منوعات

الجزء الثاني والثالث المفتاح بقلم محمد عبده

لكن رغم التعب، عرفتها من أول نظرة.

وقفت عند باب الغرفة.

همست باسمها:

«مريم…»

فتحت عينيها ببطء.

ولما شافتني، اتسعت عينيها، وبدأت دموعها تنزل من غير ما تنطق بكلمة.

بعدها بصت لعمر وآدم، وابتسمت ابتسامة ضعيفة.

«إنتوا وصلتوا؟»

جري الولدين ناحيتها، وكل واحد مسك إيد من إيديها.

قال آدم:

«أيوه يا ماما. لقينا بابا».

مريم رجعت بصت لي.

وفي اللحظة دي، فهمت إنها كانت مستنية المواجهة دي من سنين.

قربت من السرير، وقلت بصوت مبحوح:

«ليه يا مريم؟ ليه ما عرفتشيني إن عندي ولدين؟ وليه كل ده حصل من غير ما أعرف؟»

قفلت عينيها للحظات، وبعدها فتحتهم وقالت:

«أنا حاولت يا ياسين… والله حاولت. بعتلك جوابات كتير، واتصلت بيك، وحاولت أوصل لك بأكتر من طريقة. لكن كل مرة كنت بلاقي نفسي برجع لنقطة الصفر».

سألتها وأنا بحاول أسيطر على غضبي:

«مين كان بيمنع الجوابات دي توصل لي؟»

مريم بصت ناحية الباب، وكأنها بتتأكد إن مفيش حد واقف برّه.

وبعدين همست:

«الشخص اللي كان بيمنعني أوصلك… هو نفس الشخص اللي كنت بتعتبره أقرب أخ ليك».

قلبي بدأ يدق بعنف.

ماجد!

لكن مريم ما قالتش اسمه.

بدل كده، مدت إيدها ناحية شنطة صغيرة جنب السرير، وطلعت منها ورقة قديمة.

قالت:

«قبل ما أحكيلك كل حاجة، لازم تروح لصندوق الأمانات رقم 214. هتلاقي فيه 43 جواب، وكل جواب فيهم عليه تاريخ. اقرأهم بالترتيب، من أول جواب لآخر جواب».

سألتها:

«وليه ما نفتحهمش هنا؟»

هزت راسها بتعب.

«لأن فيه جواب أخير مختلف عن الباقيين. الجواب ده كتبته بعد ما اكتشفت مين اللي كان بيتلاعب بحياتنا. وفيه دليل لوحده ممكن يغيّر كل حاجة».

سكتت لحظة، وبعدها مسكت إيدي بقوة مفاجئة.

وقالت:

«بس يا ياسين، أوعى تواجه ماجد قبل ما تقرأ الجواب الأخير. لو عرف إنك وصلت للحقيقة، ممكن يحاول يضيّع الدليل زي ما ضيّع كل اللي قبله».

خرجت من الغرفة وأنا حاسس إن حياتي كلها بقت معلقة بمفتاح صغير و43 جواب.

لكن السؤال اللي كان بيطاردني أكتر من أي حاجة تانية هو:

ليه ماجد، الشخص اللي شاركني نجاحي وأسراري، يحاول يحرمني من ولادي؟ وإيه اللي كان خايف إني أكتشفه؟

ما كنتش أعرف إن أول جواب هفتحه في صندوق الأمانات هيكشف سرًا أقدم من ولادة عمر وآدم، وإن الحكاية كلها بدأت في الليلة اللي مريم اختفت فيها من حياتي…

يتبع في الجزء الثالث.
### الجزء الثالث: أول جواب كشف إن اللي حصل ماكانش مجرد سوء تفاهم

خرجت من المستشفى وأنا حاسس إن رأسي هتنفجر من كتر التفكير.

مريم كانت قدامي من دقائق، والست اللي فضلت ست سنين أحاول أقنع نفسي إني نسيتها، رجعت فجأة لحياتي ومعاها ولدين المفروض إنهم أولادي.

لكن اللي وجعني أكتر من المفاجأة نفسها، إن فيه حد كان عارف الحقيقة طول الوقت، وقرر يحرمني من عيلتي.

والاسم الوحيد اللي بدأ يتكرر في دماغي كان ماجد.

ابن عمي، وشريكي في الشركة، والراجل اللي كنت باعتبره أخويا قبل ما يكون شريك نجاحي.

ركبت العربية، وطلبت من السواق يتجه إلى البنك اللي مريم حددته في الورقة.

طول الطريق، كنت ببص في المراية على عمر وآدم.

عمر كان بيتكلم مع أخوه عن البيت اللي هنروح له، وعن الألعاب اللي نفسه يشوفها، وعن إذا كان عندي كلب ولا لأ.

أما آدم، فكان ساكت كعادته، وحاضن الثعلب البرتقالي اللي بقى بالنسبالي أهم من أي صفقة عملتها في حياتي.

فجأة، عمر قرب مني وسألني:

«يا بابا، هو إحنا هنعيش معاك دلوقتي؟»

السؤال كان بسيط، لكن إجابته ما كانتش سهلة.

بصيت له وقلت:

«أنا نفسي أكون معاكم طول الوقت يا حبيبي، بس لازم الأول نطمن على ماما، ونفهم كل اللي حصل. المهم إنكم تعرفوا إني مش هسيبكم لوحدكم».

ابتسم ابتسامة صغيرة، ورجع قعد جنب أخوه.

أما أنا، ففضلت أفكر في كلمة «بابا».

كلمة ما سمعتهاش منه غير من شوية، ومع ذلك حسيت إنها غيّرت معنى حياتي بالكامل.

### صندوق الأمانات رقم 214

وصلنا البنك بعد حوالي نص ساعة.

دخلت مع مدام بهية، وطلبت مقابلة المسؤول عن صناديق الأمانات.

بعد التأكد من هويتي، الموظف طلب مني المفتاح الصغير اللي كان مربوط بلعبة الثعلب.

أول ما شافه، راجع سجل قديم على الكمبيوتر، وبعدها طلب مننا نستناه دقائق.

رجع ومعاه صندوق معدني صغير، وحطه على المكتب قدامي.

كان مكتوب عليه الرقم 214.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح القفل.

رفعت الغطاء ببطء.

جواه كان فيه ظرف كبير لونه بني، مربوط بشريط أزرق، وتحته مجموعة أوراق ومستندات قديمة.

فكيت الشريط.

ولقيت 43 ظرفًا، كل واحد مكتوب عليه اسمي بخط مريم.

بعض الظروف كان مكتوب عليها تاريخ يرجع لست سنين، وبعضها أحدث، لحد ما وصلت لآخر ظرف.

كان عليه تاريخ من شهور قليلة.

وتحته جملة قصيرة:

«الجواب الأخير، ما يتقراش غير لما تعرف الحقيقة اللي في أول 42 جواب».

بلعت ريقي بصعوبة.

بدأت بالجواب الأول.

كان مؤرخًا من ست سنين، بعد اختفاء مريم من حياتي بفترة قصيرة.

فتحت الورقة وبدأت أقرأ.

«ياسين،

مش عارفة إذا كان الجواب ده هيوصلك ولا لأ، لكن لازم أحاول.

أنا مشيت من حياتك وأنا قلبي مكسور، مش لأني بطلت أحبك، لكن لأني اكتشفت إن فيه حاجات بتحصل من ورا ضهري، وإن كل مرة بحاول أكلمك فيها، بلاقي حد بيقول لي إنك مش عايز تسمع صوتي.

اتصلت بمكتبك أكتر من مرة، وبعت رسائل على عنوانك، لكن الرد كان دايمًا واحد: ياسين مشغول، ياسين مش عايز يتكلم، ياسين طلب مني أبعد عنه.

أنا مش عارفة أصدق مين.

كل اللي أعرفه إني بحبك، وإن فيه حاجة غلط بتحصل.

ولو الجواب ده وصلك يومًا، أتمنى تسأل نفسك سؤال واحد: هل فعلًا أنا كنت هسيبك من غير ما أشرح لك السبب؟»

وقفت عن القراءة.

افتكرت آخر مرة شوفت فيها مريم.

كنا وقتها مخطوبين، وبنخطط نبدأ حياتنا مع بعض.

في الليلة دي، وصلتني رسالة منها بتقول إنها مش عايزة تكمل العلاقة، وإنها اكتشفت إننا مش مناسبين لبعض.

حاولت أتصل بيها، لكنها ما ردتش.

بعدها بيوم، ماجد قعد معايا وقال لي إنه قابل مريم بالصدفة، وإنها قالت له إنها ارتبطت بشخص تاني، وإنها مش عايزة أي علاقة بيا.

أنا صدقته.

لأنه كان أقرب شخص ليا.

وما خطرش على بالي إنه ممكن يكون بيكدب.

فتحت الجواب التاني.

وبعده التالت.

كل جواب كان بيحكي عن محاولة جديدة من مريم عشان توصل لي، وعن رسالة ما وصلتش، أو مكالمة اتقال لها إني رفضت أرد عليها، أو عنوان بعتت عليه جواب ورجع لها من غير ما يتفتح.

ومع مرور الوقت، بدأت نبرة كلامها تتغير.

في البداية كانت بتكتب وهي متأملة إننا نقدر نصلح اللي حصل.

بعدها بقت بتكتب وهي محتارة.

وفي الجواب السابع عشر، لقيت جملة وقفت عندها طويلًا:

«ياسين، أنا حامل.

عرفت النهارده إن فيه طفل جاي للدنيا، ومش عارفة أفرح لوحدي ولا أعيط لأنك مش جنبي.

كنت أتمنى تكون أول شخص يعرف.

حاولت أوصلك، لكن الشخص اللي رد عليّ قال لي إنك عرفت بالحمل، وإنك طلبت منه يبلغني إنك مش مستعد تتحمل مسؤولية طفل.

أنا مش مصدقة إنك تقول الكلام ده، لكني بقيت خايفة من كتر ما كل الطرق بتتقفل في وشي.

لو أنت فعلًا قلت كده، أتمنى تقولها لي بنفسك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى