عام

قصة جديده بقلم محمد 🌺عبده

الجزء الثاني

ظللت أحدق في رسالة رنا لعدة ثوانٍ.

“لما السر اللي مخبياه يطلع، يمكن إنتِ اللي تخرجي من شقتك.”

أعدت قراءة الجملة مرة ثانية.

ثم ثالثة.

لم أشعر بالخوف.

بل شعرت بشيء آخر.

الفضول.

لأن رنا لم تكن تعرف شيئًا عن حياتي الحالية.

أو على الأقل هذا ما كنت أظنه.

أغلقت مجموعة العائلة وفتحت محادثة خاصة مع رنا.

كتبت:

“أي سر تقصديه؟”

ظهرت علامة الكتابة فورًا.

ثم اختفت.

انتظرت.

مرت دقيقة.

ثم دقيقتان.

لا رد.

كتبت مرة أخرى:

“لو عندك حاجة تقوليها، قوليها صراحة.”

لم ترد.

لكن عمتي سعاد أرسلت لي بعدها مباشرة:

“بنتي كانت متعصبة. متاخديش كلامها على أعصابك.”

أجبتها:

“أنا مش زعلانة. أنا بس عايزة أعرف هي بتتكلم عن إيه.”

لم ترد.

وهنا تأكدت أن الموضوع لم يكن مجرد تهديد فارغ.

كان هناك شيء يعرفونه.

شيء لا أعرفه أنا.

في تلك الليلة، وبعد أن غادر الجميع، جلست وحدي في الصالة.

كان البيت هادئًا.

نظرت إلى الشقة التي دفعت سنوات من عمري حتى أمتلكها.

الأثاث الجديد.

المطبخ.

الأجهزة.

اللوحات.

كل شيء كنت قد اخترته بنفسي.

وفجأة تذكرت حياتي السابقة.

تذكرت السلم.

تذكرت المستشفى.

وتذكرت ابتسامة رنا.

وضعت يدي على وجهي.

“مش هكرر نفس الغلطة.”

فتحت الكمبيوتر المحمول.

وبدأت أبحث.

أول شيء فعلته كان مراجعة حسابات عمتي سعاد على مواقع التواصل.

لم أجد شيئًا غريبًا.

صور عائلية.

مطاعم.

رحلات.

مشتريات.

لكن عندما دخلت إلى حساب رنا، لاحظت شيئًا.

كانت قد حذفت معظم منشوراتها القديمة.

لكنني كنت أحتفظ بنسخ من بعض الصور.

بدأت أقارن التواريخ.

وفي إحدى الصور، ظهرت رنا مع مجموعة من أصدقائها أمام أحد المقاهي في وسط القاهرة.

كانت الصورة بتاريخ قبل ثلاثة أشهر.

وفي الخلفية ظهر شخص لم أكن أعرفه.

شاب.

يبدو في أواخر العشرينات.

لكن الشيء الذي لفت انتباهي لم يكن الشاب.

بل السيارة التي كان يقف بجانبها.

كانت سيارة سوداء فاخرة.

وتحت الصورة كان هناك تعليق من رنا:

“أخيرًا بدأ كل شيء يمشي زي ما خططنا.”

توقفت.

“خططنا؟”

من كانت تقصد؟

فتحت التعليقات.

وجدت أن رنا حذفت معظمها.

لكن أحد التعليقات بقي.

من حساب باسم محمود.

كتب:

“لسه مستني الإشارة.”

وردت رنا:

“بعد ما ننقلها.”

نقلت ماذا؟

ومن؟

شعرت بقشعريرة.

التقطت هاتفي وصورت الشاشة.

ثم بحثت عن حساب محمود.

كان حسابه مغلقًا.

لكن صورته الشخصية كانت واضحة.

عرفته.

لم أكن قد قابلته من قبل، لكنني رأيته في مكان ما.

ثم تذكرت.

كان يقف بجوار عمتي سعاد في إحدى صور العائلة القديمة.

قريب بعيد.

لكن لماذا كانت رنا تتحدث معه عن نقلي؟

في اليوم التالي، ذهبت إلى عملي كالمعتاد.

حاولت أن أتصرف بشكل طبيعي.

لكن طوال اليوم، ظل عقلي مشغولًا بما حدث.

في وقت الظهيرة، تلقيت اتصالًا من أمي.

“آية، عمتي سعاد كلمتني.”

“وقالت لك إيه؟”

سكتت أمي لحظة.

ثم قالت:

“بتقول إنك قاسية عليها.”

تنهدت.

“ماما، أنا ما عملتش حاجة.”

“أنا عارفة.”

“طيب؟”

“هي بتقول إن رنا لازم تقعد عندك مهما حصل.”

“ليه؟”

سكتت أمي.

قلت:

“ماما، ليه؟”

قالت بصوت منخفض:

“قالت إن عندهم مشكلة في البيت.”

توقفت.

“مشكلة إيه؟”

“مش عارفة.”

“إزاي مش عارفة؟”

“هي ما قالتش.”

هنا شعرت أن الأمر أصبح أكبر من مجرد فتاة تريد مكانًا للمذاكرة.

قلت:

“ماما، لو كلمتك تاني، ما تدخليش في الموضوع.”

“ليه؟”

“لأن فيه حاجة مش واضحة.”

سألتني أمي:

“إنتِ شاكّة في إيه؟”

نظرت حولي في المكتب.

ثم قلت:

“لسه مش عارفة.”

بعد انتهاء المكالمة، فتحت هاتفي مرة أخرى.

وجدت رسالة من رقم مجهول.

“لو كنتِ عايزة تعرفي ليه رنا عايزة تدخل شقتك، دوري على اسم محمود عبدالسلام.”

تجمدت.

نفس الاسم.

محمود.

لم أجب.

بعد دقائق وصلت رسالة ثانية:

“ومتثقيش في عمّتك.”

ثم رسالة ثالثة:

“اللي حصل زمان ما كانش صدفة.”

وضعت الهاتف على المكتب.

هذه الجملة بالذات جعلت قلبي يخفق.

اللي حصل زمان ما كانش صدفة.

هل كان يقصد ما حدث لي في حياتي السابقة؟

لكن كيف يمكن لشخص أن يعرف؟

أنا وحدي كنت أتذكر تلك الحياة.

أليس كذلك؟

بدأت أبحث عن اسم محمود عبدالسلام على الإنترنت.

وجدت حسابًا مهنيًا له.

كان يعمل في مجال العقارات.

وهنا ظهرت أول صدمة.

قبل عامين، كان يعمل مع شركة التطوير العقاري التي باعت لي شقتي الحالية.

حدقت في الشاشة.

محمود كان يعرف تفاصيل المبنى.

وربما يعرف أيضًا تفاصيل الشقة.

لكن هذا لم يكن كل شيء.

وجدت في ملف قديم له صورة من حفل افتتاح مشروع عقاري.

وفي الخلفية كان هناك شخص أعرفه جيدًا.

عمتي سعاد.

لم تكن وحدها.

كانت تقف بجانب رجل آخر.

وعندما كبرت الصورة، شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

الرجل كان المحامي الذي تعاملت معه عمتي في حياتي السابقة.

المحامي نفسه الذي وقف بجانبها عندما اتهمتني بإهمال رنا.

المحامي الذي قال أمام الجميع إنني السبب في فشلها.

لكن كيف يمكن أن تكون صورتهما معًا قبل كل ذلك؟

جلست في مكاني وأنا لا أستوعب ما أراه.

ثم لاحظت تاريخ الصورة.

كانت الصورة ملتقطة قبل أن أشتري الشقة.

بأشهر.

معنى ذلك أن عمتي كانت تعرف محمود قبل أن أعرف أنا حتى بوجوده.

فتحت دفترًا وبدأت أكتب كل شيء.

اسم محمود.

اسم المحامي.

عمتي سعاد.

رنا.

الشقة.

الحياتان.

والحادثة القديمة.

ثم توقفت.

كانت هناك نقطة واحدة لم أجد لها تفسيرًا.

لماذا كانت رنا تريد أن تعيش في شقتي تحديدًا؟

هي لم تكن تحتاج إلى السكن عندي.

كان بإمكان عمتي أن تستأجر لها غرفة.

وكان بإمكانها أن تعيش عند إحدى خالاتها.

وكانت هناك عشرات الحلول.

لكنهم أحضروا حقيبتين.

واختاروا شقتي أنا.

ثم تذكرت شيئًا.

قبل حفل الافتتاح بيومين، كنت قد نشرت صورة للشقة على حسابي.

لم يظهر فيها سوى الصالة.

لكن انعكاس المرآة في الخلفية أظهر جزءًا من الممر.

وهناك ظهر باب غرفة التخزين.

الغرفة التي لا أستخدمها تقريبًا.

وضعت يدي على فمي.

هل كانوا يريدون الوصول إلى تلك الغرفة؟

نهضت فورًا.

عدت إلى المنزل في أسرع وقت.

دخلت الشقة وأغلقت الباب.

ثم اتجهت مباشرة إلى غرفة التخزين.

فتحت الباب.

كل شيء كان في مكانه.

صناديق قديمة.

أوراق.

ملابس.

أجهزة لا أستخدمها.

لكن عندما اقتربت من الرف الأخير، لاحظت أن أحد الصناديق لم يكن مغلقًا كما تركته.

فتحته.

لم أجد شيئًا.

فتشت داخله.

ثم أسفل الصناديق.

وفجأة رأيت ظرفًا بنيًا صغيرًا.

لم يكن الظرف يخصني.

كان عليه اسم مكتوب بخط يد واضح:

“إلى رنا.”

توقفت أنفاسي.

من وضع هذا الظرف في شقتي؟

ومتى؟

فتحت الظرف بحذر.

كان بداخله مفتاح صغير.

وورقة واحدة.

فتحت الورقة.

وكان عليها سطر واحد فقط:

“بعد أن تدخل الشقة، خذي المفتاح من الغرفة القديمة، ولا تخبري آية بأي شيء.”

جلست على الأرض.

لم أعد أشعر بالخوف.

كنت غاضبة.

لأن خطتهم لم تبدأ اليوم.

لقد بدأت قبل أن تصل رنا إلى باب شقتي.

وربما…

قبل أن أشتري الشقة أصلًا.

لكن السؤال الأكبر كان:

ما الذي يفتح هذا المفتاح؟

وفي تلك اللحظة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل باب الشقة.

تجمدت في مكاني.

لم أكن قد أعطيت مفتاحًا لأحد.

ثم سمعت صوت رنا من الخارج:

“ماما، ادخلي بسرعة.”

وصوت عمتي سعاد يرد:

“اقفلي الباب.”

نهضت ببطء.

وضممت الظرف إلى يدي.

ثم اختبأت خلف باب غرفة التخزين.

بعد ثوانٍ، دخلت عمتي سعاد ورنا إلى الشقة.

لكن هذه المرة…

لم تكونا تحملان أي حقائب.

وكان واضحًا من نبرة صوتهما أنهما لم تأتيا للتفاوض.

بل جاءتا للبحث عن شيء.

سمعت رنا تقول:

“ماما، لازم نلاقيه قبل ما ترجع.”

ردت عمتي:

“أكيد موجود هنا.”

ثم أضافت بصوت منخفض:

“محمود قال إنه متأكد إن آية مخبيته في الشقة.”

شعرت بقلبـي يتوقف.

محمود؟

إذن لم يكن الأمر مجرد خطة للسكن.

كانوا يبحثون عن شيء محدد.

وشيء أخبرهم محمود أنني أخفيه.

لكنني لم أكن أعرف حتى ما هو.

ضغطت على الظرف داخل يدي.

وفي تلك اللحظة فهمت أنني أمام سر أكبر بكثير مما توقعت.

وسمعت رنا تقول:

“لو لقيناه، كل حاجة هتخلص.”

ردت عمتي:

“وساعتها آية هتخسر الشقة… وكل حاجة.”

ابتسمت رغم غضبي.

لأنهما لم تعرفا أنني كنت أسمعهما.

ولم تعرفا أنني أملك الآن الدليل الأول.

لكنني كنت بحاجة لمعرفة شيء واحد فقط:

ما هو الشيء الذي يمكن أن يجعلني أخسر شقتي؟
أكيد، نكمل مباشرة من اللحظة التي كانت فيها آية مختبئة وتسمع خطة عمّتها ورنا.

الجزء الثالث

بقيت واقفة خلف باب غرفة التخزين، أحبس أنفاسي حتى لا تسمعني رنا أو عمتي سعاد.

كان قلبي يدق بعنف.

لكنني كنت أحاول التفكير بهدوء.

كان واضحًا أن وجودهما في شقتي لم يكن صدفة.

والأخطر من ذلك…

أنهما كانتا تبحثان عن شيء محدد.

سمعت رنا تقول:

“ماما، دوري في الدولاب الكبير.”

ردت عمتي:

“إنتِ دوري في المكتب. محمود قال إن الورق لازم يكون في مكان قريب من حاجاتها القديمة.”

الورق؟

أي ورق؟

بدأت أسترجع كل شيء.

عقود الشقة.

إيصالات الشراء.

أوراق البنك.

ملفات العمل.

لم يكن هناك شيء يمكن أن يجعلني أخسر الشقة.

أو هكذا كنت أعتقد.

خرجت رنا من الصالة ودخلت غرفة المكتب.

بدأت تفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر.

كنت أسمع صوت الأدراج وهي تُسحب بعنف.

ثم قالت:

“مفيش حاجة هنا.”

ردت عمتي:

“دوري كويس.”

“دورت.”

“محمود قال إنه شاف الملف.”

توقفت.

محمود رأى الملف؟

كيف؟

متى دخل شقتي؟

هل كانت عمتي قد أعطته مفتاحًا؟

بدأت أشعر بالغضب أكثر من الخوف.

ثم سمعت صوت رنا:

“ماما!”

“إيه؟”

“لقيت حاجة.”

خرجت رنا من المكتب وهي تحمل ملفًا أزرق.

شهقت عمتي:

“ده هو!”

اقتربت منها بسرعة.

“افتحيه.”

فتحت رنا الملف.

وبدأت تقلب الأوراق.

ثم قالت:

“مفيش العقد.”

“دوري تحت.”

“مش موجود.”

قالت عمتي بعصبية:

“إنتِ متأكدة إن ده نفس الملف؟”

“أيوه.”

“يبقى آية نقلته.”

ابتلعت ريقي.

نقلته؟

أنا لم أنقل شيئًا.

ثم تذكرت.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى