
قبل أسبوعين، كنت قد أعطيت مجموعة من أوراق الشقة للمحاسب لمراجعتها.
لكن الأوراق عادت إليّ.
أم أنها لم تعد كلها؟
وضعت يدي في جيبي.
الهاتف كان معي.
فتحت الكاميرا وسجلت الصوت.
ثم أرسلت تسجيلًا مباشرًا إلى أمي.
لم أكتب أي شيء.
فقط أرسلت التسجيل.
بعدها سمعت رنا تقول:
“ماما، لو العقد الأصلي مش هنا، نعمل إيه؟”
قالت عمتي:
“لازم نلاقيه.”
“وليه مهم للدرجة دي؟”
سكتت عمتي.
ثم قالت:
“لأن الشقة مش ملكها بالكامل.”
تجمدت.
ماذا قالت؟
الشقة ليست ملكي بالكامل؟
كنت أملك عقدًا رسميًا.
دفعت مقدمًا.
ودفعت الأقساط.
وكل الأوراق كانت باسمي.
إذن ما الذي تقصده؟
تابعت عمتي:
“فيه توقيع ناقص.”
قالت رنا:
“توقيع مين؟”
“توقيع المالك السابق.”
“وإيه المشكلة؟”
“المشكلة إن لو أثبتنا إن التوقيع مزور، البيع كله ممكن يتوقف.”
كادت قدماي لا تحملانني.
تزوير؟
أنا لم أزوّر شيئًا.
لكن إذا كان هناك شخص يريد إثبات وجود تزوير في أوراق الشقة، فمعنى ذلك أن هناك من يحاول سرقة ملكيتي بطريقة قانونية.
ثم قالت رنا:
“ومحمود قال إن عنده نسخة.”
“أيوه.”
“يبقى ليه ندور هنا؟”
ردت عمتي:
“لأن النسخة اللي عنده مش كفاية. لازم الأصل.”
صمتت رنا.
ثم سألت:
“ولو لقيناه؟”
قالت عمتي:
“نستخدمه ضد آية.”
توقفت عن التنفس تقريبًا.
كانوا يريدون استخدام وثيقة ضدي.
لكن لماذا؟
ومن المستفيد؟
سمعت صوت رنا وهي تغلق الملف.
“طيب ولو ما لقيناهوش؟”
قالت عمتي:
“نخليها هي تدور عليه.”
“إزاي؟”
“نخوفها.”
ضحكت رنا.
“وبعدين؟”
“لو خافت، هتعمل أي غلطة.”
ثم قالت جملة جعلتني أفهم كل شيء:
“ومحمود مستعد يشتري الشقة بعد ما ناخدها بسعر أقل.”
أغمضت عيني.
إذن هذا هو الهدف.
لم يكن الهدف رنا.
ولا الدراسة.
ولا مراكز المراجعة.
ولا حتى مساعدتي.
كان الهدف شقتي.
لقد أرادوا أن يجعلوني أخسرها.
وبعدها يحصل محمود عليها بسعر منخفض.
لكن لماذا اختاروا أنا؟
ولماذا كانت رنا جزءًا من الخطة؟
ثم سمعت رنا تقول:
“بس ماما، آية مش غبية.”
ردت عمتي:
“هي مش عارفة اللي إحنا عارفينه.”
“ولو اكتشفت؟”
“مش هتلحق.”
توقفت رنا.
“يعني إيه؟”
قالت عمتي:
“هننهي الموضوع قبل ما تفهم.”
لم أعد أستطيع الانتظار.
خرجت من غرفة التخزين.
وقلت:
“خلصتوا بحث؟”
صرخت رنا.
“آآآه!”
التفتت عمتي بسرعة.
سقط الملف من يد رنا.
نظرَت إليّ عمتي بوجه شاحب.
قلت:
“كان المفروض تقفلوا الباب كويس.”
لم تجب.
نظرت إلى الملف على الأرض.
ثم إلى عمتي.
“إنتِ دخلتي شقتي من غير إذني.”
قالت بسرعة:
“أنا… أنا كنت جاية آخد حاجة.”
“وإنتِ كنتِ بتدوري على إيه؟”
“ولا حاجة.”
ضحكت.
“ولا حاجة؟”
انحنيت وأخذت الملف.
ثم أخرجت هاتفي.
وشغلت التسجيل.
خرج صوت عمتي واضحًا من الهاتف:
“الشقة مش ملكها بالكامل.”
ثم صوت رنا:
“ولو لقيناه؟”
وصوت عمتي:
“نستخدمه ضد آية.”
تغير لون وجههما.
قالت رنا:
“إنتِ بتسجلينا؟!”
قلت:
“من أول ما دخلتوا.”
صرخت عمتي:
“ده تجسس!”
“تجسس؟ إنتِ دخلتي بيتي من غير إذني.”
ثم اقتربت منها.
“قولي لي الحقيقة.”
سكتت.
“مين محمود؟”
لم تجب.
“وليه عايز شقتي؟”
صمت.
“وإيه قصة العقد؟”
بدأت عمتي في البكاء.
لكنني لم أتأثر.
هذه المرة لن تخدعني بالدموع.
قلت:
“أنا هسألك سؤال واحد بس.”
رفعت رأسها.
“إنتِ كنتِ عارفة إن رنا هتيجي لشقتي قبل ما أنا حتى أعلن عن موعد الافتتاح؟”
لم تجب.
كانت الإجابة واضحة.
نظرت إلى رنا.
“وإنتِ؟”
ابتعدت بنظرها.
قلت:
“كنتِ عارفة إنهم بيخططوا لكل ده؟”
قالت بصوت ضعيف:
“أنا ما كنتش عارفة كل حاجة.”
“لكن كنتِ عارفة جزء.”
سكتت.
ثم قالت فجأة:
“ماما هي اللي قالت لي.”
التفتت إليها عمتي.
“رنا!”
لكن رنا تابعت:
“قالت إنك هتخافي من موضوع العقد، وإنك لو دخلتِ في مشكلة قانونية هتضطري تبيعي.”
نظرت إلى عمتي.
“مين قال لكم إن عندي مشكلة في العقد؟”
قالت رنا:
“محمود.”
“ومحمود عرف منين؟”
لم ترد.
هنا أخرجت هاتفي مرة أخرى.
فتحت صورًا كنت قد حفظتها.
وضعت صورة محمود أمامهما.
“أنا عرفت إنه كان شغال مع شركة العقارات اللي باعت لي الشقة.”
ارتبكت عمتي.
ثم قلت:
“لكن اللي مش فاهمه لحد دلوقتي… إزاي عرفتم تفاصيل أوراقي؟”
سكتت.
اقتربت منها أكثر.
“مين كان عنده نسخة من أوراقي؟”
بدأت عمتي تبكي.
لكن رنا هي التي أجابت:
“المحاسب.”
توقفت.
“مين؟”
“المحاسب اللي راجع لك الأوراق.”
شعرت بصدمة.
هل كان هناك شخص آخر متورط؟
اتصلت فورًا بالمحاسب.
رن الهاتف.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
لم يرد.
أغلقت المكالمة.
ثم حاولت الاتصال مرة أخرى.
هذه المرة أغلق الهاتف مباشرة.
نظرت إلى رنا.
“من إمتى بتعرفي الكلام ده؟”
قالت:
“من شهر تقريبًا.”
“وليه وافقتِ تساعديهم؟”
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
“عشان ماما وعدتني إنها هتديني جزء من الفلوس.”
“فلوس إيه؟”
قالت:
“فلوس بيع الشقة.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
حتى ابنتها كانت تعرف.
ثم قالت رنا شيئًا لم أتوقعه:
“بس فيه حاجة تانية.”
نظرت إليها.
“إيه؟”
قالت:
“محمود مش هو اللي بدأ الخطة.”
ساد الصمت.
قلت:
“أمال مين؟”
نظرت رنا إلى أمها.
كانت عمتي سعاد تبكي بشدة.
ثم قالت رنا:
“الشخص اللي بدأ كل ده…”
ترددت.
ثم همست:
“هو الشخص اللي كان مسؤول عن ملف الشقة من البداية.”
رفعت حاجبي.
“مين؟”
لكن قبل أن تجيب…
رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
نظرنا جميعًا إلى الباب.
ذهبت رنا نحوه.
لكنني أوقفتها.
“أنا هفتح.”
تقدمت ببطء.
وضعت يدي على المقبض.
ثم فتحت الباب.
كان رجلًا في الخمسين تقريبًا يقف أمامي.
عرفته فورًا.
المحامي نفسه الذي رأيته في الصور.
نظر إليّ بابتسامة باردة.
وقال:
“مساء الخير يا آية.”
تجمدت في مكاني.
ثم قال:
“جاي آخد الملف.”
نظرت إلى عمتي.
ثم إلى رنا.
ثم عدت أنظر إليه.
وأدركت أن القصة أكبر بكثير من مجرد محاولة للاستيلاء على شقتي.
لأن الرجل الذي يقف أمام بابي الآن…
كان يعرف سرًا عن حياتي السابقة.
وقال قبل أن أدعه يدخل:
“إحنا اتقابلنا قبل كده… بس إنتِ أكيد مش فاكرة.”
وهنا فقط فهمت أن الخطر الحقيقي لم يكن على شقتي وحدها.
نكمّل من لحظة ظهور المحامي أمام الباب، مع تصاعد السر وكشف الخطة تدريجيًا.
الجزء الرابع
ظللت واقفة أمام الباب، لا أعرف ماذا أقول.
المحامي ابتسم مرة أخرى.
كانت ابتسامته هادئة بشكل غريب.
هادئة أكثر مما ينبغي.
قلت:
“إنت مين بالضبط؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
“أنا المستشار فؤاد منصور. أكيد الاسم مش غريب عليكِ.”
كنت أعرف الاسم.
لكن ليس من حياتي الحالية.
بل من حياتي السابقة.
الرجل نفسه.
نفس الصوت.
نفس النظرة.
نفس الابتسامة التي رأيتها قبل سنوات في تلك الحياة التي انتهت بطريقة مأساوية.
لكن كيف؟
كيف يمكن أن يكون هنا؟
كيف يمكن أن يعرفني؟
قلت:
“إنت غلطان في العنوان.”
ابتسم.
“لا. أنا متأكد جدًا من العنوان.”
ثم نظر إلى الداخل.
ورأى عمتي سعاد ورنا.
قال:
“واضح إننا وصلنا في الوقت المناسب.”
وقفت أمام الباب ومنعته من الدخول.
“محدش طلب منك تيجي.”
قال بهدوء:
“أنا جاي في موضوع قانوني.”
“أي موضوع؟”
“موضوع ملكية الشقة.”
شعرت بقلبي يخفق.
لكنني لم أظهر ذلك.
قلت:
“إذن اتفضل امشِ. لو عندك أي ورق قانوني، ابعته عن طريق محاميي.”
تغيرت ابتسامته.
“لسه بتتصرفي بنفس الطريقة.”
توقفت.
“بنفس الطريقة؟”
قال:
“بتحاولي تباني قوية، لكن أول ما تسمعي كلمة قانون، بتقلقي.”
نظرت إليه بحدة.
“إنت تعرفني منين؟”
صمت.
ثم قال:
“أكتر مما تتخيلي.”
خلفي، بدأت عمتي سعاد في البكاء.
“فؤاد، كفاية.”
التفت إليها.
“أنا قلت لك إن الموضوع لازم يخلص النهارده.”
نظرت إليها.
“إنتِ كنتِ تعرفيه قبل النهارده؟”
لم تجب.
رفعت هاتفي.
“كل كلامكم متسجل.”
تغير وجه المحامي.
لكنني تابعت:
“ولو حصل أي شيء للشقة، التسجيل هيروح للشرطة ولمحاميّ.”
قال ببرود:
“التسجيل ده مش هيحميك.”
“نشوف.”
ابتسم.
ثم قال:
“أنتِ فاكرة إن المشكلة في العقد؟”
“مش فاكرة. أنا متأكدة.”
هز رأسه.
“العقد مجرد بداية.”
ثم أخرج من حقيبته ملفًا أسود.
ووضعه أمامي.
“المشكلة الحقيقية في حاجة تانية.”
لم ألمس الملف.
“إيه؟”
قال:
“فيه مستند يثبت إن الشقة تم تمويلها جزئيًا بأموال لا تخصك.”
ضحكت.
“إيه الكلام ده؟”
“الملف فيه تحويلات مالية.”
“أنا دفعت كل قسط من حسابي.”
“جزء من الأموال تم تحويله من حساب مرتبط بعائلتك.”
توقفت.
عائلتي؟
لم أفهم.
قال:
“ولو ثبت إن الأموال جاءت من شخص آخر، ممكن ملكية الشقة تدخل في نزاع.”
نظرت إلى عمتي.
كانت لا تزال تبكي.
قلت:
“إنتِ عارفة عن التحويلات دي؟”
لم ترد.
اقتربت منها.
“عمتي، أنا عايزة إجابة.”
قالت:
“أنا ما كنتش عايزة الموضوع يوصل لكده.”
ضحكت بمرارة.
“يعني إنتِ فعلًا كنتِ عارفة.”
رفعت رأسها.
“آية، اسمعيني.”
“مش هسمع حاجة.”
أشرت إلى الباب.
“اطلعوا.”
قالت رنا:
“ماما…”
لكن المحامي رفع يده.
“سيبيها.”
ثم نظر إليّ.
“أنتِ عندك فرصة أخيرة.”
“فرصة لإيه؟”
“تبيعي الشقة.”
صمت.
“تبيعيها لمين؟”
قال:
“لشخص مستعد يدفع لك مبلغًا مناسبًا.”
“محمود.”
لم يجب.
ابتسم فقط.
وكان ذلك كافيًا.
قلت:
“إذن كل ده عشان محمود يشتري الشقة.”
قال:
“أنتِ بتفكري بشكل عاطفي.”
“وإنتوا بتفكروا بشكل إجرامي.”
تغير وجهه.
“خلي بالك من كلامك.”
“خلي بالك إنت من أفعالك.”
ثم أغلقت الباب في وجهه.
لكن قبل أن يغلق تمامًا، قال:
“هتندمي.”
أغلقت الباب.
وأقفلت القفل مرتين.
استدرت.
كانت رنا واقفة بجوار أمها.
وجهها شاحب.
قلت:
“إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟”
قالت:
“مش كل حاجة.”
“لكن عارفة إنهم عايزين الشقة.”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“وعارفة إنهم بيحاولوا يلفقوا لي مشكلة قانونية.”
سكتت.
ثم قالت:
“أيوه.”
اقتربت منها.
“ليه؟”
بدأت تبكي.
“عشان الفلوس.”
“الفلوس أهم مني؟”
قالت:
“أنا كنت غبية.”
ضحكت.
“غبية؟”
“ماما قالت إنك مش محتاجة الشقة. وإنك ممكن تشتري غيرها.”
نظرت إليها بدهشة.
“مين قال لك إني ممكن أشتري غيرها؟”
سكتت.
“رنا.”
رفعت رأسها.
“محمود.”
توقفت.
قلت:
“إيه علاقة محمود بيك؟”
لم تجب.
فقلت:
“هو مجرد شخص متورط في الموضوع؟ ولا فيه حاجة تانية؟”
بدأت تبكي.
ثم قالت:
“هو خطيبي.”
ساد الصمت.
نظرت إلى عمتي.
ثم إلى رنا.
“خطيبك؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
قلت:
“يعني محمود مش بس عايز الشقة.”
لم تجب.
“عايز فلوسها عشان يجهز جوازكم.”
قالت:
“أيوه.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“وإنتِ كنتِ مستعدة تسرقي شقتي عشان تتجوزي؟”
صرخت:
“أنا ما كنتش عارفة إنهم هيأذوكي!”
“لكن كنتِ عارفة إنهم بيحاولوا ياخدوها.”
بكت.
لم أعد أريد سماع المزيد.
قلت:
“اخرجي.”
قالت:
“آية…”
“اخرجي.”
قالت عمتي:
“رنا، يلا.”
أخذت رنا حقيبتها.
وقبل أن تخرج، توقفت أمامي.
وقالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
لم أرد.
قالت:
“محمود مش هو اللي اكتشف مشكلة العقد.”
رفعت عيني إليها.
“مين اكتشفها؟”
قالت:
“المحاسب.”
تذكرت المكالمة التي لم يرد عليها.
قالت:
“هو اللي أعطى محمود نسخة من الأوراق.”
سألت:
“وليه؟”
قالت:
“عشان هو كمان واخد فلوس.”
أغلقت عيني.
كل شيء بدأ يتضح.
المحاسب.
محمود.
المحامي.
عمتي.
رنا.
كانوا جميعًا جزءًا من شبكة واحدة.
لكن بقي سؤال واحد:
من أين جاء أصلًا الادعاء بأن عقد الشقة مزور؟
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
رقم غير مسجل.
أجبت.
صوت رجل مسن قال:




