب شخص ليا من سنين طويلة.
رديت.
قال بصوته المعتاد:
«ياسين، إنت فين؟ الاجتماع بدأ من عشر دقايق، والوفد كله مستنيك. فيه حاجة حصلت؟»
بصيت للولدين، وبعدها للمفتاح اللي في إيدي.
قلت له:
«فيه موضوع عائلي طارئ. أجّل الاجتماع لحد ما أرجع».
سكت لحظة، وبعدها سألني بنبرة غريبة:
«موضوع عائلي؟ خير؟ مين حصل له حاجة؟»
كنت على وشك أقوله إن عندي ولدين، وإن أمهم مريم موجودة في المستشفى، لكني توقفت.
مش عارف ليه، لكن إحساس داخلي خلاني ما أقولش أي تفاصيل.
اكتفيت بالرد:
«هفهمك بعدين يا ماجد».
قفلت المكالمة، وطلبت من سارة تجهز العربية، وبعدها التفت لمدام بهية.
«ممكن تيجي معانا للمستشفى؟ أنا محتاج أعرف كل حاجة حصلت لمريم».
هزت راسها بالموافقة.
وبعد دقائق، كنت قاعد في العربية، وعمر وآدم جنبي في الكنبة الخلفية.
عمر كان بيسألني عن شغلي، وعن البيت اللي عايش فيه، وعن إذا كنت بحب الحيوانات ولا لأ.
أما آدم، فكان ساكت، حاضن الثعلب بتاعه، وكل شوية يرفع عينيه ويبص لي.
وفجأة، سألني عمر سؤالًا خلاني أحس بوجع في صدري.
«يا بابا، هو إنت ليه ما جيتش تشوفنا وإحنا صغيرين؟»
اتجمدت.
ما كنتش عارف أجاوبه إزاي.
إزاي أشرح لطفل عنده ست سنين إني ما كنتش أعرف أصلًا إنه موجود؟
إزاي أقوله إني قضيت ست سنين فاكر إن أمه اختارت تبعد عني، بينما هي كانت بتحاول توصل لي؟
مديت إيدي ومسكت إيده الصغيرة.
وقلت له بصراحة:
«أنا ما كنتش أعرف إنكم موجودين يا عمر. ولو كنت أعرف، كنت جيت لكم من أول يوم. صدقني، أنا ما كنتش هختار أبعد عنكم».
عمر فضل ساكت شوية.
وبعدين سألني:
«يعني إنت ما كنتش عارف إن ماما كانت بتبعتلك جوابات؟»
بصيت له بسرعة.
«جوابات إيه؟»
عمر بص لأخوه، وبعدها قال:
«ماما عندها صور لجوابات كتير. كانت بتكتبهم كل سنة، وتحطهم في ظرف كبير. وكانت بتقول إن كل جواب فيهم فيه حتة من الحقيقة اللي إنت لازم تعرفها».
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
جوابات؟
قد إيه عددهم؟
وهل المفتاح ده هو الطريق ليهم؟
وصلنا المستشفى، وطلعنا بسرعة ناحية الدور اللي كانت مريم موجودة فيه.
لكن قبل ما ندخل غرفتها، خرجت دكتورة من الباب، وبصت لمدام بهية.
«حضرتك من أهل المريضة مريم هولواي؟»
ردت الست بسرعة:
«أيوه، أنا جارتها. طمنيني عليها يا دكتورة».
الدكتورة بصت لنا كلنا، وبعدها قالت:
«حالتها مستقرة حاليًا، لكنها محتاجة راحة ومتابعة. تقدروا تدخلوا تشوفوها، بس من فضلكم ما تتعبوهاش بالكلام الكتير».
دخلت الغرفة وأنا حاسس إن كل خطوة باخدها بتقربني من ماضٍ حاولت أنساه ست سنين كاملة.
كانت مريم نايمة على السرير، ووشها شاحب، وشعرها متجمع ورا راسها.




