
أخت جوزي اتطلقت وجابت بنتها وقعدت عندنا في البيت، وأنا وقتها حسيت إن حياتي اللي كنت مرتاحة فيها هتتغير.
أنا طول عمري كنت بشوف إن البيت ده بتاعي، أو بمعنى أصح، كان لازم يكون بتاعي لوحدي من أول يوم دخلته. إحنا عايشين في الأرياف، وجوزي أبوه سايب لهم بيت عيلة كبير، دور أرضي واسع وفوقه دور تاني. أنا كنت في الدور الثاني، حلوة، بس البيت نفسه كان زحمة وحركة طول الوقت. حماتي الله يرحمها كانت مالية البيت حركة، وأخت جوزي الصغيرة هدى رايحة جاية، فكنت بحس إني مش عارفة أتحرك براحتي ولا حاسة إن المكان ده ملكي.
كنت دايمًا بحس إني ضيفة في بيتهم، أو مجرد واحدة ساكنة فوق، وهم أصحاب المكان، وده كان مضايقني من جوايا.
صبرت وقلت إن العيشة دي مش هتدوم. وبالفعل، الفرج جه بالتدريج. هدى أخت جوزي اتجوزت ومشيت راحت بيت جوزها، وبعدها بكام سنة حماتي اتوفت.
وقتها حسيت إن البيت بقى فاضي وهادئ، وبقيت أتحرك فيه براحتى. من الباب الكبير لحد السطح، حسيت إن كل حاجة بقت تحت إدارتي. أستقبل اللي يعجبني، وأقفل الباب لما أحب، والعيال تلعب براحتها في المكان الواسع، وأنا نازلة طالعة وكأني صاحبة البيت الوحيدة.
سنين وأنا عايشة في الراحة دي، لحد ما الصدمة جت في يوم من غير إنذار.
هدى اختلفت مع جوزها، والأمور وصلت للانفصال، وبقى فيه إجراءات تخص حقوقها وحقوق بنتها ومسألة السكن. وهتفضل قاعدة معانا لحد ما الأمور تخلص.
أنا وقتها اتسمرت مكاني.
يعني إيه؟ بعد السنين دي كلها والراحة دي، أرجع تاني أتقاسم البيت؟
بدأت أتكلم مع جوزي وأقوله:
إزاي أختك تعيش هنا كده؟ هو مش المفروض يشوف لها مكان مناسب هي والبنت؟ ليه ما تستأجرش مكان قريب لحد ما الأمور تخلص؟
رد عليا بضيق:
ما هي الإجراءات شغالة، ولسه الأمور ما اتحسمتش. هتعيش فين؟ البيت بيت أبوها ومفتوح لها.
قلتله:
طب ما أختك بتشتغل وبتقبض، ممكن تدبر نفسها مؤقتًا.
جوزي بصلي باستغراب وقال:
تدبر نفسها إزاي والبيت موجود؟ وبعدين دي أختي ومالهاش غيري دلوقتي. نامي يا سميرة وبلاش مشاكل.
ساعتها فهمت إن جوزي مش هيساعدني في اللي أنا عايزاه.
ومن هنا بدأت أتعامل مع هدى بطريقة تضايقها.
كانت ترجع من شغلها في المستشفى تعبانة، فأقعد جنبها وأسألها أسئلة كتير:
إنتوا اختلفتوا ليه؟ طب ما تحاولي تتكلمي معاه؟ يمكن الأمور تهدى، خصوصًا عشان بنتك.
هدى كانت بتبصلي بحزن وتقول:
يا سميرة، الموضوع خلص، وأنا مش ناقصة كلام. سيبيني في حالي الله يخليكِ.
ولما لقيت إن الكلام المباشر مش بيجيب نتيجة، بقيت أقول قدام القرايب والجيران كلام يوصل لها إني مش مرحبة بوجودها.
كنت أقول:
والله أنا أكتر واحدة زعلانة على هدى. الظروف صعبة عليها، والواحدة مهما حصل بتفضل محتاجة مكان تحس فيه بالاستقرار.
هدى كانت أوقات تتجاهل كلامي وتعديه عشان أخوها وعشان ما يحصلش توتر في البيت.
وسكوتها كان بيضايقني أكتر، لأني كنت مستنية منها رد فعل يخلّي الموضوع يكبر.
وفي يوم، وأنا لوحدي، فكرت في تصرف متهور جدًا. كنت عايزة أخلي هدى تحس إن البيت مش مكان مريح لها، لكن الفكرة اللي خطرت في بالي كانت أسوأ من مجرد خلاف عائلي.
في اليوم ده، هدى كانت في شغلها، وبنتها الصغيرة كانت في الحضانة. جوزي عدى وأخذ البنت معاه وهو راجع، ورجع البيت.
بعد شوية، جوزي دخل يستحمى، والبنت كانت بتلعب في الصالة.
ناديت عليها وقلت لها بنبرة هادية:
بقولك إيه يا شاطرة، روحي الجنينة وهاتيلي مية في العلبة البلاستيك دي. المية مقطوعة فوق وأنا محتاجة أجهز المواعين.
البنت هزت رأسها وأخذت العلبة وخرجت.
أنا كنت عارفة إن المكان هناك مش مناسب لطفلة صغيرة، ومع ذلك سبتها تروح لوحدها.
بعد لحظات، سمعت صوتها وهي بتصرخ.
جريت ناحية الجنينة، وجوزي خرج ورايا.
لقينا البنت واقعة جنب البرميل، وفي إيدها أثر إصابة واضحة، وكان فيه حيوان زاحف كبير موجود في المكان.
المنظر كان مرعب، والبنت كانت بتبكي بشدة ومش قادرة تتحرك من الخوف والألم.
جوزي شالها بسرعة، وأنا وقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه.
في اللحظة دي دخلت هدى، وكانت راجعة من المستشفى، ولما شافت بنتها بين إيدين أخوها جريت عليها.
وبحكم خبرتها في المستشفى، بدأت تتصرف بسرعة، وطلبت المساعدة واتصلت بزملائها.
جوزي كان مرتبك جدًا وقال:
هي البنت خرجت الجنينة إزاي؟ مش إنتي كنتي معاها؟
أنا اتلخبطت وقلت:
هي قالتلي عايزة تلعب، وأنا دخلت المطبخ، وبعدها سمعت صوتها.
هدى سكتت وبصتلي بطريقة خلتني أحس إنها بدأت تفهم.
وبعدين لقت العلبة البلاستيك اللي كانت البنت ماسكاها.
رفعتها قدامي وقالت:
العلبة دي من المطبخ بتاعك يا سميرة. البنت كانت بتعمل بيها إيه في الجنينة؟
جوزي بص للعلبة وبعدين بصلي.
وقال:
إنتي اللي بعتيها الجنينة؟
قلت بسرعة:
أنا كنت فاكرة إنها هتجيب شوية مية وخلاص.
هدى فهمت كل حاجة، وانفعلت جدًا، والناس الموجودين حاولوا يهدوا الموقف.
بعدها البنت اتنقلت للمستشفى، واتعمل لها اللازم، وفضلت تحت الملاحظة الطبية.
الوقت ده كان أصعب وقت عدى عليا.
مش بس بسبب اللي حصل، لكن لأنني بدأت أفهم حجم الغلط اللي عملته.
أنا اللي كنت شايفة البيت أهم من راحة أخت جوزي، وصلت لتصرف ممكن يعرض طفلة صغيرة للأذى.
هدى كانت واقفة جنب بنتها وبتدعي إنها تتحسن، وجوزي كان واقف بعيد عني، مش قادر يستوعب إن تصرفاتي وصلت للدرجة دي.
وبعد ساعات من المتابعة، بدأت حالة البنت تتحسن تدريجيًا، وده كان أكبر خبر طمني.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت لما البنت بدأت تتكلم.
قالت لأبوها بكل براءة:
بابا، طنط سميرة هي اللي قالتلي أروح الجنينة بالعلبة، وقالتلي ما أقولش لحد.
الكلام وقع عليا كأنه صدمة.
ما قدرتش أنكر، لأن الحقيقة كانت واضحة.
جوزي بصلي فترة طويلة، وبعدها قال:
إنتي كنتي عايزة تبعدي أختي عن البيت لدرجة إنك دخلتي بنتها في حاجة ممكن تأذيها؟
ما لقيتش رد.
كل الحجج اللي كنت بقولها لنفسي اختفت في لحظة.
البيت اللي كنت فاكرة إنه أهم حاجة في الدنيا، ما بقاش له أي معنى قدام اللي حصل.
بعدها حصل انفصال بيني وبين جوزي، وبدأت الإجراءات الرسمية بسبب اللي حصل مع البنت.
وأهلي لما عرفوا التفاصيل، كانوا في منتهى الغضب والصدمة، وقالولي إن اللي عملته تصرف مرفوض ومش ممكن يتبرر بأي شكل.
قعدت فترة عند واحدة صاحبتي، وأنا طول الوقت بفكر في اللي حصل.
البنت الحمد لله تحسنت ورجعت لحياتها الطبيعية بالتدريج، وهدى فضلت جنبها لحد ما اطمأنت عليها.
أما أنا، فخسرت كل حاجة كنت فاكرة إني بحميها.
خسرت بيتي، وخسرت جوزي، وخسرت ثقة الناس فيا، والأهم إني فهمت متأخر جدًا إن الطمع في المكان والراحة ممكن يخلي الإنسان يشوف أقرب الناس له كأنهم عبء.
كنت عايزة البيت يبقى ملكي لوحدي.
وفي النهاية، خسرت البيت وخسرت راحتي، وبقيت أعيش مع نتيجة قراري كل يوم.
أصعب درس اتعلمته إن البيت مش مجرد حيطان ومكان، وإن حق الإنسان في الأمان والراحة أهم من أي إحساس بالملكية.
ولو كنت رجعت بالزمن، كنت هفتح باب لهدى وبنتها من غير أي تردد، وأقول لنفسي إن البيت الواسع عمره ما هيضيق بأهله، لكن القلوب الضيقة ممكن تضيع كل حاجة.



