منوعات

الملف الازرق

### الجزء الثاني: الملف الأزرق اللي قلب حياتي

وقفت ريم قدامي، والملف الأزرق في إيدها، بينما داليا كانت بتبص لها من فوق لتحت بنظرة مليانة استعلاء.

قالت داليا بحدة:

«إنتِ مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟ لو جاية تعترضي على نتيجة المسابقة، فالأفضل توفري على نفسك الإحراج.»

ريم ما ردتش عليها فورًا. فضلت باصة لي أنا، وكأن داليا مش موجودة أصلًا.

وبعدين قالت بهدوء:

«مساء الخير يا نادر.»

حاولت أتكلم، لكن صوتي خرج ضعيف ومشوش.

«ريم… إنتِ… إنتِ جيتي هنا إزاي؟»

رفعت حاجبها باستغراب بسيط، وقالت:

«تقصد إزاي جيت أشوف بناتي وهما بيستلموا جايزة تعبوا عشانها؟ ولا تقصد إزاي قدرت أربيهم وأوصلهم للي هما فيه من غير ما تحتاج تسأل عنهم مرة واحدة طول 13 سنة؟»

كلامها كان هادي، لكن كل كلمة كانت بتدخل جوايا زي السكينة.

داليا تدخلت بسرعة:

«اسمعي يا مدام، أنا مش عارفة إنتِ مين بالضبط، لكن لو عندك مشكلة مع إدارة المسابقة، تقدري تتكلمي معاهم. نادر مش فاضي للمشاكل العائلية القديمة.»

ريم أخيرًا بصت لها.

«أنا ريم السيوفي، الزوجة الأولى لنادر، وأم البنتين اللي كسبوا الجائزة الكبرى النهارده.»

وش داليا اتغير فجأة.

بصت لي، وبعدها بصت لريم، وكأنها بتحاول تستوعب معلومة كانت غايبة عنها طول السنين دي.

«زوجته الأولى؟!»

ما قدرتش أرد.

كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي في يوم من الأيام، لكن عمري ما تخيلت إنها هتحصل بالشكل ده، قدام مراتي الحالية، وفي مناسبة كنت داخلها وأنا متوقع إن بنتها هتكون نجمة الحفل.

داليا قربت مني وهمست بغضب:

«إنت قلت لي إنك طلقت واحدة قبل ما نتجوز، وإن الموضوع انتهى من زمان. ما قلتليش إن عندك بنتين في السن ده!»

قلت بتوتر:

«أنا… كنت هشرح لك الموضوع.»

ضحكت ريم ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

«هتشرحلها إيه يا نادر؟ إنك مشيت وأنا حامل في بنتين؟ ولا إنك وقتها قلت لي إنك مش مستعد تضيع عمرك في حياة متواضعة، وإنك لقيت فرصة لحياة أفضل مع واحدة أغنى؟»

داليا بصت لي بذهول.

أما أنا، فحسيت إن الأرض بتضيق بيا.

الحقيقة إن ريم ما كانتش بتبالغ.

من 13 سنة، كنت موظف في شركة صغيرة، وكنت بحلم أعمل مشروعي الخاص. ريم كانت بتشتغل وبتساعدني في كل حاجة، وكانت بتصدق إننا نقدر نبني مستقبلنا مع بعض مهما كانت الظروف.

لكن لما اتعرفت على داليا، اللي كانت بنت رجل أعمال كبير، بدأت أشوف حياتي مع ريم باعتبارها عبئًا بيأخرني عن النجاح.

داليا وقتها وعدتني إنها تقدر تساعدني أبدأ شركتي، وتفتح لي أبواب ما كنتش هقدر أوصل لها لوحدي.

وفي يوم، اتخذت أسوأ قرار في حياتي.

طلبت الطلاق من ريم، رغم إنها كانت حامل.

حاولت تقنعني أستنى لحد ما البنات يتولدوا، وحاولت تفهمني إن الأطفال مالهمش ذنب في أي خلاف بيننا.

لكنني كنت قاسيًا، ومتمسكًا بفكرة إن مستقبلي أهم من أي مسؤولية تانية.

انتهى الجواز، ومشيت، وبدأت حياة جديدة.

ومع مرور السنين، كبرت شركتي، واشتريت بيوتًا فخمة، وبقيت رجل أعمال معروفًا.

وكل ما كنت بفتكر الماضي، كنت بقول لنفسي إن ريم أكيد قدرت تكمل حياتها، وإن البنات غالبًا مش محتاجين مني حاجة.

الحقيقة اللي كنت بهرب منها إني ما حاولتش حتى أتأكد.

رجعت للحاضر على صوت داليا وهي بتقول بعصبية:

«طيب، حتى لو الكلام ده صحيح، إيه المطلوب دلوقتي؟»

ريم فتحت الملف الأزرق، وطلعت منه ورقة مطوية.

«أنا مش جاية أطلب فلوس، ولا جاية أهدد حد. أنا جاية لأن بناتي وصلوا لمرحلة مهمة في حياتهم، وفيه حاجة لازم نادر يعرفها قبل ما يتخذ أي قرار يخصهم.»

مديت إيدي ناحية الورقة، لكنها ما سلمتهاليش.

قالت:

«قبل ما تقرأ، عايزاك تجاوبني على سؤال واحد.»

بلعت ريقي بصعوبة.

«اتفضلي.»

«هل كنت تعرف إن بنتيك عندهم موهبة علمية مميزة؟»

سكت.

«هل كنت تعرف إنهم شاركوا في مسابقات محلية، وإنهم قضوا سنين بيتعلموا البرمجة والرياضيات على أجهزة قديمة، وإنهم كانوا ساعات بيذاكروا على ترابيزة صغيرة في بيت متواضع، بينما إنت كنت بتصرف مبالغ ضخمة على مدارس بنت مراتك ودروسها الخاصة؟»

داليا اعترضت فورًا:

«إنتِ بتقارني بنتي ببنتيك ليه؟ ملك اجتهدت، وكونها ما كسبتش مش معناه إن حد ظلمها!»

ريم ردت بهدوء:

«أنا ما قلتش إن ملك ما اجتهدتش. لكن الجائزة بتتمنح على أساس النتيجة، مش على أساس مين عنده إمكانيات أكتر، ولا مين والده موّل المسابقة.»

الكلام ده خلّى داليا تسكت للحظة.

لكنها سرعان ما التفتت لي وقالت:

«نادر، إنت رئيس الشركة اللي موّلت المسابقة. لازم تتصرف. مش معقول بنتين ياخدوا الجائزة الكبرى وبنتي ترجع من غير حاجة!»

بصيت لها بعدم تصديق.

«تتصرف إزاي؟ النتيجة أعلنتها لجنة التحكيم.»

ردت بعصبية:

«اطلب منهم يراجعوا الدرجات! أو وزّعوا الميداليات بشكل عادل! المهم إن ملك ما تبقاش أقل من البنتين دول.»

ريم قفلت الملف الأزرق ببطء.

وبصت لداليا نظرة طويلة قبل ما تقول:

«دلوقتي فهمت ليه نادر لسه ما اتغيرش.»

داليا احمر وشها من الغضب.

«إنتِ تقصدي إيه؟»

ريم ما جاوبتهاش، لكنها رجعت تبص لي.

«نادر، أنا مش عايزة منك تعاقب بنت مراتك، ولا عايزة تسحب منها أي شهادة. بنتي وبنتك كسبوا لأنهم كانوا الأفضل في المسابقة، وملك ليها الحق تحتفظ بالتقدير اللي حصلت عليه. لكن اللي مش هسمح بيه هو إنك تستخدم نفوذك عشان تغيّر نتيجة صحيحة.»

لأول مرة، حسيت بالخجل من تصرفات داليا، ومن نفسي كمان.

كنت عايز أقول لريم إنها غلطانة في حاجة واحدة على الأقل، وإنني ما كنتش طول الوقت الشخص السيئ اللي هي فاكره.

لكن الحقيقة إني ما كنتش أعرف عنها أي حاجة من 13 سنة، وبالتالي ما كانش عندي حق أحكم على حياتها.

مديت إيدي مرة تانية.

«ممكن أشوف الورقة دلوقتي؟»

المرة دي، ريم سلمتهالي.

فتحتها وأنا متوقع أشوف شهادة أو مستند يخص البنات.

لكن أول سطر قرأته خلاني أتجمد في مكاني.

كان مكتوبًا فيه اسم شركتي بالكامل.

وتحته رقم ملف قديم يرجع لتاريخ تأسيس الشركة، قبل أكتر من عشر سنين.

رفعت عيني لريم بسرعة.

«إيه علاقة شركتي بالموضوع ده؟»

قالت:

«اقرأ الورقة للآخر يا نادر.»

نزلت بعيني على السطور التالية، وكل ما كنت بقرأ، كنت بحس إن الدم بينسحب من وشي.

المستند كان متعلقًا باتفاق قديم، وقّعته بنفسي في بداية مشروعي، اتفاق كنت فاكر إن كل تفاصيله انتهت من زمان.

لكن الورقة اللي في إيدي كشفت إن فيه بند مهم جدًا ما كنتش أعرف إنه لسه قائم.

بند ممكن يغيّر مستقبل شركتي بالكامل.

وبينما كنت بحاول أفهم المكتوب، قالت ريم بصوت هادي:

«إنت فاكر إن نجاحك خلال الـ13 سنة اللي فاتوا كان نتيجة قراراتك لوحدك؟»

ما رديتش.

حطت إيدها على الملف الأزرق، وأضافت:

«أنا سكت سنين طويلة، مش لأني نسيت اللي حصل، لكن لأني ما كنتش عايزة بناتي يكبروا وهم شايلين كراهية تجاه أبوهم. دلوقتي هما كبروا، وبقوا قادرين يختاروا بنفسهم. وأنا مش جاية أفرض عليهم حاجة.»

وبعدين قربت مني خطوة وقالت:

«لكن فيه حقيقة لازم تعرفها قبل ما يفوت الأوان.»

في اللحظة دي، رن تليفوني.

كان اتصال من المدير المالي لشركتي.

رديت وأنا لسه باصص للورقة.

جالي صوته متوترًا:

«أستاذ نادر، لازم حضرتك ترجع المكتب فورًا. لقينا مشكلة كبيرة في ملفات الملكية القديمة، وفيه مستند ظهر النهارده ممكن يغيّر كل حاجة.»

بصيت لريم.

كانت واقفة بهدوء، وكأنها كانت متوقعة الاتصال ده بالضبط.

وقبل ما أقدر أسألها عن أي حاجة، قالت جملة واحدة خلتني أفهم إن الليلة دي لسه في بدايتها:

«يا نادر، أنا ما جتش هنا عشان أطالبك بحق بناتي في الجايزة… أنا جيت عشان أديك آخر فرصة تعرف الحقيقة كاملة، قبل ما الحقيقة تظهر قدام الكل.»

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي كانت مستخبية في الأوراق القديمة

فضلت واقف مكاني، والتليفون على ودني، وأنا بحاول أستوعب كلام المدير المالي.

«إيه المشكلة بالضبط؟» سألته بعصبية.

رد بسرعة:

«مش هقدر أشرح لك في التليفون يا فندم. لقينا مستندات قديمة مرتبطة بتأسيس الشركة، وفيه حقوق ملكية مش متسجلة بالشكل الصحيح. المحامي موجود هنا، وبيقول إن الموضوع لازم يتراجع فورًا.»

حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.

شركة الشربيني للتكنولوجيا ما كانتش مجرد مشروع ناجح بالنسبة لي. دي كانت حياتي كلها، والاسم اللي بنيت سمعتي عليه، والثروة اللي قضيت سنين بجمعها.

قفلت المكالمة وبصيت لريم.

«إنتِ تعرفي إيه عن المستندات دي؟»

ردت بهدوء:

«أعرف إنك وقعت عليها من سنين، وأعرف إنك ما كنتش مهتم وقتها تقرأ كل التفاصيل.»

اعترضت بعصبية:

«أنا ما كنتش بمضي أي ورقة من غير ما أفهمها!»

ريم هزت راسها وقالت:

«يمكن كنت فاهم اللي يخصك، لكنك ما كنتش مهتم تعرف مين ساعدك توصل للمكان اللي إنت فيه.»

الكلام استفزني.

«إنتِ بتحاولي تقولي إن ليكي علاقة بشركتي؟»

بصت لي للحظات، وبعدها فتحت الملف الأزرق مرة تانية.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى