منوعات

الجزء الثاني والثالث المفتاح بقلم محمد عبده

ولو ما قلتهاش، فاعرف إن فيه حد بيبعدنا عن بعض عمدًا».

حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.

أنا ما كنتش أعرف إنها كانت حامل.

ما كنتش أعرف إن عندي طفل واحد أصلًا، فما بالك بتوأم!

قفلت عيني، وحاولت أهدّي نفسي.

لكن إيدي كانت بتضغط على الورقة لدرجة إنها بدأت تتكرمش.

مدام بهية كانت قاعدة قصادي، ولما شافت حالتي قالت بهدوء:

«كمّل يا أستاذ ياسين. مريم تعبت كتير، وكانت كل مرة تكتب جواب تقول لي إنها لسه عندها أمل إنك تعرف الحقيقة».

رجعت أكمل القراءة.

الجوابات التالية كانت أصعب.

في واحد منها، كانت مريم بتحكي إنها ولدت عمر وآدم، وإنها اختارت أساميهم وهي بتتمنى إنك تكون موجود جنبها.

وفي جواب تاني، كتبت إنها احتفظت بصورة ليك جنب سرير الولدين، عشان لما يكبروا ويسألوها عن أبوهم، تقدر تقول لهم إنها ما كرهتكش يومًا.

أما الجواب رقم 31، فكان فيه اعتراف مؤلم.

«الولاد بقوا يسألوني عن باباهم.

عمر بيقول إنه عايز يعرف شكلك، وآدم بيسألني إذا كنت بتحبه.

بقول لهم إنك يمكن ما تعرفش إنهم موجودين، وإنه مش من حقهم يكرهوا شخص ما سمعش الحقيقة كاملة.

لكن يا ياسين، أنا تعبت.

مش من تربية الولاد، ولا من المسؤولية، لكن من إني كل يوم أصحى وأنا عارفة إن فيه أب محروم من أولاده، وأولاد محرومين من أبوهم، وكلنا ضحايا كذبة أنا مش قادرة أثبتها».

نزلت دموعي من غير ما أحس.

طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن مريم هي اللي اختارت تمشي.

وهي كانت بتحاول بكل الطرق توصل لي.

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان: إزاي ماجد قدر يعمل كل ده من غير ما أشك فيه؟

فتحت الجواب رقم 42.

كان أقصر من كل الجوابات السابقة.

«ياسين،

أنا عرفت أخيرًا إن الشخص اللي كان بيمنع رسائلي مش مجرد وسيط أخطأ في نقل الكلام.

عندي دليل على إن فيه حد كان بيستقبل بعض رسائلي، وبيغيّر العناوين، وبيمنع وصولها.

لكن اللي اكتشفته أخطر من كده.

الموضوع ما كانش متعلق بعلاقتنا بس.

فيه مستندات تخص شركتك، وتخص قرار اتاخد قبل ست سنين، ولو عرفت الحقيقة كاملة، هتفهم ليه كان مهم بالنسبة للشخص ده إنك تفضل بعيد عني.

الجواب الأخير فيه اسم الشخص، والدليل اللي يربطه بكل اللي حصل.

اقراه لوحدك، وبعدها قرر هتعمل إيه».

فضلت باصص للورقة.

مستندات تخص شركتي؟

قرار اتاخد قبل ست سنين؟

إيه علاقة الشركة بعلاقتي بمريم؟

رفعت عيني ناحية الموظف، وطلبت منه يسيبني لوحدي شوية.

بعدها، مددت إيدي ناحية الظرف الأخير.

كان أتقل من بقية الظروف، وكأن جواه أكتر من ورقة.

فتحت الظرف بحذر.

أول حاجة وقعت في إيدي كانت صورة مطبوعة لرسالة إلكترونية قديمة.

وتحتها نسخة من مستند يحمل توقيع ماجد.

وفي آخر الصفحة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط مريم:

«ياسين، لو وصلت للمرحلة دي، يبقى لازم تعرف إن ماجد ما كانش بيحاول يبعدني عنك بس… كان بيحاول يضمن إنك تفضل محتاج له طول عمرك».

حسيت إن دماغي وقفت.

قلبت الصفحة، وبدأت أقرأ المستند.

كان فيه تفاصيل عن تحويلات مالية، وتوقيعات، وقرار إداري اتاخد في شركتنا في نفس الفترة اللي اختفت فيها مريم.

لكن اللي خلاني أتجمد مكاني كان الاسم المكتوب في آخر المستند.

اسم شخص تاني، غير ماجد.

شخص كان عنده صلاحية الوصول إلى كل رسائلي الخاصة، وجدول مواعيدي، وحتى بعض حساباتي المالية.

شخص كنت بثق فيه كل يوم، وبسيبه يدخل مكتبي من غير ما يحتاج يستأذن.

وفي اللحظة دي، رنّ تليفوني.

بصيت على الشاشة.

كان ماجد.

رديت من غير ما أتكلم.

جالي صوته هادي في البداية:

«ياسين، إنت فين؟ حاولت أوصلك من الصبح. الاجتماع اتلغى، والناس بدأت تسأل عنك».

فضلت ساكت.

وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

«وعلى فكرة، سمعت إنك كنت في المستشفى النهارده… وإنك قابلت مريم».

سألته ببطء:

«إنت عرفت منين إني قابلت مريم؟»

سكت لحظة.

وبعدين رد:

«المهم دلوقتي إنك ترجع الشركة. فيه موضوع لازم نتكلم فيه قبل ما الأمور تكبر».

بصيت للمستند اللي قدامي، وبعدها للجواب الأخير.

ماجد ما كانش بيسألني إذا كانت مريم بخير.

ولا كان مهتم يعرف إذا كنت شفت أولادي.

كان قلقان من حاجة واحدة بس.

إن الحقيقة تكون وصلت لي.

قفلت المكالمة من غير ما أرد.

لمّيت الجوابات والمستندات، وحطيتهم في الظرف، وبعدها قمت من مكاني.

كنت راجع الشركة، لكن المرة دي مش كرئيس مجلس إدارة داخل اجتماع مهم.

كنت راجع بصفتي أبًا اكتشف إنه اتسرق منه ست سنين من عمر ولاده، وراجل لازم يعرف مين اللي حوّل أقرب الناس ليه لأعداء من غير ما يدري.

لكن قبل ما أخرج من البنك، لاحظت حاجة صغيرة في أسفل المستند.

كان فيه رقم ملف، وبجواره تاريخ جلسة تحقيق داخلية اتعملت في الشركة قبل ست سنين.

والأغرب إن التحقيق ده اتقفل في نفس اليوم اللي مريم اختفت فيه.

مين الشخص اللي كان عنده صلاحية الوصول لرسائلي وحساباتي؟ وإيه اللي حصل في التحقيق القديم اللي اتقفل فجأة؟

الإجابة كانت موجودة في أرشيف الشركة، لكن اللي ما كنتش أعرفه إن الشخص اللي هيضطر يفتح لي الملف ده، هو نفسه الشخص اللي حاول يدفن الحقيقة من البداية.

يتبع في الجزء الرابع…
### الجزء الرابع: رجعت الشركة وواجهت الشخص اللي سرق مني ست سنين من عمري

طول الطريق من البنك للشركة، كنت ماسك الظرف البني في إيدي، وبراجع في دماغي كل كلمة قريتها في الجوابات.

43 جواب.

43 مرة مريم حاولت توصل لي الحقيقة، وأنا كنت عايش مقتنع إنها باعتني واختارت تبعد عني.

والأصعب من ده كله، إن ابنيّ عمر وآدم قضوا ست سنين من غير ما يعرفوا أبوهم، لمجرد إن شخصًا ما قرر يتدخل في حياتنا ويغيّر مصيرنا.

لما وصلت مقر الشركة، كانت الساعة قربت من تلاتة العصر.

دخلت من البوابة الرئيسية، وسارة أول ما شافتني قامت من مكتبها بسرعة.

قالت بقلق:

«أستاذ ياسين، أستاذ ماجد بيسأل عن حضرتك من الصبح. طلب مني أول ما توصل أبلغه فورًا».

بصيت لها وسألتها:

«هو فين دلوقتي؟»

«في مكتب حضرتك».

هزّيت راسي، وطلبت منها ما تبلغوش بوصولي لحد ما أطلب منها.

وبعدها دخلت مكتبي من الباب الجانبي، اللي بيوصل مباشرة لأرشيف الإدارة.

كنت عارف إن لازم أتحرك بحذر.

لو ماجد فعلًا متورط، فمواجهته من غير دليل كافي ممكن تضيّع مني آخر فرصة أعرف بيها الحقيقة كاملة.

اتصلت بمدير الشؤون القانونية، الأستاذ شريف منصور، وطلبت منه ييجي مكتبي فورًا، من غير ما يبلغ أي حد.

شريف كان محامي الشركة من أكتر من عشر سنين، وكنت بثق فيه، لكن بعد اللي اكتشفته، بقيت عارف إن الثقة لوحدها مش كفاية.

لما دخل، حطيت قدامه المستندات اللي لقيتها في صندوق الأمانات.

فضل يقراها في صمت، وكل ما ينتقل من ورقة للتانية، ملامحه كانت بتتغير.

بعد دقائق، رفع عينيه وقال:

«المستندات دي محتاجة مراجعة دقيقة، يا أستاذ ياسين. فيه تحويلات مالية اتعملت وقتها من حساب تابع للشركة، وفيه توقيعات على مراسلات إدارية لازم نتأكد من صحتها».

سألته:

«والتحقيق الداخلي اللي اتفتح قبل ست سنين واتقفل في نفس اليوم؟»

اتنهد، وبعدها قال:

«أنا فاكر الموضوع ده. وقتها كان فيه شكوى بخصوص مخالفات مالية في أحد المشروعات، لكن التحقيق اتقفل بسرعة بعد ما الإدارة قدمت تقريرًا بيقول إن المشكلة مجرد خطأ في تسجيل البيانات».

«مين اللي قدّم التقرير؟»

فتح شريف الملف اللي جابه معاه، وبدأ يدور بين الأوراق.

وبعد لحظات، وقف عند صفحة معينة.

«التقرير اتقدّم باسم المدير المالي وقتها، لكن التوصية بإغلاق التحقيق كانت موقعة من نائب رئيس مجلس الإدارة».

سألته بسرعة:

«مين نائب رئيس مجلس الإدارة وقتها؟»

رفع عينيه ناحيتي.

وقال:

«ماجد الشناوي».

حسيت إن آخر جزء من الشك اللي جوايا بدأ يتحول لحقيقة محتملة.

لكن ما كنتش عايز أظلم حد من غير دليل.

طلبت من شريف يراجع سجلات الأرشيف الإلكتروني، ويجمع كل المستندات المرتبطة بالتحقيق القديم، على أن تكون المراجعة رسمية وتحافظ على الأدلة من أي تغيير.

وبمجرد ما خرج من المكتب، سمعت خبطتين على الباب.

وقبل ما أسمح بالدخول، الباب اتفتح.

دخل ماجد.

كان لابس بدلته المعتادة، ووشه عليه ابتسامة هادية، كأن مفيش أي حاجة حصلت.

قال وهو بيقرب من المكتب:

«أخيرًا ظهرت! إيه يا ياسين، اختفيت ليه النهارده؟»

ما رديتش على سؤاله.

فضلت باصص له لحد ما ابتسامته بدأت تختفي تدريجيًا.

سحب كرسي وقعد قدامي.

«مالك؟ فيه حاجة حصلت؟»

طلعت من الدرج صورة الولدين، وحطيتها على المكتب.

ماجد بص للصورة.

وفي لحظة قصيرة جدًا، شفت حاجة في عينيه.

صدمة.

ما كانتش صدمة شخص بيشوف صورة طفلين لأول مرة، لكنها كانت صدمة شخص اكتشف إن سرًا حاول إخفاءه سنين بدأ يظهر للنور.

وبعدها رجع لشكله الطبيعي، وقال:

«مين الولدين دول؟»

سألته بهدوء:

«إنت تعرف مريم هولواي؟»

اتغيرت ملامحه للحظة.

ثم رد:

«طبعًا فاكرها. دي حكاية قديمة، وإنت بنفسك قررت تنساها. مالها؟»

قلت له:

«الولدين دول ولادي يا ماجد».

سكت.

المرة دي ما عرفش يخفي ارتباكه بسرعة.

وبعد ثوانٍ، قال:

«إنت متأكد من الكلام ده؟ ممكن تكون مريم بتحاول ترجع لحياتك بأي طريقة».

كنت متوقع إنه يحاول يشككني في كلامها، لكني ما توقعتش إنه يبدأ باتهامها قبل حتى ما يسأل إذا كانت بخير.

قلت له:

«هي في المستشفى، وحالتها محتاجة متابعة. والولاد جم الشركة عشان يقابلوني. وعندي 43 جواب مكتوبين بخطها، كلهم بيأكدوا إنها حاولت توصل لي على مدار ست سنين».

ماجد عدّل قعدته.

«جوابات؟ إنت بتقول إيه؟»

فتحت الظرف، وطلعت أول ورقة من المستندات.

«بقول إن فيه رسائل اتمنعت من الوصول لي، ومكالمات اتقال لمريم إني رفضت أرد عليها، ومعلومات اتغيّرت عن عمد».

بص للورقة، وبعدها رجع بص لي.

«ياسين، إنت عارف إن مريم كانت متقلبة، وإن علاقتكم انتهت من زمان. مش كل حاجة بتحصل في حياتك لازم يكون وراها مؤامرة».

الجملة دي كانت كفاية تخليني أتأكد إنه بيحاول يوجّه الكلام بعيدًا عن السؤال الأساسي.

قلت له:

«أنا ما سألتكش عن شخصيتها. أنا بسألك عن حاجة تانية: هل عمرك استلمت أي رسالة منها تخصني؟»

رد بسرعة:

«لأ».

كانت إجابته سريعة لدرجة إنها ما سابتش مجال للتفكير.

لكن في اللحظة نفسها، افتكرت صورة رسالة إلكترونية كانت موجودة في الجواب الأخير.

رسالة من عنوان مريم، مرسلة قبل ست سنين، وموجّهة إلى مكتب نائب رئيس مجلس الإدارة.

ما كنتش عارف وقتها مين اللي فتحها، لكني كنت عارف إن الرسالة وصلت إلى جهة داخل الشركة.

مديت إيدي ناحية درج المكتب، وطلعت نسخة من الرسالة.

حطيتها قدامه.

«طيب، إيه تفسيرك للرسالة دي؟»

بص للورقة.

قرأ العنوان.

وبعدين التاريخ.

ولأول مرة من يوم ما دخل مكتبي، ماجد ما عرفش يرد فورًا.

فضل ساكت، وعينيه بتتحرك بين الورقة ووشي.

وبعدها قال:

«الرسالة دي ممكن أي حد يكون استلمها. مش دليل على أي حاجة».

هزّيت راسي ببطء.

«عندك حق. عشان كده مش هتهمك بحاجة قبل ما التحقيق يخلص».

وقفت من مكاني، واتجهت ناحية الباب، وفتحته.

كان شريف واقف برّه، ومعاه ملف قديم.

دخل، وحطه على المكتب.

قال وهو بيبص لي:

«يا أستاذ ياسين، لقينا سجلًا مهمًا في الأرشيف. فيه مراسلات داخلية من نفس الفترة، لكن فيه مشكلة».

سألته:

«إيه المشكلة؟»

فتح الملف، ووراني نسخة من سجل إلكتروني قديم.

«السجل بيوضح إن حساب نائب رئيس مجلس الإدارة دخل على نظام البريد الداخلي أكتر من مرة في الأيام اللي مريم حاولت تتواصل فيها مع حضرتك. لكن عشان نثبت مين استخدم الحساب فعلًا، محتاجين نراجع سجلات الدخول الأصلية، ونتأكد إن البيانات ما اتعدلتش بعد كده».

ماجد قام من كرسيه فجأة.

«إيه الكلام ده؟ إنتوا بتفتشوا في إيه بالضبط؟»

شريف رد بهدوء:

«دي مراجعة داخلية بناءً على مستندات ظهرت مؤخرًا. وهنلتزم بالإجراءات الرسمية».

ماجد بص لي بغضب مكتوم.

«إنت بتشك فيا يا ياسين؟ بعد كل السنين دي؟ أنا اللي وقفت جنبك لما الشركة كانت بتقع، وأنا اللي ساعدتك تبني كل اللي إنت فيه!»

الجملة دي كانت بتوجعني، لأنها كانت بتفكرني بكل المواقف اللي وقفت فيها جنبي.

لكنها كمان كانت بتفكرني بحاجة أهم.

إن الإنسان ممكن يعمل لك معروفًا في وقت، ويخفي عنك حقيقة في وقت تاني.

قلت له:

«لو إنت بريء، التحقيق هيظهر ده. أنا مش عايز غير الحقيقة».

ماجد فضل باصص لي لثوانٍ طويلة.

وبعدين قال بصوت منخفض:

«خلي بالك يا ياسين. مش كل حقيقة تعرفها هتكون في صالحك».

خرج من المكتب، وقفل الباب وراه بقوة.

فضلت واقف مكاني.

هل كان بيهددني؟

ولا كان بيحاول يخوفني عشان أتراجع؟

قبل ما أقدر أفكر، تليفوني رن.

كان رقم المستشفى.

رديت بسرعة.

جالي صوت الممرضة:

«أستاذ ياسين، حضرتك لازم تيجي المستشفى في أقرب وقت. مريم طلبت تشوفك، وفيه حاجة مهمة لازم تعرفها».

قلبي اتقبض.

سألتها:

«حصل لها حاجة؟»

ردت:

«هي واعية وحالتها مستقرة حاليًا، لكن وصل لها اتصال خلّاها تتوتر جدًا، وهي مصممة إنها تتكلم مع حضرتك بنفسها».

قفلت المكالمة، ولمّيت المستندات، وخرجت من الشركة.

وأنا في الطريق، اتصلت بمدام بهية عشان أطمن على الولدين.

قالت لي إن عمر وآدم كانوا قاعدين جنب أمهم، وإنهم ما سابوهاش من وقت ما رجعت من الفحوصات.

وصلت المستشفى، ودخلت غرفة مريم.

كانت قاعدة على السرير، وفي إيديها موبايل قديم.

أول ما شافتني، قالت:

«ياسين، ماجد عرف إنك فتحت صندوق الأمانات، صح؟»

قربت منها.

«أيوه. وبدأت أراجع المستندات. لكن محتاج أعرف حاجة واحدة: ليه كان مهم بالنسبة له إنه يبعدنا عن بعض؟ إيه اللي كان هيستفيده من ده؟»

مريم بصت ناحية عمر وآدم، وبعدها طلبت من مدام بهية تاخد الولدين شوية برّه الغرفة.

ولما بقينا لوحدنا، فتحت الموبايل القديم، وطلعت منه صورة لمستند.

قالت:

«قبل ما أختفي من حياتك، كنت اكتشفت حاجة عن الشركة. حاجة تخص مشروعًا كبيرًا، وتحويلات مالية ما كانتش واضحة. وقتها حاولت أحذرك، لكن ماجد عرف إني وصلت للمعلومات دي».

سألتها:

«إنتِ كنتِ بتشتغلي في الشركة وقتها؟»

هزت راسها.

«لأ، لكن كنت بساعدك في مراجعة بعض الأوراق قبل ما نتجوز. فاكر المشروع اللي كنت بتقول إنه هيغيّر مستقبل الشركة؟»

افتكرت المشروع فورًا.

كان مشروعًا عقاريًا ضخمًا في القاهرة الجديدة، واتأخر تنفيذه وقتها بسبب خلافات مالية وإدارية.

مريم كملت كلامها:

«أنا اكتشفت إن فيه مستندات بتتقدم للإدارة بأرقام مختلفة عن الأرقام الموجودة في العقود الأصلية. ولما حاولت أقول لك، ماجد سبقني، وبدأ يقنعك إني بحاول أوقع بينك وبين عيلتك».

حسيت بصدمة جديدة.

«يعني هو كان بيبعدني عنك عشان ما أكتشفش مخالفات مالية؟»

ردت بحزن:

«ده جزء من الحقيقة. لكن مش الحقيقة كلها».

وبعدين مدت إيدها بالموبايل، وفتحت ملفًا قديمًا عليه تسجيل صوتي.

قالت:

«التسجيل ده وصلني من شخص كان شغال في الإدارة وقتها. ما قدرتش أستخدمه لأنني كنت خايفة، ولأنني ما كنتش عارفة إذا كان ممكن يحميني أنا والولاد ولا لأ».

بصيت لها وسألت:

«مين الشخص اللي بعت لك التسجيل؟»

وقبل ما تجاوب، اتفتح باب الغرفة فجأة.

دخل شريف منصور، ووشه عليه علامات القلق.

قال بسرعة:

«أستاذ ياسين، لازم تسمع التسجيل ده قبل ما نعمل أي خطوة تانية. إحنا لقينا نسخة منه في الأرشيف، وفيه صوت شخص بيقول كلام خطير جدًا».

شغّل التسجيل.

في البداية، كان فيه تشويش وصوت أوراق بتتحرك.

وبعدين ظهر صوت رجل واضح وهو بيقول:

«لو مريم وصلت لياسين، كل اللي بنيناه هيقع. لازم نخليه يصدق إنها هي اللي اختارت تبعد، وإلا هتفتح ملف المشروع من جديد».

تبادلنا النظرات.

الصوت كان مألوفًا بشكل مخيف.

لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في الجملة دي.

بعدها بثوانٍ، ظهر صوت رجل تاني بيرد:

«ما تقلقش. أنا هتصرف مع مريم بنفسي… لكن بشرط إن اسمي ما يظهرش في أي ورقة».

مريم غمضت عينيها، ودموعها نزلت.

أما أنا، ففضلت باصص لشريف، مش قادر أصدق اللي سمعته.

لأن الصوت التاني…

كان صوت شخص من عيلتي، شخص ما كانش مجرد شريك في الشركة، ولا صديق قريب.

كان شخصًا اعتبرته طوال حياتي سندًا لا يمكن أن يخذلني.

والأخطر إن اسمه لم يكن ماجد الشناوي.

يتبع في الجزء الخامس…

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى