
الجزء الثاني
مرت الأيام، والأسابيع، وبعدها الشهور.
وفي الوقت اللي كانت فيه سمر بتبعد أكتر وأكتر عن بنتها، كنت أنا بحاول أخلي نور تحس إن حياتها لسه قدامها، وإن الكرسي اللي بتستخدمه مش هو اللي يحدد قيمتها ولا مستقبلها.
لكن الحقيقة إن الموضوع مكنش سهل.
جلسات العلاج كانت مرهقة.
وفي أوقات كتير كانت نور ترجع البيت منهكة، وتدخل أوضتها من غير ما تتكلم.
كنت أفتح الباب بهدوء وأسألها:
—عايزة تتعشي؟
ترد:
—مش عايزة.
—طب أعملك شاي؟
—لأ.
—طب أحكيلك موقف يضحك؟
وأحيانًا كانت تبتسم غصب عنها.
ومرة قالتلي:
—إنتِ بتفضلي تزعجيني لحد ما أضحك، صح؟
ضحكت وقلت:
—أهو أحسن ما تفضلي زعلانة.
بمرور الوقت، بدأت نور تستعيد جزءًا من حياتها.
رجعت تذاكر.
وبدأت تستخدم الكمبيوتر.
واتعلمت حاجات كتير تخليها أكثر استقلالًا.
لكن كان فيه سؤال واحد عمره ما اختفى من دماغها:
ليه ماما مش عايزاني؟
كنت كل مرة أحاول أهرب من الإجابة.
أقول:
—ماما بتحبك، بس هي محتاجة وقت.
لكن مع مرور السنين، بقيت حتى أنا مش مصدقة الجملة دي.
سمر كانت بتتصل في البداية مرة كل أسبوع.
بعدها مرة كل شهر.
وبعدين بقت المكالمات في المناسبات بس.
عيد ميلاد.
عيد.
أو لما تحتاج ورقة تخص نور.
أما الزيارات، فبقت نادرة جدًا.
وفي يوم، نور كانت عندها 15 سنة، سألتني:
—خالتي منى… هو أنا عملت حاجة غلط؟
وقتها حسيت إن السؤال أكبر من سنها.
قعدت جنبها وقلت:
—لأ.
—طب ليه ماما مش بتيجي؟
سكت.
—هي بتكسف مني؟
—لأ.
—بتخاف من الكرسي؟
السؤال ده وجعني.
قلت:
—المشكلة مش في الكرسي يا نور.
بصتلي وقالت:
—أمال في إيه؟
ومقدرتش أجاوب.
—
بعدها بسنة، حصلت مشكلة أكبر.
كنت في الشغل، واتصل بيا حسام.
قال:
—منى… محتاجة تيجي البيت.
صوته كان غريب.
رجعت بسرعة.
لقيت نور قاعدة في الصالة، وقدامها ظرف أبيض.
سألت:
—إيه ده؟
قالت:
—ماما بعتته.
فتحت الظرف.
كان فيه أوراق تخص علاج نور وبعض المستندات القديمة.
لكن وسط الأوراق، لقيت ورقة مكتوبة بخط سمر.
كانت بتقول إنها «موافقة» على استمرار إقامة نور عندي، وإنها غير قادرة حاليًا على توفير الرعاية المناسبة لها.
قريت الورقة مرتين.
وبصيت لحسام.
قال:
—إنتِ فاهمة هي بتعمل إيه؟
كنت فاهمة.
سمر كانت بتحاول تثبت رسميًا إن نور مستقرة عندي.
مش لأنها عايزة تطمن عليها…
لكن لأنها كانت بتبعد نفسها عن المسؤولية.
احتفظت بالورقة.
ومكنتش أعرف وقتها إنها هتبقى بعد سنين واحدة من أهم الأوراق في القصة كلها.
—
مرت السنين.
نور كبرت.
دخلت الجامعة.
وبقت شخصية مختلفة تمامًا عن البنت الصغيرة اللي كانت بتخاف تفتح التلاجة من غير إذن.
بقت قوية.
ذكية.
وعندها إصرار غريب إنها تعتمد على نفسها.
وفي يوم تخرجها، كانت القاعة مليانة.
أنا وحسام كنا قاعدين في الصف الأول.
وسمر؟
مكنتش موجودة.
نور طلعت تستلم شهادتها.
ولما رجعت مكانها، قربت مني وقالت:
—إنتِ عارفة إنك أول حد هبص له كل ما أحقق حاجة؟
دموعي نزلت.
قلت:
—وأنا أول حد هيكون فخور بيكي.
ضحكت.
لكن بعدها سألتني:
—تفتكري ماما كانت هتكون فخورة بيا؟
السؤال رجع تاني.
نفس السؤال.
لكن المرة دي، نور كانت عندها 22 سنة.
بصيت لها وقلت:
—يمكن.
قالت:
—أنا مش محتاجة يمكن.
وسكتت.
—
بعد تخرج نور بفترة، حصل شيء غير متوقع.
سمر اتصلت بيا.
بعد سنوات طويلة من البرود.
قالت:
—منى، محتاجة أشوفك.
قلت:
—فيه إيه؟
قالت:
—أنا اتخطبت.
سكت.
ثم أضافت:
—وفيه حفلة كبيرة قريب.
فهمت إنها مش بتتصل عشان نور.
كانت بتتصل عشان حياتها الجديدة.
قلت:
—مبروك.
قالت بسرعة:
—بس فيه حاجة مهمة.
—إيه؟
—أنا مش عايزة أي مشاكل.
استغربت.
—مشاكل إيه؟
قالت:
—نور.
حسيت إني اتجمدت.
—نور مش مشكلة يا سمر.
قالت:
—أنا عارفة… بس الناس اللي في حياتي الجديدة ميعرفوش عنها.
سكت.
—وخصوصًا خطيبي وأهله.
قلت:
—إنتِ مخبية بنتك؟
قالت:
—أنا بدأت حياة جديدة يا منى.
رديت عليها:
—ونور جزء من حياتك القديمة؟
مردتش.
وبعد ثواني قالت:
—أنا مش مستعدة أفتح الموضوع ده دلوقتي.
قلت:
—وده مش قرارك لوحدك.
قفلت المكالمة.
—
بعدها بأسابيع، وصلتني دعوة.
مش من سمر شخصيًا.
لكن من شركة تنظيم الحفل.
حفلة كبيرة في فندق بالقاهرة.
والسبب؟
سمر كانت بتعلن بداية حياتها الجديدة.
وقتها نور كانت 25 سنة.
قريت الدعوة.
وبعدين حطيتها على الترابيزة.
نور شافتها.
قالت:
—مين بعت دي؟
قلت:
—مامتك.
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
—هي عايزاني أروح؟
قلت:
—مش عارفة.
نور ابتسمت ابتسامة صغيرة.
—يمكن أخيرًا عايزة تعترف إني بنتها.
مكنتش أعرف أرد عليها.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها…
إن سمر كانت مخططة لحاجة تانية تمامًا.
بعد أيام، اتصلت بيا وقالت:
—منى، عايزاكي تيجي الحفلة لوحدك.
—ليه؟
—أنا مش عايزة نور تيجي.
سكت.
قالت:
—وبلاش تفتحي أي حاجة عن الماضي قدام الناس.
رديت عليها بهدوء:
—اطمني.
—يعني مش هتتكلمي؟
قلت:
—مش هحتاج أتكلم.
سكتت.
وأنا كنت متأكدة من حاجة واحدة…
إن الحقيقة أحيانًا مش محتاجة حد يدافع عنها.
هي بتلاقي طريقها لوحدها.
خصوصًا لما يكون فيه سر اتدفن سنين…
ومستند واحد بس كفيل يطلعه للنور.
والمفاجأة إن المستند ده…
مكنش معايا أنا.
كان موجود عند شخص محدش كان متوقع إنه يدخل في الحكاية أصلًا.
وصل يوم الحفلة.
من الصبح، وأنا حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية.
مش عارفة ليه، لكن كلام سمر في المكالمة الأخيرة كان بيرن في دماغي:
«إوعي تفتحي أي حاجة عن الماضي.»
الغريب إنها قالتها كأن الماضي ده سر يخصني أنا.
مع إن الحقيقة إن الماضي ده كان بنتها.
نور كانت عارفة إني رايحة الحفلة، لكنها ما حاولتش تمنعني.
قبل ما أخرج، قالتلي:
—خلي بالك من نفسك يا خالتي.
ضحكت وقلت:
—أنا رايحة حفلة مش حرب.
ابتسمت.
وبعدين قالت:
—لو ماما سألت عني، قولي لها إني بخير.
بصيت لها.
—هي مش محتاجة تسأل… هي عارفة.
ردت بهدوء:
—يمكن.
نفس الكلمة اللي قالتها يوم تخرجها.
يمكن.
—
وصلت الفندق.
المكان كان فخم جدًا.
ورود في كل مكان.
ترابيزة كبيرة عليها حلويات.
وأنوار متعلقة في السقف.
وصور لسمر وخطيبها رامي.
وكان واضح جدًا إن سمر عملت مجهود كبير عشان تقدم للناس صورة معينة عن حياتها.
حياة مثالية.
عروسة جديدة.
بيت جديد.
وعيلة جديدة.
لكن مفيش صورة واحدة لنور.
ولا حتى اسمها.
دخلت، ولقيت سمر واقفة وسط مجموعة من السيدات.
أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة متوترة.
جت عليا بسرعة.
—إنتِ جيتي لوحدك؟
قلت:
—زي ما طلبتي.
ارتاحت.
وبصوت منخفض قالت:
—شكرًا.
بصيت لها وقلت:
—متقلقيش.
قالت:
—أنا مش عايزة حد يعرف أي حاجة.
—أي حاجة عن إيه؟
سكتت.
قلت:
—عن بنتك؟
وشها اتغير.
—منى، مش هنا.
—تمام.
مشيت.
—
بعد حوالي ساعة، بدأت الحفلة.
رامي كان واقف جنب سمر وبيستقبل الضيوف.
راجل هادي ومحترم في الظاهر.
لكن لاحظت إنه كل شوية يسأل سمر عني.
وفي لحظة، قرب مني وقال:
—حضرتك أخت سمر؟
قلت:
—أيوه.
ابتسم.
—أنا سمعت عنك كتير.
استغربت.
—غريبة.
قال:
—سمر بتقول إنك كنتِ واقفة جنبها في أصعب فترات حياتها.
بصيت لسمر من بعيد.
كانت بتبص علينا.
قلت:
—هي قالت كده؟
—أيوه.
سكت لحظة، وبعدين قال:
—بس فيه حاجة أنا مش فاهمها.
قلبي دق.
—إيه؟
قال:
—ليه سمر مش بتتكلم عن أختها الصغيرة؟
كنت هرد.
لكن قبل ما أتكلم، جت واحدة من قرايب رامي وسلمت عليه.
الموضوع اتقطع.
—
بعد دقائق، حصل أول شيء غريب.
سمعت صوت طفل.
—ماما… هو مين الست دي؟
بصيت ناحية الصوت.
كان ولد صغير واقف جنب ست، وباصص عليا.
الست قالت له:
—عيب يا حبيبي، سلم.
الولد قرب.
وقال:
—حضرتك شبه طنط سمر.
ضحكت.
لكن سمر اللي كانت واقفة بعيد… وشها اتغير.
الولد مشي.
وبعده بدقائق، طفل تاني سأل سؤال أغرب.
كان بيبص لصورة كبيرة لسمر ورامي وقال:
—هو مش عند طنط سمر بنت كبيرة؟
سكتت القاعة للحظة.
سمر قربت بسرعة.
—لأ يا حبيبي، إنت لخبطت.
الطفل رد بمنتهى البراءة:
—بس أنا شفتها قبل كده.
سمر مسكت إيده وأبعدته.




