
الجزء الثاني
كانت كلمات ليان تتردد في رأسي بلا توقف:
«أنت لا تعرف حتى الآن ما الذي حدث قبل بالجلطة.»
جلست بجوار والدي، وأمسكت بيده.
«أبي… ماذا حدث؟»
حاول تحريك شفتيه، لكن الكلام كان صعبًا عليه. رفع يده بصعوبة وأشار إلى درج صغير بجوار السرير.
نظرت إلى ليان.
قالت:
«افتحه.»
فتحت الدرج، فوجدت بداخله ظرفًا بنيًا قديمًا.
كان عليه اسم والدي بخط يده.
فتحت الظرف بسرعة.
كانت بداخله مجموعة من المستندات وصور وتحويلات بنكية.
بدأت أقرأ الأوراق واحدة تلو الأخرى.
ثم شعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.
كانت هناك تحويلات مالية ضخمة من حساب والدي إلى حساب لم أتعرف عليه.
ثم وجدت شيئًا أكثر خطورة.
توكيلًا رسميًا.
وكان يحمل توقيع والدي.
لكن التاريخ كان بعد إصابته بالجلطة.
نظرت إلى ليان.
«هذا التوقيع… لا يمكن أن يكون صحيحًا.»
قالت:
«وأنا قلت الشيء نفسه عندما رأيته.»
«كيف حصلتِ على هذه الأوراق؟»
سكتت للحظة.
ثم قالت:
«والدك أعطاني إياها قبل أن تتدهور حالته. كان يعرف أن هناك شيئًا خاطئًا، لكنه لم يستطع الوصول إليك.»
نظرت إلى أبي.
كانت الدموع تنزل من عينيه.
اقتربت منه.
«لماذا لم تتصل بي؟»
حاول أن يتحدث.
هذه المرة خرجت كلمة واحدة بصعوبة:
«سارة…»
تجمدت في مكاني.
أختي.
عدت أنظر إلى الأوراق.
كان اسمها يظهر في أكثر من مستند.
لكنني لم أكن مستعدًا لتصديق أنها يمكن أن تفعل شيئًا كهذا.
قلت:
«ربما هناك تفسير آخر.»
رفعت ليان حاجبها.
«طبعًا هناك تفسير آخر.»
ثم مدت يدها إلى حقيبة قديمة.
وأخرجت هاتفًا صغيرًا.
«لكن قبل أن تدافع عنها، اسمع هذا.»
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت والدي من التسجيل.
كان صوته ضعيفًا، لكنه واضح.
«ياسين… إذا وصل إليك هذا التسجيل، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بنفسي.»
توقفت أنفاسي.
«أختك ليست كما تظن.»
تجمدت أصابعي.
تابع أبي:
«بعد أن أصبت بالجلطة، اكتشفت أن أموالًا من حساباتي اختفت. وعندما حاولت الاعتراض، أخبرتني سارة أن الأمر مجرد خطأ مصرفي.»
ثم جاء صوته المرتجف:
«لكنها طلبت مني أن أوقع أوراقًا لم أفهمها.»
أوقفت التسجيل.
لم أستطع الاستماع أكثر.
قلت:
«هذا غير ممكن.»
قالت ليان:
«إذن اتصل بها.»
أخرجت هاتفي.
اتصلت بسارة.
رن الهاتف طويلًا.
ثم أجابت.
«ياسين؟ لماذا تتصل في هذا الوقت؟»
حاولت أن أبدو طبيعيًا.
«أين أنتِ؟»
ساد الصمت.
ثم قالت:
«في المنزل طبعًا.»
«أي منزل؟»
تغير صوتها.
«ماذا تقصد؟»
نظرت إلى أبي.
ثم قلت:
«أريد أن أعرف أين كان أبي خلال الأشهر الستة الماضية.»
ساد صمت طويل.
ثم أجابت:
«في مركز التأهيل، كما أخبرتك.»
ابتسمت بمرارة.
«غريب… لأنني أجلس الآن بجواره.»
لم تقل شيئًا.
سمعت أنفاسها تتسارع.
«ياسين، اسمعني…»
قاطعتها.
«أين هو مركز التأهيل؟»
«لماذا تسأل؟»
«لأنني سأذهب إليه غدًا.»
قالت بسرعة:
«لا داعي لذلك. أنا سأشرح لك كل شيء.»
«اشرحي الآن.»
سكتت.
ثم قالت:
«ليان هي التي ملأت رأسك بهذه الأكاذيب.»
نظرت إلى ليان.
كانت تقف بجوار النافذة، صامتة.
قلت:
«لا تذكري اسم ليان.»
ضحكت سارة بتوتر.
«ألم تخبرك ماذا فعلت بك؟ ألم تخبرك أنها كانت تخونك؟»
شعرت بشيء يتحرك داخلي.
قبل ثلاث سنوات كنت سأصدقها فورًا.
لكن الآن…
لم أعد أصدق أي كلمة.
قلت:
«أرسلي لي عنوان مركز التأهيل.»
«غدًا.»
«الآن.»
ثم أغلقت الهاتف.
مرت ثوانٍ طويلة.
قالت ليان:
«هل ما زلت تظن أنني سرقت أموالك؟»
خفضت رأسي.
لم أستطع النظر في عينيها.
«لا أعرف ماذا أصدق.»
قالت:
«ابدأ بتصديق الأدلة.»
ثم وضعت أمامي ملفًا آخر.
فتحته.
كانت بداخله تقارير مالية تخص شركتي.
تصفحت الصفحات بسرعة.
ثم توقفت.
كانت هناك تحويلات من حسابات الشركة إلى شركة وهمية.
والتوقيع الإلكتروني الذي سمح بالتحويلات…
كان توقيعي.
لكنني لم أجرِ تلك التحويلات.
رفعت عيني إليها.
«من أين حصلتِ على هذا؟»
قالت:
«من الشخص الذي كان يحاول تحذيرك قبل ثلاث سنوات.»
«من؟»
نظرت إليّ مباشرة.
«المورد الذي اتهمتني بالخيانة معه.»
شعرت بصدمة جديدة.
«ماذا؟»
«لم أكن على علاقة به يا ياسين.»
«إذن لماذا كنتِ تلتقين به؟»
أخذت نفسًا عميقًا.
«لأنه اكتشف أن شخصًا من داخل شركتك كان يستخدم اسمك لتحويل الأموال.»
توقفت.
«وعندما حاولنا إخبارك… سبقونا.»
بدأت الصورة القديمة في رأسي تتغير.
تذكرت الرسائل التي رأيتها آنذاك.
تذكرت الصور.
تذكرت كيف أقنعتني سارة بأن ليان تخونني.
وتذكرت أيضًا شيئًا لم أفكر فيه طوال ثلاث سنوات.
كل الأدلة وصلتني من شخص واحد.
أختي سارة.
قلت بصوت خافت:
«لماذا لم تخبريني بالحقيقة وقتها؟»
نظرت ليان إلى الأرض.
«حاولت.»
ثم أضافت:
«لكنني كنت خائفة.»
«من ماذا؟»
رفعت عينيها نحوي.
«من أن أقول لك الحقيقة، فلا تصدقني… وتؤذيني أكثر مما فعلت.»
شعرت بالخجل.
كنت قد حكمت عليها دون أن أسمعها.
طردتها من منزلنا.
أهنتها أمام الناس.
واتهمتها بالخيانة والسرقة.
بينما كانت هي…
تعتني بوالدي طوال تلك الفترة.
نظرت إلى ملابسها القديمة.
إلى حذائها الموحل.
ثم إلى علبة الحساء الرخيصة فوق الطاولة.
قلت:
«لماذا كنتِ تفعلين كل هذا من أجله؟»
أجابت بهدوء:
«لأنه كان الرجل الوحيد من عائلتك الذي صدقني عندما اتهمتني.»
ثم ابتسمت بحزن.
«لم أستطع تركه وحيدًا.»
خفضت رأسي.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني لا أملك أي عذر.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لا تزال أمامي.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى عنوان مركز التأهيل الذي أرسلته سارة.
وجدت مبنى فخمًا بالفعل.
دخلت إلى الاستقبال.
قدمت اسم والدي.
بحثت الموظفة في النظام.
ثم نظرت إليّ باستغراب.
«سيدي… لا يوجد لدينا مريض بهذا الاسم.»
تجمدت.
«ماذا؟»
أعطيتها بطاقة والدي.
بحثت مرة أخرى.
ثم قالت:
«أنا آسفة. هذا الاسم لم يسجل لدينا منذ أكثر من عام.»
خرجت من المكان وأنا أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
أمسكت هاتفي واتصلت بسارة.
هذه المرة…
لم تجب.
حاولت مرة ثانية.
ثم ثالثة.
لا شيء.
عدت إلى سيارتي، وقبل أن أغلق الباب وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة واحدة.
صورة لسارة وهي تدخل أحد المصارف.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
«إذا أردت أن تعرف أين ذهب مال والدك… تعال إلى العنوان المرفق وحدك.»
نظرت إلى العنوان.
ثم إلى شاشة هاتفي.
كان المكان يبعد أقل من عشرين دقيقة عن منزلي.
لكنني لم أكن أعرف أن ذهابي إلى هناك سيكشف الحقيقة التي أخفاها أقرب الناس إليّ لسنوات.
ولم أكن أعرف أيضًا أن الشخص الذي أرسل الرسالة كان يراقبني منذ عودتي إلى المدينة.
الجزء الثالث
بقيت أحدق في الرسالة عدة ثوانٍ.
العنوان كان في منطقة قديمة على أطراف الإسكندرية، بعيدة تمامًا عن الأماكن التي أعيش وأعمل فيها.
كان بإمكاني الاتصال بالشرطة.
كان بإمكاني الاتصال بمحامي الشركة.
لكن شيئًا بداخلي أخبرني أنني إذا أخبرت أي شخص، فقد تختفي الحقيقة قبل أن أصل إليها.
شغلت سيارتي واتجهت إلى العنوان.
طوال الطريق، كانت صورة سارة أمام عيني.
كيف يمكن لأختي التي وثقت بها طوال حياتي أن تكون مرتبطة بكل هذا؟
وصلت إلى مبنى قديم متهالك.
أوقفت السيارة بعيدًا ونزلت.
وجدت بابًا حديديًا صدئًا.
وبمجرد أن اقتربت منه، انفتح من الداخل.
ظهر رجل في الخمسينيات من عمره.
نظر إليّ طويلًا ثم قال:
«أنت ياسين؟»
«نعم. من أنت؟»
أشار إلى الداخل.
«ادخل.»
ترددت للحظة، ثم دخلت.
كانت الغرفة مليئة بالملفات والأجهزة القديمة.
وضع الرجل أمامي ظرفًا كبيرًا.
«قبل أن تفتح هذا، يجب أن تعرف شيئًا.»
جلست أمامه.
«ماذا؟»
قال:
«والدك لم يُصب بالجلطة بشكل طبيعي.»
شعرت بصدمة.
«ماذا تقول؟»
«قبل إصابته بساعات، كان قد اكتشف تحويلات مالية ضخمة من حساباته.»
ثم أضاف:
«واجه أختك.»
«وماذا حدث؟»
خفض الرجل صوته.
«بعدها بساعات نُقل إلى المستشفى.»
فتحت الظرف بسرعة.
كانت بداخله تقارير طبية.
لكن التقرير الأهم كان يحمل اسم طبيب لم أسمع به من قبل.
قرأته بعناية.
ثم رأيت ملاحظة مكتوبة بخط اليد:
“هناك مؤشرات تستدعي التحقيق في احتمال تعرض المريض لمادة دوائية غير مناسبة.”
توقفت أنفاسي.
«من أنت؟»
قال:
«اسمي نبيل. كنت أعمل محاسبًا في شركة والدك.»
رفعت رأسي.
«لماذا لم أرَ اسمك من قبل؟»
ابتسم بمرارة.
«لأنني اختفيت بعد أن اكتشفت ما يحدث.»
ثم وضع أمامي جهاز تسجيل صغير.
«والدك سجل هذا قبل نقله إلى المستشفى.»
ضغط زر التشغيل.
سمعت صوت أبي:
«إذا حدث لي شيء، فلا تثق في أي مستند يحمل توقيعي بعد اليوم.»
ثم سكت لحظة.
«ياسين… أنا أعرف أنك تثق بسارة. لكنها ليست وحدها.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
تابع أبي:
«هناك شخص آخر يساعدها.»
انقطع التسجيل.
قلت:
«من الشخص الآخر؟»
نبيل هز رأسه.
«لم أعرف الاسم. لكنني عرفت أنه شخص قريب جدًا منك.»
«كيف؟»
أخرج ورقة.
كانت تحتوي على مجموعة من مواعيد الاجتماعات.
وفي أسفل الصفحة اسم شركة أثاث أتعامل معها منذ سنوات.
تجمدت.
«هذه شركتي.»
قال نبيل:
«بالضبط.»
«هل تعني أن هناك شخصًا من داخل شركتي متورط؟»
«ليس مجرد شخص.»
ثم أخرج صورة.
نظرت إليها.
كان رجلًا يقف بجوار سارة.
عرفته فورًا.
كان مدير حسابات شركتي.
الرجل الذي أثق به منذ أكثر من عشر سنوات.
شعرت بالغضب يشتعل داخلي.
«أين هو الآن؟»
قال نبيل:
«في مكتبك.»
أخرجت هاتفي فورًا واتصلت بمدير الحسابات.
أجاب بعد ثوانٍ.
«مساء الخير يا أستاذ ياسين.»
قلت:
«أين أنت؟»
تردد.
«في المكتب.»
«لا تتحرك.»
ثم أغلقت الهاتف.
نهضت من مكاني.
لكن نبيل أمسك بذراعي.
«هناك شيء آخر.»
نظرت إليه.
قال:
«ليان لم تكن تجمع الزجاجات من القمامة لأنها لا تملك المال فقط.»
«ماذا تقصد؟»
«كانت تبحث عن شيء.»
توقفت.
«عن ماذا؟»
أخرج صورة أخرى.
كانت لامرأة تقف قرب حاويات القمامة.
عرفتها.
كانت ليان.
قال نبيل:
«منذ أشهر وهي تبحث عن صندوق صغير فقدته في اليوم الذي طردتها فيه من منزلك.»
شعرت بالارتباك.
«ماذا كان بداخله؟»
«دليل.»
«أي دليل؟»
«شيء يثبت أن كل الاتهامات التي وجهتها إليها كانت ملفقة.»
خرجت من المبنى وأنا أشعر أنني أختنق.
عدت إلى السيارة واتصلت بليان.
أجابت بعد المحاولة الأولى.
«ماذا تريد؟»
قلت:
«أين أنتِ؟»
«في الغرفة.»
«أنا قادم.»
سكتت.
ثم قالت:
«لماذا؟»
«لأني عرفت أنني كنت مخطئًا.»
ساد الصمت.
ثم قالت:
«هذه المرة، لا تأتِ لتتهمني.»
«لن أفعل.»
«إذن تعال.»
أغلقت الهاتف.
عندما وصلت، وجدتها جالسة بجوار والدي.
كان وجهها أكثر إرهاقًا من اليوم السابق.
جلست أمامها.
قلت:
«أريد منك أن تخبريني بالحقيقة كاملة.»
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت:
«هل أنت مستعد لسماعها مهما كانت؟»
«نعم.»
تنهدت.
«في اليوم الذي اتهمتني فيه بالخيانة، لم أكن أقابل المورد من أجلك.»
«كنت أقابله لأنني اكتشفت تحويلات مالية من شركتك.»
أغلقت عيني.
تابعت:
«وعندما حاولت إخبارك، وجدت سارة تنتظرني أمام المنزل.»
تجمدت.
«ماذا قالت؟»
«قالت لي إنني إذا لم أتركك فورًا، فستجعلني أندم على اليوم الذي دخلت فيه حياتك.»
ثم نظرت إليّ.
«وأعطتني خيارين.»
«إما أن أرحل بصمت… أو أن تخسر كل شيء.»
شعرت بالدموع تحرق عيني.
«ولماذا لم تخبريني بعد ذلك؟»
ابتسمت بحزن.
«لأنني حاولت.»
ثم قالت:
«لكن في كل مرة كنت أتصل بك، كانت سارة تسبقني.»
«كانت تقول لك إنني أحاول ابتزازك.»
خفضت رأسي.
كل شيء بدأ يصبح واضحًا.
ثم سألتها:
«وما قصة المال الذي قيل إنك سرقته؟»
نظرت إليّ.
«لم أسرق أي شيء.»
«إذن من سرقه؟»
قالت:
«الشخص الذي كان يملك صلاحية الوصول إلى حسابات شركتك.»
ثم أضافت:
«لكن هناك شيء لم تعرفه طوال هذه السنوات.»
رفعت عيني إليها.
«ما هو؟»
أشارت إلى والدي.
«والدك عرف الحقيقة قبل الجميع.»
«ماذا تقصدين؟»
قالت:
«هو الذي اكتشف أن سارة ومدير حساباتك كانا يحولان الأموال.»
شعرت بصدمة.
ثم قالت:
«وعندما عرفا أنه اكتشفهما… بدأ كل شيء.»
اقتربت منها.
«هل تقصدين أنهما تسببا في مرضه؟»
لم تجب مباشرة.
نظرت إلى والدي.
ثم قالت:
«لا أستطيع إثبات ذلك.»
«لكنني أستطيع إثبات شيء آخر.»
مدت يدها إلى حقيبة قديمة.
وأخرجت هاتفًا صغيرًا.
فتحته.
كان يحتوي على تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وسمعت صوت سارة.
واضحًا.
غاضبًا.
«إذا لم يوقع والدك على الأوراق، فلن نستطيع نقل الملكية.»
ثم جاء صوت رجل آخر.
كان مدير حسابات شركتي.
قال:
«وماذا عن ياسين؟»
أجابت سارة:
«ياسين يصدقني أكثر مما يصدق أي شخص.»
توقفت أنفاسي.
ثم قالت سارة في التسجيل:
«أما ليان… فسنتخلص منها أولًا.»
انتهى التسجيل.
لم أتحرك.
لم أتكلم.
فقط نظرت إلى ليان.
ثم إلى أبي.
وبعد ثوانٍ قلت:
«أين حصلتِ على هذا التسجيل؟»
أجابت:
«والدك سجله.»
«ولماذا احتفظتِ به كل هذه السنوات؟»
نظرت إليّ بحزن.
«لأنني كنت أنتظر اليوم الذي تصبح فيه مستعدًا لتسمع الحقيقة.»
وفي تلك اللحظة…
اهتز هاتفي.
وصلتني رسالة جديدة.
من سارة.
فتحتها.
وكانت تحتوي على جملة واحدة:
«أعرف أنك مع ليان الآن… وإذا أردت أن يبقى والدك حيًا، تعال إليّ وحدك.»
الجزء الرابع
ظللت أحدق في رسالة سارة وكأنني لا أستوعب ما قرأته.
«إذا أردت أن يبقى والدك حيًا، تعال إليّ وحدك.»
رفعت عيني نحو ليان.
كانت تراقب وجهي.
قالت بهدوء:
«هي تعرف أننا اكتشفنا الحقيقة.»
«كيف عرفت؟»
«لأنها كانت تراقبك منذ البداية.»
شعرت بالغضب يغلي داخلي.
قلت:
«لن أذهب إليها وحدي.»
هزت ليان رأسها.
«وأنا لم أقل لك أن تذهب.»
ثم أضافت:
«لكن لا تجعلها تعرف أنك خائف.»
نظرت إليها.
«ماذا تريدين أن أفعل؟»
قالت:
«اذهب.»
«ماذا؟»
«اذهب إليها، لكن هذه المرة لا تذهب باعتبارك أخاها.»
توقفت للحظة.
«اذهب إليها باعتبارك الرجل الذي عرف الحقيقة.»
فهمت ما تقصده.
أرسلت إلى سارة رسالة قصيرة:
«أين؟»
وصل الرد بعد ثوانٍ.
كان المكان عبارة عن مستودع قديم بالقرب من الميناء.
عرفت المكان.
كان أحد المخازن التي تستخدمها شركتي لتخزين الأثاث.
وهذا جعل الأمر أكثر خطورة.
اتصلت بمحامي الشركة سرًا، وأرسلت إليه نسخًا من التسجيلات والمستندات.
ثم قلت له:
«لا تتخذ أي إجراء حتى أعطيك الإشارة.»
بعدها وضعت هاتفي في جيبي واتجهت إلى المستودع.
لكن قبل أن أخرج، أمسكت ليان بيدي.
قالت:
«ياسين.»
التفت إليها.
«مهما حدث، لا تثق بها إذا قالت إنها تفعل كل هذا من أجلك.»
«لماذا؟»
نظرت في عيني.
«لأن الشخص الذي يخون أقرب الناس إليه من أجل المال، لا يتوقف فجأة عندما يكتشف أن ضحيته عرفت الحقيقة.»
ثم قالت:
«انتبه لنفسك.»
كانت تلك أول مرة منذ ثلاث سنوات أشعر فيها أن هناك شخصًا يخاف عليّ حقًا.
وصلت إلى المستودع.
كان المكان مظلمًا وهادئًا.
دخلت من الباب الجانبي.
سمعت صوتًا خلفي.
«تأخرت.»
استدرت.
كانت سارة تقف في نهاية الممر.
كانت ترتدي ملابس أنيقة وتحمل حقيبة سوداء.
قلت:
«أين أبي؟»
ابتسمت.
«دائمًا والدك أولًا.»
«أين هو؟»
«في مكان آمن.»
صرخت:
«أين؟!»
تغيرت ابتسامتها.
«لن تحصل على إجابة قبل أن تعطيني شيئًا.»
«ماذا تريدين؟»
رفعت الحقيبة.
«أسهم الشركة.»
ضحكت بمرارة.
«إذن كان هذا هو الهدف طوال الوقت.»
قالت:
«لا تتظاهر بالصدمة. أنت تعرف كم تساوي شركتك.»
«وأبي؟»
«والدك كان عقبة.»
شعرت بالغضب.
«أنتِ أخبرتني طوال ستة أشهر أنه يتلقى العلاج.»
«وكان بإمكانه أن يحصل عليه لو تعاون.»
تقدمت نحوها.
«ماذا فعلتِ به؟»
رفعت كتفيها.
«لا شيء لم يكن من الممكن أن يحدث لرجل في عمره.»
عرفت في تلك اللحظة أنني أمام شخص مختلف تمامًا عن الأخت التي عرفتها طوال حياتي.
قلت:
«وأنا؟»
«ماذا عنك؟»
«لماذا زواجي؟»
ضحكت.
«لأن ليان كانت تعرف أكثر مما ينبغي.»
ثم أضافت:
«وكانت تحاول إخبارك بكل شيء.»
«فاخترعتِ قصة الخيانة.»
«بالضبط.»
شعرت بصدمة رغم أنني كنت أعرف الحقيقة.
«والـ200 ألف دولار؟»
قالت:
«حولناها من حسابات الشركة إلى حسابات أخرى، ثم جعلنا الأدلة تشير إليها.»
«ومن ساعدك؟»
سكتت.
قلت:
«مدير حساباتي.»
لم تجب.
لكن صمتها كان كافيًا.
ثم قلت:
«ووالدي؟»
نظرت إليّ ببرود.
«والدك اكتشف التحويلات.»
«ولهذا حاولتِ السيطرة على أمواله؟»
«كان يجب أن يصمت.»
قلت:
«لكنه لم يصمت.»
ابتسمت.
«ولهذا لم يعد قادرًا على الكلام.»
شعرت وكأن شيئًا انفجر داخلي.
اندفعت نحوها، لكنني توقفت قبل أن ألمسها.
لم أكن أريد أن أعطيها فرصة لتحويل نفسها إلى ضحية.
قلت:
«انتهى الأمر يا سارة.»
ضحكت.
«حقًا؟»
ثم أخرجت هاتفها.
«هل تظن أنني جئت إلى هنا وحدي؟»
سمعت صوت سيارات تقترب من الخارج.
نظرت نحو الباب.
كان هناك رجلان يدخلان المستودع.
عرفت أحدهما فورًا.
مدير حسابات شركتي.
قال:
«كان من الأفضل لك أن تظل بعيدًا عن الماضي يا ياسين.»
نظرت إليه.
«كم دفعت لك؟»
قال:
«أكثر مما كنت ستدفعه لي طوال حياتي.»
قلت:
«لكنني كنت أثق بك.»
ابتسم.
«الثقة لا تشتري منزلًا.»
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
كانت ليان.
أجبت.
لم تتحدث.
سمعت فقط صوتًا ضعيفًا.
ثم جاء صوت والدي من بعيد:
«ياسين…»
تجمدت.
صرخت:
«أين هو؟!»
ضحكت سارة.
«الآن فهمت.»
قلت:
«اتركيه.»
«سلّم لي أسهم الشركة.»
«سأفعل.»
نظر مدير الحسابات إلى سارة.
قال:
«هل تصدقينه؟»
أجابته:
«ليس مهمًا.»
ثم نظرت إليّ.
«غدًا توقع كل شيء.»
قلت:
«حسنًا.»
ابتسمت.
«كنت أعرف أنك ستختار والدك.»
لكنها لم تكن تعرف شيئًا واحدًا.
خلال الدقائق الماضية، كنت أضغط بإبهامي على زر صغير في هاتفي.
كان يسجل كل شيء.
كل اعتراف.
كل تهديد.
كل كلمة قالتها.
والمكالمة مع ليان كانت مفتوحة.
لم تكن تسمع فقط.
بل كانت تسجل أيضًا.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
بعد لحظات، دخل رجل آخر إلى المستودع.
كان يرتدي ملابس رسمية ويحمل حقيبة مستندات.
نظر إلى سارة وقال:
«انتهى الأمر.»
ابتسمت.
«أخيرًا.»
ثم نظر إليّ.
وقال:
«أستاذ ياسين، أنا ممثل النيابة.»
اختفت ابتسامة سارة فورًا.
أخرج الرجل بطاقة رسمية.
ثم قال:
«لقد استمعنا إلى التسجيلات التي وصلت إلينا قبل قليل.»
تراجعت سارة خطوة.
«أي تسجيلات؟»
قال:
«تسجيلات اعترافك بسرقة أموال الشركة، وتزوير المستندات، واحتجاز والدك بعيدًا عن الرعاية الطبية اللازمة.»
نظر مدير الحسابات إلى سارة.
ثم إليّ.
ثم حاول التراجع نحو الباب.
لكن صوتًا آخر جاء من الخارج:
«قف مكانك.»
دخل رجال الأمن.
في ثوانٍ، تغير كل شيء.
صرخت سارة:
«ياسين!»
نظرت إليها.
لم أشعر بالانتصار.
فقط شعرت بالحزن.
قلت:
«كنتِ أختي.»
ردت بغضب:
«وأنت كنت أحمق.»
ثم أضافت:
«كل هذا بسبب تلك المرأة.»




