
طبعًا، ده قبل الأخير، ونكمل من لحظة ظهور والد آية أمام الباب بالحقيبة السوداء.
الجزء قبل الأخير
وقفت أمام الباب غير قادرة على الحركة.
كان أبي يقف في الخارج.
وفي يده…
الحقيبة السوداء.
نفس الحقيبة التي رأيتها صباحًا مع عمتي سعاد.
فتحت الباب ببطء.
نظر أبي إليّ دون أن يتكلم.
قلت:
“بابا… إنت بتعمل إيه هنا؟”
لم يجب.
دخل بهدوء، ووضع الحقيبة على الأرض.
ثم أغلق الباب خلفه.
ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
قلت:
“الحقيبة دي جبتها منين؟”
رفع عينيه إليّ.
وقال:
“من عند سعاد.”
شعرت بالقلق.
“ليه؟”
تنهد.
“لأنها كانت هتعمل حاجة غبية.”
فتحت الحقيبة.
لم أجد ملابس.
ولا أشياء شخصية.
كان بداخلها ملف كبير.
ومجموعة من الأوراق.
وفلاشة إلكترونية.
ومظروف أبيض.
أخذت المظروف.
كان عليه اسمي.
آية.
نظرت إلى أبي.
“إيه ده؟”
قال:
“الحقيقة.”
فتحت المظروف.
كانت هناك صور لعقود.
وتحويلات بنكية.
ومراسلات.
وصور بطاقات هوية.
لكن شيئًا واحدًا جعل يدي ترتجف.
كانت هناك صورة لعقد شراء الشقة.
نظرت إلى التوقيع.
ثم إلى التاريخ.
ثم إلى اسم المالك السابق.
قلت:
“ده العقد الحقيقي.”
أومأ أبي.
“أيوه.”
“بس إزاي وصل لك؟”
جلس أبي على الكرسي.
وقال:
“لأنني أنا اللي احتفظت بنسخته.”
نظرت إليه بصدمة.
“من إمتى؟”
“من قبل ما تشتري الشقة.”
“وليه؟”
سكت.
ثم قال:
“لأنني كنت أعرف إن فيه ناس عايزة تستغل العقد.”
لم أفهم.
“مين؟”
قال:
“سعاد.”
تجمدت.
“عمتي؟”
أومأ.
“هي ومحمود والمحاسب.”
ثم أضاف:
“لكن المحامي كان آخر واحد دخل في الخطة.”
جلست أمامه.
“طيب ليه ما قلتليش؟”
نظر إليّ طويلًا.
“كنت خايف.”
“خايف من إيه؟”
“إنك ما تصدقينيش.”
ضحكت بمرارة.
“إنت أبويا. كان لازم تقولي!”
خفض رأسه.
“عارف.”
ثم قال:
“لكن فيه حاجة ما كنتش عارف أقولها لك.”
“إيه؟”
رفع عينيه.
“المشكلة بدأت قبل ما تشتري الشقة.”
قلت:
“يعني إيه؟”
أخرج صورة قديمة من الملف.
كانت صورة لعمتي سعاد ومحمود والمحاسب والمحامي.
لكن هذه المرة كان هناك شخص خامس.
شخص يقف في الخلف.
شعرت بقشعريرة.
قلت:
“مين ده؟”
قال أبي:
“المالك الأصلي للأرض.”
حدقت في الصورة.
ثم قلبت الورقة.
كان هناك اسم مكتوب خلفها.
حسن عبدالعزيز.
الاسم نفسه الذي اتصل بي قبل ساعات.
قلت:
“بس هو قال إن العقد الحقيقي عنده.”
قال أبي:
“كان عنده.”
“كان؟”
“قبل ما يختفي.”
تجمدت.
“يختفي؟”
أومأ.
“منذ ثلاثة أيام.”
بدأت أفهم لماذا لم يرد على اتصالي.
قلت:
“يعني الاتصال اللي جالي…”
“كان منه فعلًا.”
“إزاي؟”
قال:
“هو اتصل بك قبل ما يختفي.”
ساد الصمت.
فتحت الفلاشة.
كان عليها ملف فيديو واحد.
شغلته.
ظهر حسن عبدالعزيز جالسًا أمام الكاميرا.
كان يبدو متوترًا.
وقال:
“لو الفيديو ده وصل لآية، يبقى أنا ما قدرتش أتكلم معاها بنفسي.”
نظرت إلى أبي.
ثم تابعت الفيديو.
قال حسن:
“الشقة اللي اشترتها آية ملكها قانونيًا. العقد صحيح. لكن فيه شخص حاول تزوير مستندات لإثبات العكس.”
ثم ظهر في الفيديو مستند.
وتحت المستند اسم واضح.
محمود.
قال حسن:
“محمود حاول شراء الأرض من خلال شركة وهمية، لكنه فشل.”
ثم أضاف:
“بعدها بدأ يبحث عن طريقة ثانية.”
توقف الفيديو لثوانٍ.
ثم عاد الصوت:
“الخطة كانت الاستيلاء على الشقة، لأن موقعها مهم جدًا.”
قلت:
“مهم ليه؟”
نظر أبي إليّ.
“شوفي باقي الفيديو.”
تابعت.
قال حسن:
“تحت المبنى توجد قطعة أرض صغيرة مسجلة ضمن العقار القديم.”
ظهرت خريطة.
وأشار إلى جزء محدد.
“هذه القطعة هي سبب كل شيء.”
توقفت.
فالشقة التي ظننت أنها مجرد منزل…
كانت فوق أرض لها قيمة كبيرة جدًا.
تابع حسن:
“لو حصلوا على ملكية الشقة، يستطيعون فتح نزاع على الأرض كلها.”
ثم قال:
“لكن هناك شخص واحد فقط يستطيع إيقافهم.”
سكت.
ثم ظهر اسم على الشاشة.
آية.
شهقت.
“أنا؟”
نظر أبي إليّ.
لكن الفيديو استمر.
قال حسن:
“لأن العقد الأصلي الذي معها يثبت أن حقوق الأرض انتقلت إليها مع شراء العقار.”
ثم قال:
“ولهذا يريدون إخفاء العقد.”
أوقفت الفيديو.
نظرت إلى أبي.
“يعني كل اللي حصل كان بسبب الورقة دي؟”
قال:
“جزء منه.”
“إيه الجزء الثاني؟”
صمت.
قلت:
“بابا.”
نظر إليّ.
“إيه الجزء اللي ما قلتليش عليه؟”
أخرج ورقة أخرى.
ووضعها أمامي.
قرأت السطر الأول.
ثم شعرت أنني فقدت القدرة على الكلام.
كان هناك إقرار قديم موقع باسم أبي.
رفعت رأسي إليه.
“إنت مضيت على إيه؟”
لم يجب.
قلت:
“بابا!”
قال أخيرًا:
“من سنين، قبل ما تشتري الشقة، سعاد طلبت مني أوقّع على ورقة.”
“ورقة إيه؟”
“ورقة تثبت إن جزءًا من قيمة العقار اتدفع من فلوس العيلة.”
“بس ده مش صحيح!”
قال:
“أنا عارف.”
“إذن ليه وقعت؟”
بدأت عيناه تدمعان.
“لأنها قالت إن الموضوع مجرد إجراء مؤقت.”
نظرت إليه غير مصدقة.
“وإنت صدقتها؟”
هز رأسه.
“غلطت.”
ثم قال:
“وبعدها اكتشفت إنهم استخدموا توقيعي في مستندات تانية.”
سكت.
ثم أضاف:
“وعشان كده كنت محتفظًا بالعقد الأصلي.”
قلت:
“ليه ما بلغتنيش؟”
قال:
“كنت بحاول أحل الموضوع من غير ما أخوفك.”
“لكنهم كانوا بيخططوا ياخدوا شقتي!”
“كنت عارف.”
“وعارف إنهم هيستخدموا رنا؟”
صمت.
هنا فهمت.
“إنت كنت عارف إنها هتيجي؟”
لم يجب.
فقلت:
“بابا…”
قال بصوت مكسور:
“كنت عارف إن سعاد بتحاول تقرب منك.”
“وأنت سكت.”
“كنت بحاول أحميك.”
صرخت:
“بالسكوت؟!”
خفض رأسه.
لم أستطع منع دموعي.
لم يكن غضبي لأنه أخفى عني الحقيقة فقط.
بل لأنني شعرت أن الجميع كانوا يعرفون شيئًا عن حياتي…
إلا أنا.
ثم تذكرت حياتي السابقة.
السلم.
دفع عمتي لي.
ابتسامة رنا.
كل شيء.
فقلت:
“بابا… أنا عشت ده قبل كده.”
رفع رأسه.
“إيه؟”
ترددت.
ثم قلت:
“أنا مش أول مرة أشوف اللي بيحصل.”
نظر إليّ باستغراب.
لم أستطع شرح فكرة الحياة السابقة.
لكني قلت:
“أنا كنت عارفة إنهم هيحاولوا يأذوني.”
سأل:
“إزاي؟”
قلت:
“مش عارفة.”
وفي تلك اللحظة…
وصلت رسالة إلى هاتفي.
من رنا.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“ماما عرفت إن أبوك أعطاك الملف.”
ثم وصلت رسالة ثانية:
“اهربي من الشقة قبل ما يوصلك محمود.”
ثم رسالة ثالثة.
كانت هي الأخطر:
“محمود مش جاي لوحده.”
نظرت إلى أبي.
وقلت:
“بابا…”
فجأة سمعنا صوت سيارات تتوقف أسفل العمارة.
ثم صوت خطوات كثيرة في مدخل المبنى.
اقترب أبي من النافذة.
نظر إلى الأسفل.
ثم عاد إليّ ووجهه شاحب.
قال:
“آية…”
“إيه؟”
“اقفلي كل الأبواب.”
“ليه؟”
قال:
“محمود وصل.”
ثم أضاف:
“ومعه الشرطة.”
تجمدت.
قلت:
“الشرطة؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
ثم نظر إلى الملف الموجود أمامي.
وقال:
“والظاهر إنهم جايين ومعاهم بلاغ ضدك.”
نظرت إلى العقد الأصلي.
ثم إلى الفلاشة.
ثم إلى أبي.
ولأول مرة شعرت أن الخطة اقتربت من نهايتها.
لكنني لم أكن أعرف…
هل سأدخل السجن بسبب الورقة المزورة؟
أم أن هذه الأوراق ستكون هي السبب في سقوطهم جميعًا؟
وفي اللحظة التي طرق فيها أحدهم باب شقتي، سمعت صوتًا أعرفه جيدًا يقول:
“آية، افتحي الباب… إحنا الشرطة.”
الجزء الأخير
توقفت أمام الباب.
لم أتحرك.
كان أبي يقف خلفي، ووجهه شاحب.
عاد الطرق مرة أخرى.
“آية، افتحي الباب من فضلك.”
نظرت إلى أبي.
همس:
“ما تفتحيش قبل ما نعرف هما معاهم إيه.”
لكن صوتًا آخر جاء من الخارج:
“معانا إذن تفتيش، وبلاغ رسمي.”
أخرجت هاتفي بسرعة.
صورت العقد الأصلي.
ثم صورت الفلاشة.
ثم أرسلت كل شيء إلى بريدي الإلكتروني.
قلت لأبي:
“لو حصل لنا أي حاجة، الملفات دي هتوصل للمحامي بتاعي.”
أومأ.
ثم فتحت الباب.
دخل رجلان بملابس الشرطة.
وخلفهما كان يقف محمود.
وعلى وجهه ابتسامة واثقة.
وبجانبه المحامي فؤاد.
قال أحد الضباط:
“حضرتك آية؟”
“أيوه.”
“في بلاغ مقدم ضدك بخصوص تزوير مستندات ملكية عقار والاستيلاء على أموال.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“ضدي أنا؟”
قال:
“أيوه.”
أشرت إلى محمود.
“وهو؟”
قال الضابط:
“هو مقدم البلاغ.”
ابتسم محمود.
وقال:
“أنا حاولت أحل الموضوع ودي، لكن للأسف هي رفضت.”
نظرت إليه.
“إنت حاولت تسرق شقتي.”
رد بهدوء:
“أنا عندي مستندات تثبت كلامي.”
أخرج المحامي ملفًا.
وقدمه للضابط.
فتح الضابط الأوراق.
ثم نظر إليّ.
“الاسم والتوقيع موجودين.”
قلت:
“والتوقيع مزور.”
قال محمود:
“دي وجهة نظرها.”
قلت:
“عندي العقد الأصلي.”
تغير وجه فؤاد للحظة.
لكن محمود ظل مبتسمًا.
قلت:
“وعندي فيديو للمالك السابق.”
سأل الضابط:
“المالك السابق؟”
أومأت.
“اسمه حسن عبدالعزيز.”
أخرجت هاتفي.
لكن قبل أن أشغل الفيديو، قال محمود:
“حسن عبدالعزيز توفى.”
تجمدت.
“إيه؟”
قال:
“توفى فجر النهارده.”
نظرت إلى أبي.
كان مذهولًا.
قلت:
“مستحيل.”
قال محمود:
“للأسف دي الحقيقة.”
ثم أضاف:
“وعشان كده شهادته مش هتنفع.”
شعرت بأن الأرض تتحرك تحت قدمي.
كان الرجل قد اتصل بي قبل ساعات.
والآن مات؟
لكنني لم أستسلم.
قلت:
“عندي تسجيل مكالمته.”
أخرجت التسجيل.
شغلته.
سمع الجميع صوته.
“أنا المالك السابق للشقة…”
ساد الصمت.
نظر الضابط إلى محمود.
ثم إلى المحامي.
وقال:
“إحنا محتاجين نراجع المستندات دي.”
هنا تدخل فؤاد:
“حضرة الضابط، التسجيل ممكن يكون مفبرك.”
قلت:
“والفيديو موجود.”
فتحت الفلاشة.
لكنها كانت فارغة.
حدقت في الشاشة.
“إيه؟”
الفلاشة التي كنت قد فتحتها منذ دقائق…
لم يعد عليها أي ملف.
قال محمود بابتسامة:
“واضح إنك بتحاولي تختلقي أدلة.”




