
الجزء الثاني
تاني يوم الصبح، فضلت أبص على كشف الحساب قدامي وأنا مش مستوعبة.
18 ألف جنيه.
المبلغ اتسحب من الكارت اللي حسام بيستخدمه للطوارئ وقت السفر.
والأغرب إن عملية السحب تمت من ماكينة موجودة في منطقتنا، مش من مكان قريب من طريق سفره.
استنيته يرجع من الشغل.
أول ما دخل، حطيت الموبايل قدامه وقلت:
— ممكن تفسرلي السحب ده؟
بص للشاشة ثواني، وبعدها قال بسرعة:
— آه… أنا سحبته.
— ليه؟
اتردد.
— ياسر كان محتاج فلوس.
حسيت إن الكلام نزل عليا زي الصدمة.
— ياسر؟
— آه. كان عليه مبلغ ضروري عشان يخلص موضوع شغله.
ضحكت من شدة الصدمة.
— وإنت اديته 18 ألف جنيه من فلوس الطوارئ من غير ما حتى تقولي؟
رد بعصبية:
— ما هي فلوسي يا نورا!
بصيت له في عينه وقلت:
— فلوسك؟ تمام. بس ليه قلت لي قبل كده إن الكارت للطوارئ بس؟
سكت.
وبعدين قال:
— الموضوع خلص، وما تكبريش الحكاية.
دخلت حماتي وقتها وقالت:
— هو أخوه يعني غريب؟
ما رديتش عليها.
لكن عيني راحت ناحية سارة.
كانت واقفة عند باب المطبخ، ساكتة تمامًا.
وأول ما عيني قابلت عينها، حطت إيدها على بطنها بسرعة ونزلت رأسها.
المشهد ده فضل عالق في دماغي طول اليوم.
لأن في حاجة ما كانتش راكبة.
ياسر قال إنه محتاج فلوس عشان يبدأ شغل جديد.
لكن لو الموضوع حقيقي، ليه كان متوتر كل ما أسأله عن الشغل؟
وليه حسام خبّى عني السحب؟
وليه سارة كانت بتتصرف وكأنها خايفة؟
قررت ما أسألش تاني.
على الأقل… مش دلوقتي.
بدأت أراقب من بعيد.
وفي اليوم التالي، خرج ياسر بدري.
بعد حوالي ساعة، خرجت سارة وراحت ناحية الشارع الرئيسي.
الغريب إنها ما ركبتش أي مواصلة.
مشت حوالي خمس دقايق، وبعدها وقفت قدام صيدلية.
وبعد دقائق، عربية سوداء وقفت جنبها.
نزل منها رجل في الخمسينات تقريبًا.
سلّم عليها، ومد إيده لها بكيس صغير.
سارة أخدته بسرعة وبصت حواليها.
أنا كنت واقفة بعيد، مستخبية وراء عربية مركونة.
ما قدرتش أسمع كلامهم.
لكن اللي شفته بعد كده خلاني أشك أكتر.
الرجل مد إيده ناحية بطنها.
سارة أبعدت إيده بسرعة.
وبعدها الاتنين اتخانقوا بصوت واضح، قبل ما يركب العربية ويمشي.
رجعت البيت قبلها.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، دخلت سارة وهي بتتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
كنت مستنية إنها تقول لي حاجة.
لكنها دخلت أوضتها وقفلَت الباب.
في اللحظة دي قررت أعمل حاجة ما كنتش متخيلة إني هعملها.
طلعت موبايل قديم كنت بستخدمه للتسجيلات، وحطيته في مكان قريب من الصالة.
مش عشان أفتش وراهم.
لكن عشان أعرف الحقيقة اللي كلهم بيحاولوا يخفوها عني.
مر يومين.
ولا حاجة حصلت.
وبعدين، في ليلة، سمعت صوت حماتي وهي بتتكلم مع سارة.
كانوا في المطبخ، وأنا كنت في أوضتي والباب موارب.
قالت حماتي بصوت منخفض:
— لازم تفضلي ساكتة.
سارة ردت:
— بس أنا مش قادرة أكمل كده.
— هتكملي غصب عنك.
— طب ولو هي عرفت؟
سكتت حماتي ثواني.
وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
— نورا لو عرفت الحقيقة، كل اللي عملناه هيضيع.
قربت من الباب من غير ما أعمل صوت.
سارة بدأت تبكي.
— أنا خايفة.
حماتي ردت:
— الخوف دلوقتي مش هيفيد. إحنا قربنا نخلص.
— وحسام؟
— حسام هيعمل اللي نقوله له.
وقتها رجعت خطوة لورا.
كنت محتاجة أسمع أكتر.
لكن فجأة سمعت صوت كرسي بيتحرك.
رجعت بسرعة للسرير، وفتحت الموبايل كأني كنت بتفرج عليه.
خرجت سارة من المطبخ وهي بتمسح دموعها.
بصت لي.
أنا ابتسمت.
— في حاجة يا سارة؟
هزت رأسها بسرعة.
— لأ.
دخلت أوضتها.
بعدها بدقائق، لقيت حسام داخل البيت.
سمعته بيقول لحماتي:
— كده كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا؟
اتسمرت مكاني.
حماتي ردت:
— أيوه، بس لازم نخلص بسرعة.
حسام قال:
— وأنا مش هقدر أعمل أكتر من كده.
حماتي ردت:
— لو وقفت دلوقتي، هنرجع كلنا لنقطة الصفر.
وقتها عرفت إن الموضوع مش مجرد مساعدة لأخوه.
كان فيه اتفاق.
وكان حسام جزء منه.
لكن السؤال اللي ماعرفتش إجابته كان:
هم عايزين يوصلوا لإيه؟
وفي اليوم التالي، وأنا في الشغل، وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت.
صوت رجل قال:
— حضرتك نورا؟
— أيوه.
— أنا محتاج أقابلك بخصوص زوجك.
قلبي دق بسرعة.
— مين حضرتك؟
قال:
— اسمي شريف. وأنا كنت شغال مع حسام في الشركة.
سكت لحظة، وبعدها قال:
— في حاجة لازم تعرفيها قبل ما فات الأوان.
اتقابلنا في كافيه بعيد عن منطقتي.
أول ما قعد قدامي، حط ظرف بني على الترابيزة.
وقال:
— أنا مش عايز أتدخل في حياتك، لكن حسام طلب مني من فترة أعمل حاجة غريبة جدًا.
فتحت الظرف.
كان جواه صور لمستندات.
وصورة عقد.
وصورة إيصال تحويل مالي.
بصيت له باستغراب.
— إيه ده؟
قال:
— دي مش كل حاجة.
وسحب ورقة تانية من الظرف.
— دي الورقة اللي خلتني أشك إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس.
بصيت على الورقة.
وكان مكتوب فيها اسم بيتي بالكامل.
والاسم اللي تحته…
كان اسم حسام.
لكن اللي صدمني مش وجود اسمه.
الصدمة كانت في الجملة اللي تحتهم.
“إقرار تنازل عن حق الانتفاع.”
رفعت عيني لشريف.
— يعني إيه الكلام ده؟
قال بهدوء:
— يعني لو الورقة دي اتوقعت بالشكل اللي هما مخططين له… ممكن تلاقي نفسك بعد فترة مش صاحبة الحق اللي فاكرة إنك صاحبة البيت.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت:
— بس البيت باسمي.
هز رأسه.
— عارف.
— يبقى إزاي؟
قرب الورقة مني وقال:
— لأنهم مش بيحاولوا ياخدوا البيت منك بالقوة.
سكت لحظة.
ثم قال:
— هما بيحاولوا يخلّوكي توقعي بإيدك.
رجعت البيت وأنا ماسكة الورق جوا شنطتي.
ولأول مرة، ما بقيتش خايفة من اللي بيحصل.
بقيت مستنية اللحظة اللي هما هيكشفوا فيها خطتهم بنفسهم.
وبالفعل…
بعد يومين، سمعت خبط شديد على باب أوضتي.
فتحت.
لقيت حماتي واقفة ومعاها حسام وياسر.
وفي إيد حماتي…
مفتاح جديد.
قالت بمنتهى الهدوء:
— الأوضة دي مش هتفضلي مستخدماها لوحدك.
بصيت للمفتاح.
وبعدين بصيت لحسام.
قال:
— ماما شايفة إن سارة محتاجة الأوضة دي.
ابتسمت لأول مرة.
لأنهم ماكانوش عارفين…
إني كنت مستعدة للخطوة دي من زمان.
وإن التسجيل اللي سجلته في المطبخ…
ماكانش التسجيل الوحيد اللي عندي.
بصيت لحماتي وهي واقفة قدام باب أوضتي، والمفتاح في إيدها.
قالت بمنتهى الثقة:
— سارة محتاجة الأوضة دي. هي حامل ومحتاجة مكان واسع ترتاح فيه.
بصيت لحسام.
كنت مستنية منه يقول أي حاجة.
لكنه اكتفى بهز رأسه.
— ماما عندها حق.
ضحكت بهدوء.
— يعني إنتوا قررتوا إن أوضتي هتبقى لسارة؟
حماتي ردت:
— مش أوضتك… أوضة في البيت.
قلت:
— البيت ده ملكي يا وفاء.
وشها اتغير.
— ملكك؟ إحنا مش بنطلب منك تخرجي من البيت.
— أمال بتطلبوا مني إيه؟
— تنقلي أوضة تانية.




