
الجزء الاخير الحقيقة اللي قلبت التحقيق كله في صباح اليوم التالت، دخلت مقر التحقيق وأنا مصممة إني أوصل للحقيقة، مهما كانت صعبة. كنت لسه بتعاني من ألم في ضهري، وآثار الأصفاد كانت واضحة على إيديا، لكن اللي شاغلني أكتر من إصاباتي هو السؤال اللي ما سابنيش من ساعة الحادث:
مين كان عايز يوقفني؟ وليه؟
أول ما دخلت مكتبي، لقيت العقيد حازم الشربيني مستنيني، وقدامه ملف جديد.
قال لي:
— «يا نورهان، فريق التحقيق قدر يحدد صاحب الرقم اللي اتكرر في سجلات الاتصال».
قعدت قدامه وقلت:
— «مين؟»
فتح الملف، وطلع صورة لشخص في منتصف الأربعينات، وبعدها قال:
— «اسمه شريف الدمنهوري، مدير العمليات في شركة خاصة بتقدم خدمات أمنية وتقنية. الشركة دي متعاقدة مع إحدى الجهات اللي بتخضع للمراجعة في ملفك المالي».
بصيت للصورة كويس.
الاسم كان مألوفًا، لكني ما كنتش اتعاملت معاه بشكل مباشر قبل كده.
سألت العقيد:
— «هل فيه دليل إنه هو الشخص اللي قابل جاسر؟»
رد:
— «لسه بنراجع تسجيلات الكاميرات، لكن فيه تطابق مبدئي في الملابس وبعض التفاصيل. محتاجين أدلة إضافية قبل ما نثبت هويته».
قلت:
— «طيب، هل الرقم اتصل بجاسر قبل الواقعة مباشرة؟»
العقيد حط ورقة قدامي.
— «السجلات المتاحة بتشير إلى اتصال قبل توقيفك بوقت قصير. وفيه اتصال تاني بين الرقمين قبلها بيومين. لكن محتاجين نعرف مضمون الاتصالات وعلاقتها بالحادث».
بدأت أفهم إن القضية بتكبر، لكني كنت حريصة ما أربطش أي شخص بالحادث لمجرد إنه يعرف جاسر أو شغال في شركة متعاقدة.
قلت للعقيد:
— «لازم نراجع كل حاجة بشكل مستقل، ونشوف إذا كان فيه دليل يثبت إن التعليمات اللي وصلته كانت مرتبطة بيا تحديدًا».
هز رأسه وقال:
— «وده اللي بنعمله».
بعدها بساعتين، وصل تقرير جديد من الفريق الفني.
المفاجأة كانت إن محاولة الوصول إلى الملف العسكري ما كانتش مجرد خطأ تقني عابر. التقرير أكد إن فيه طلبًا غير مصرح به، وإن الحساب المستخدم كان تابعًا لموظف إداري، لكن ما فيش دليل حتى اللحظة إن صاحب الحساب نفسه هو اللي نفذ المحاولة.
كان لازم نعرف مين استخدم الحساب، وهل فيه حد استغل صلاحيات الموظف من غير علمه.
وفي نفس الوقت، ظهرت معلومة جديدة عن شركة شريف الدمنهوري.
الشركة كانت بتراجع حساباتها الداخلية بعد اكتشاف مخالفات مالية في بعض العقود، واسمها ظهر في مجموعة معاملات كنت أنا وفريقي بنفحصها.
لكن لحد اللحظة دي، ما كانش فيه دليل كافي يثبت إن المخالفات مرتبطة بالحادث.
كل اللي كان عندنا مجموعة خيوط محتاجة تتجمع.
وفجأة، دخل أحد أفراد التحقيق وقال:
— «يا فندم، أمين الشرطة مالك الأنصاري طلب يقابل حضرتك. بيقول إن عنده معلومة جديدة».
بصيت للعقيد حازم، فقال:
— «خليه يدخل».
### شهادة مالك اللي غيرت مسار القضية
دخل مالك وهو ماسك دفتر صغير.
كان واضح عليه القلق، لكنه المرة دي كان بيتكلم بثقة أكبر.
قال:
— «يا فندم، افتكرت حاجة مهمة. قبل الحادث بيوم، جاسر طلب مني أبدّل معاه وردية العمل في اليوم التالي».
سألته:
— «وقال لك السبب؟»
رد:
— «قال إن عنده مشوار ضروري، وإنه محتاج يبقى في المنطقة الصحراوية في وقت معين. أنا رفضت أبدّل الوردية في البداية، لكن بعدين وافقت لما زميل تاني قال إنه يقدر يغطي مكاني».
العقيد سأله:
— «هل عندك دليل على الكلام ده؟»
مالك فتح دفتره، وورّاه رسالة قديمة كان محتفظًا بيها على هاتفه، فيها طلب تبديل الوردية وتأكيد الموعد.
ما كانتش الرسالة دليلًا على وجود مؤامرة، لكنها أثبتت إن جاسر رتّب وجوده في المكان مسبقًا، وإن وجوده هناك ما كانش بالضرورة نتيجة تكليف عادي.
مالك كمل:
— «وفيه حاجة تانية. يوم الحادث، بعد ما وقفنا العربية، جاسر طلب مني أفضل بعيد عنه وأنا ما أتكلمش. ولما اعترضت على اللي بيعمله، قال لي بالحرف: ما تبوظش اللي اتفقنا عليه».
سألته:
— «قال اتفقنا عليه مع مين؟»
هز رأسه.
— «ما قالش. وأنا ما سألتوش، لأني كنت خايف من رد فعله».
العقيد دوّن المعلومة، وبعدها قال:
— «هنراجع الرسالة وجدول الورديات، وهنطلب من مالك يحدد كل التفاصيل اللي فاكرها. لكن لازم نعرف إذا كان الاتفاق متعلقًا بتوقيف العربية فعلًا».
بعد ما مالك خرج، بصيت للعقيد وقلت:
— «الجملة دي مهمة، لكنها لوحدها مش كفاية. لازم نعرف مضمون الاتفاق، والطرف التاني، وسبب استهداف العربية».
رد:
— «متفق معاك».
وفي اللحظة دي، وصلنا إخطار إن شريف الدمنهوري وافق يحضر لسماع أقواله بخصوص المعاملات المالية والاتصالات محل المراجعة.
ما كانش متهمًا بشكل نهائي، لكن ظهرت أسئلة تستحق الإجابة.
وكنت عارفة إن مقابلته ممكن تساعدنا نفهم جزءًا من الصورة.
### المواجهة الأولى مع شريف الدمنهوري
دخل شريف غرفة التحقيق مرتديًا بدلة رسمية، وحاول يحافظ على هدوئه.
قعد قدام العقيد حازم، وبدأت الأسئلة.
— «هل تعرف أمين الشرطة جاسر الجندي؟»
رد من غير تردد:
— «أعرفه معرفة سطحية. اتعاملت معاه مرة أو مرتين بسبب إجراءات أمنية في المنطقة».
— «هل اتصلت بيه قبل توقيف عربية الضابطة نورهان الكيلاني؟»
تردد لحظة، ثم قال:
— «ممكن يكون حصل اتصال بخصوص حركة المرور في المنطقة، لكن ما أقدرش أفتكر كل مكالمة».
العقيد عرض عليه سجل الاتصال المتاح، وسأله عن سبب المكالمة.
شريف بص للورقة، وبعدها قال:
— «أنا ما طلبتش من حد يوقف عربية بعينها».
سألته:
— «هل تعرف نورهان الكيلاني؟»




