عام

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
فضلنا واقفين في المطبخ ثواني من غير ما حد فينا ينطق.

نورهان كانت ماسكة الورقة بإيد بتترعش.

مروان خطفها منها وقرأها مرة تانية.

— هو عرف إننا هنا…

آدم بصله بحدة.

— إزاي؟

مروان هز راسه.

— مش عارف.

أنا أخدت الورقة منه.

كانت مجرد ورقة عادية، من غير اسم شركة، ولا عنوان، ولا حتى توقيع.

لكن في أسفلها كان فيه رمز صغير جدًا، عبارة عن حرف “ك” داخل دائرة.

سألت:

— ده شعار أبوكي؟

نورهان أول ما شافته، وشها اتغير.

— أيوه.

— إيه المشكلة؟

— أبويا عمره ما بيستخدم الشعار ده إلا في حاجة واحدة.

مروان قرب منها.

— نورهان…

بصتله بخوف.

— في المستندات السرية.

سكتنا كلنا.

سألتها:

— مستندات إيه؟

قبل ما ترد، جرس الباب رن.

المرة دي مفيش خبط.

جرس طويل ومتواصل.

آدم قرب من الباب وبص من العين السحرية.

رجع وهو بيهمس:

— مفيش حد.

مروان قام بسرعة.

— متفتحش.

لكن آدم كان بالفعل قرب من الباب.

وبعد ثواني، سمعنا صوت حاجة وقعت قدام الباب.

انتظرنا لحظات.

آدم فتح الباب بحذر.

كان فيه ظرف بني صغير على الأرض.

مفيش اسم.

مفيش عنوان.

ومفيش أي علامة توضح مين اللي حطه.

آدم أخده ودخل.

مروان قال:

— متفتحهش هنا.

فتحناه رغم كده.

جواه فلاشة صغيرة وصورة.

الصورة كانت لنورهان ومروان.

اتصورت قبل ساعات قليلة فقط.

في المطار.

نورهان شهقت.

— مستحيل!

قربت الصورة من عينيها.

كان واضح إنهم خرجوا من المطار، وراهم عربية أجرة.

والأخطر إن الصورة كانت متصورة من مكان قريب جدًا.

يعني الشخص اللي بيراقبهم كان موجود هناك.

مروان قبض إيده.

— كنا مراقبين من أول ما وصلنا.

أنا بصيت لآدم.

— طب الفلاشة؟

آدم حطها في اللابتوب.

ظهر ملف واحد.

فتحناه.

فيديو مدته أقل من دقيقتين.

في البداية كانت الشاشة سودا.

وبعدين ظهر صوت رجل.

صوته هادي جدًا.

— نورهان… لو شوفتي الفيديو ده، يبقى أكيد وصلتي للمكان اللي كنت عايز أعرفه.

نورهان قربت من الشاشة.

— بابا…

الصوت كمل:

— أنا مش عايز أؤذيك. لكن لازم تفهمي إن الموضوع أكبر من جوازك من مروان.

مروان بص لها.

— أكبر إزاي؟

الرجل قال:

— اللي أخدتيه معاكي من البيت مش ملكك.

الفيديو انتهى.

ساد الصمت.

سألت نورهان:

— إنتِ أخدتي إيه؟

— ولا حاجة.

مروان رد بسرعة:

— هربنا من البيت وإحنا معانا هدومنا بس.

لكن نورهان فجأة سكتت.

بصت في الأرض.

وبعدها قالت:

— استنى…

جريت ناحية شنطتها الصغيرة.

فتحتها وبدأت تقلب فيها.

وبعد ثواني طلعت علبة معدنية صغيرة.

حطتها فوق الترابيزة.

— دي كانت في أوضتي.

مروان بص لها.

— وإنتِ خدتيها؟

— أنا مكنتش أعرف إنها كانت مهمة.

فتحت العلبة.

كان جواها مفتاح قديم.

وميموري كارد صغيرة.

وصورة لرجل كبير واقف جنب كمال.

أول ما شاف مروان الصورة، اتغير لونه.

— الراجل ده…

سألته:

— تعرفه؟

— أيوه.

— مين؟

مروان بلع ريقه.

— شريكه القديم.

نورهان بصت له باستغراب.

— بس شريكه القديم مات من خمس سنين.

مروان هز رأسه ببطء.

— بالظبط.

أنا مسكت الصورة.

الرجل كان واقف بجانب كمال، لكن في خلفية الصورة كان فيه مبنى قديم.

وعلى واجهته لافتة واضحة.

“مخازن المنشاوي”.

مروان قرب من الصورة.

— المكان ده مقفول من زمان.

سألته:

— ليه؟

— لأن حصلت فيه مشكلة كبيرة قبل ما الشركة تتوسع.

— مشكلة إيه؟

بص لنورهان.

— حريق.

نورهان همست:

— أنا عمري ما سمعت عن الحريق ده.

مروان رد:

— لأن أبوكي منع أي حد يتكلم عنه.

وفجأة…

سمعنا صوت عربية وقفت تحت العمارة.

آدم قرب من الشباك.

وبص لتحت.

— فيه اتنين نازلين من العربية.

سألته:

— مين؟

— مش عارف.

مروان أخد المفتاح بسرعة وحطه في جيبه.

— لازم نمشي.

نورهان هزت رأسها.

— فين؟

— أي مكان غير هنا.

آدم وقف قدامهم.

— مش هتخرجوا.

مروان بص له.

— لو فضلنا هنا، هنعرّضك إنت ومراتك للخطر.

آدم رد بهدوء:

— ولو مشينا دلوقتي، هنقع في إيدهم.

أنا كنت واقفة ساكتة، لكن فجأة افتكرت حاجة.

قلت:

— استنوا.

كلهم بصوا لي.

— الراجل اللي جاب الظرف الصبح…

مروان سأل:

— ماله؟

— كان لابس بدلة، صح؟

آدم قال:

— أيوه.

— وأنا شوفته قبل كده.

مروان قرب مني.

— فين؟

— قدام الشركة اللي بشتغل فيها.

سكتوا.

قلت:

— كان واقف عند البوابة من يومين.

نورهان بدأت تبكي.

— يعني كانوا بيراقبونا من قبل ما نهرب؟

محدش رد.

لكن في اللحظة دي، الموبايل بتاع آدم رن.

رقم غريب.

فتح المكالمة.

مفيش كلام.

بس صوت تنفس هادي.

وبعد ثانيتين، جه صوت رجل:

— آدم…

آدم اتجمد.

الرجل كمل:

— متدخلش نفسك في حاجة مش تخصك.

آدم قال:

— إنت مين؟

ضحكة قصيرة ظهرت في الطرف التاني.

— اسأل أخويا.

وبعدها الخط اتقفل.

مروان قرب منه.

— هو قال إيه؟

آدم بصله.

— قال “أخويا”.

وشه مروان اصفر.

— ده مستحيل.

سألته:

— إيه؟

رد بصوت منخفض:

— كمال مش الشخص الوحيد اللي بيدور علينا.

وقبل ما أقدر أسأله مين التاني…

سمعنا صوت المفتاح بيتحرك في قفل باب الشقة.

مرة.

وبعدين مرة تانية.

وبعدين الباب بدأ يتفتح ببطء.

نورهان شهقت.

آدم أشار لنا نسكت.

كلنا ثبتنا مكاننا.

لكن الباب اتفتح…

والشخص اللي دخل الشقة كان آخر شخص ممكن نتوقع نشوفه.

لأن مروان أول ما شافه قال جملة واحدة:

— إنت المفروض تكون ميت من خمس سنين.
فضل الرجل واقف عند باب الشقة، من غير ما يتحرك.

ولا واحد فينا قدر ينطق.

أنا كنت ببص له وبعدين أبص لمروان.

مروان كان لونه أبيض تمامًا.

نورهان حطت إيدها على بوقها، ودموعها نزلت من غير ما تحس.

أما آدم فكان واقف قدامي، محاولًا يحمينا كلنا.

الرجل قفل الباب بهدوء.

وقال:

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

مروان اتقدم خطوة.

— إنت… سامح؟

الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة.

— لسه فاكرني.

مروان هز رأسه.

— أبويا قال إنك مت.

سامح رد:

— أبوك قال حاجات كتير.

نورهان تقدمت خطوة.

— إنت كنت شريك بابا؟

— زمان.

— وإنت عايش؟

— زي ما إنتِ شايفة.

سألته وأنا مش قادرة أخفي توتري:

— طيب إنت دخلت شقتنا إزاي؟

رفع مفتاحًا صغيرًا أمامنا.

— المفتاح ده كان معايا.

آدم بص له باستغراب.

— مفتاح إيه؟

سامح ما ردش.

بدل كده، بص لنورهان.

— إنتِ لقيتي العلبة؟

نورهان تجمدت.

— إنت عرفت؟

— كنت مستنيكي تلاقيها.

مروان اتدخل بعصبية.

— كفاية ألغاز! إحنا عايزين نفهم إيه اللي بيحصل.

سامح بص له فترة طويلة.

وبعدين قال:

— أبوك مش بيطاردكم عشان جوازكم.

نورهان قالت:

— أمال ليه؟

سامح رد:

— عشان الذاكرة اللي في العلبة.

سكتنا.

أنا سألت:

— فيها إيه؟

سامح قرب من الترابيزة.

— الحقيقة.

مروان ضحك بسخرية.

— الحقيقة عن إيه؟

سامح بص له في عينه.

— عن الحريق.

الجو اتغير في ثانية.

نورهان قالت:

— إنت قلت إنك شريك أبويا زمان… إيه اللي حصل وقت الحريق؟

سامح سحب كرسي وقعد.

— قبل خمس سنين، كان عندنا مخزن في المنطقة الصناعية. رسميًا، الحريق حصل بسبب ماس كهربائي.

مروان قال:

— ده اللي اتقال لنا.

— لكنه ما كانش ماس كهربائي.

نورهان اقتربت منه.

— أمال إيه؟

سامح تنهد.

— الحريق كان متعمد.

أنا شهقت.

— مين عمله؟

سامح بص لنورهان.

— دي المشكلة.

وقبل ما يكمل، سمعنا صوت عربية تانية وقفت تحت العمارة.

سامح قام بسرعة.

— لازم تمشوا.

آدم قال:

— دلوقتي؟

— حالًا.

مروان سأله:

— مين اللي جاي؟

سامح رد:

— رجال أبوكي.

نورهان قالت:

— إنت عرفت منين؟

سامح ابتسم.

— لأني أنا اللي خليتهم ييجوا.

مروان اندفع ناحيته.

— إنت بتقول إيه؟

سامح رفع إيده.

— لو كنت عايز أسلمكم، كنت عملت ده من أول ما دخلت.

بص لآدم.

— عندك باب خلفي؟

آدم أشار ناحية المطبخ.

— فيه سلم خدمة.

— كويس.

بدأنا نتحرك بسرعة.

لكن قبل ما نخرج، سامح وقف فجأة.

بص للصورة الموجودة على الترابيزة.

الصورة اللي فيها هو وكمال قدام المخزن.

مد إيده وأخذها.

قال:

— الصورة دي لازم تفضل معايا.

نورهان مسكت إيده.

— لأ.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى