
رد:
— «ما أعرفهاش بشكل شخصي».
— «هل تعرف إنها كانت بتعمل تحقيقًا في معاملات تخص شركة متعاقدة مع شركتكم؟»
هنا اتغيرت ملامحه قليلًا.
قال:
— «سمعت إن فيه مراجعة لبعض العقود، لكن دي إجراءات عادية. وأنا ما عنديش حاجة أخبيها».
العقيد ما ضغطش عليه باتهامات، لكنه طلب منه يوضح طبيعة علاقته بجاسر، وسبب الاتصالات المتكررة، وأي علاقة محتملة بالورقة اللي ظهرت في تسجيل كاميرا محطة الوقود.
شريف أنكر إنه سلّم جاسر أي تعليمات تخص توقيفي.
ولما عرضوا عليه صورة الشخص اللي ظهر في التسجيل، قال إنه مش قادر يؤكد هويته بسبب ضعف وضوح الصورة.
انتهت المقابلة من غير اعتراف أو دليل حاسم.
لكن بعد خروجه، وصل تقرير إضافي من فريق المراجعة المالية.
التقرير أظهر وجود معاملات مالية غير مبررة بين إحدى الشركات المتعاقدة وشركة وسيطة، وكانت بعض المستندات المرتبطة بها ناقصة.
الأمر احتاج إلى مراجعة حسابات ومراسلات رسمية، وما كانش ممكن نعتبره دليلًا على تورط شريف أو جاسر في الحادث.
لكن العقيد قال لي:
— «دلوقتي عندنا مساران واضحان: التحقيق في واقعة الاعتداء، والتحقيق المالي المنفصل. ولو ظهرت أدلة تربط بينهم، هنتعامل معاها رسميًا».
وافقت، لأن ده كان الطريق الوحيد للوصول لحقيقة يمكن إثباتها.
### الفيديو اللي ما كانش جاسر متوقعه
في اليوم الرابع، استدعاني فريق التحقيق لمشاهدة نسخة أوضح من تسجيل كاميرا محطة الوقود.
بعد تحسين الصورة باستخدام وسائل فنية معتمدة، ظهرت تفاصيل إضافية للشخص اللي قابل جاسر.
ما قدرناش نحدد هويته بشكل نهائي من الصورة وحدها، لكن ظهر بوضوح إنه سلّم جاسر ورقة صغيرة، وإن جاسر احتفظ بيها قبل ما يرجع إلى سيارة الشرطة.
الأهم من كده إن كاميرا تانية، موجودة عند مدخل المحطة، سجلت سيارة الشخص وهو بيغادر المكان.
رقم اللوحة كان ظاهرًا جزئيًا، وبعد مراجعة السجلات الرسمية، تمكن الفريق من تحديد السيارة ومالكها.
كانت السيارة مسجلة باسم شركة خدمات لوجستية متعاقدة مع شركة شريف الدمنهوري.
لكن ده ما كانش كافيًا لإثبات إن شريف نفسه كان موجودًا، أو إن السيارة استُخدمت بتوجيه منه.
طلب العقيد مراجعة سجل استخدام السيارة، وسماع أقوال الشخص المسؤول عنها، ومقارنة وقت وجودها بالمكالمات المسجلة.
وبعد يومين من الفحص، ظهرت الحقيقة الأولى.
الشخص اللي قابل جاسر كان موظفًا في شركة الخدمات اللوجستية اسمه معتز فؤاد.
ولما تم استدعاؤه وسماع أقواله، قال إنه سلّم جاسر ورقة فيها بيانات عن مركبة كان مطلوبًا التحقق من مرورها في المنطقة.
لكن لما سألوه مين أصدر التعليمات، قال إن الطلب وصله من مسؤول إداري، وإنه ما كانش يعرف إن الموضوع هيتحول إلى توقيف عنيف أو تدمير للعربية.
طلب منه فريق التحقيق تقديم المراسلات اللي عنده، وخضع هاتفه للفحص وفق الإجراءات القانونية.
وبعد مراجعة الرسائل، ظهرت رسالة من رقم تابع لأحد المسؤولين في الشركة، بتطلب منه التأكد من مرور سيارة معينة في الطريق الصحراوي.
لكن الرسالة ما كانتش بتطلب الاعتداء على سائقتها، ولا بتدي أي مبرر لاستخدام القوة.
وده كان فارقًا مهمًا في التحقيق.
لأن معرفة شخص بمرور سيارة في مكان ما لا تثبت وحدها إنه شارك في جريمة، ولا تثبت إنه كان يعرف هوية سائقتها أو طبيعة المهمة اللي بتقوم بيها.
فضل السؤال الأساسي قائمًا: ليه كانت العربية محل اهتمام من الأساس؟
### اللحظة اللي اتكشف فيها تجاوز جاسر
في اليوم السادس، اكتمل جزء مهم من التحقيق في واقعة الطريق.
الفيديو اللي صورته رحمة كان واضحًا، وتسجيل كاميرا الدورية دعم جزءًا من أقوال مالك، وتقارير الفحص أثبتت حجم الضرر اللي أصاب العربية.
كمان، ما ظهرش أي دليل يثبت إنني ارتكبت مخالفة تبرر الطريقة اللي اتعامل بيها جاسر معايا.
وفي المقابل، كانت هناك أدلة مصورة على استخدامه القوة، وتحطيمه ممتلكات، وتهديده لرحمة بسبب تصويرها للواقعة.
تم إيقاف جاسر عن مباشرة مهامه مؤقتًا لحين انتهاء التحقيقات، واتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
أما مالك، فتم الاستماع إلى شهادته بالتفصيل، ومراجعة تصرفاته خلال الواقعة، بما فيها محاولته الاعتراض على شريكه والإبلاغ عن اللي حصل.
لما قابلت العقيد حازم بعد صدور التقرير الأولي، قال لي:
— «يا نورهان، التحقيق أثبت إن فيه تجاوزات واضحة في طريقة توقيفك، وإن رواية جاسر عن الواقعة ما كانتش متوافقة مع التسجيلات».
سألته:
— «والاتصال المجهول؟»
رد:
— «لسه بنراجع علاقته بالواقعة. فيه أدلة على وجود اتصالات سابقة، لكن ما زال محتاجين نثبت مين أصدر التعليمات، وهل كان الهدف مجرد التحقق من مرور السيارة، ولا كان فيه غرض تاني».
ما كنتش راضية أعتبر القضية انتهت قبل ما نعرف الإجابة، لكن كان مهمًا إن الجزء اللي يخص الاعتداء بدأ يتوثق بالأدلة.
رحمة كمان كانت بطلة في الحكاية دي.
لولا إنها رفعت موبايلها وصورت اللي حصل، كان ممكن تفاصيل كتير تضيع وسط روايات متعارضة.
لما قابلتها، شكرتها على شجاعتها.
قالت لي:
— «أنا خفت، والله. لما شفته بيهددني بالسلاح، فكرت إني ممكن أكون أنا كمان في خطر. لكن ما قدرتش أسيبك لوحدك».
مسكت إيديها وقلت:
— «إنتِ ما كنتيش مطالبة تعرّضي نفسك للخطر، لكن شهادتك وتسجيلك ساعدوا إن الحقيقة ما تضيعش».
ابتسمت وقالت:
— «أنا كل اللي كنت عايزاه إن محدش يفتكر إن البدلة أو السلاح بيدّوا صاحبهم الحق إنه يعمل أي حاجة».
الكلام ده فضل في ذهني فترة طويلة.
لأنها، رغم إنها ما كانتش ضابطة ولا محققة، فهمت معنى المسؤولية أكتر من الشخص اللي كان واقف قدامنا بالسلاح.
### الحقيقة الكاملة وراء المهمة
بعد أسابيع من المراجعة، اكتمل جزء كبير من التحقيق المالي والعسكري.
النتائج أثبتت وجود مخالفات في بعض المعاملات، وبدأت الجهات المختصة إجراءات منفصلة لمراجعة العقود والتحويلات المالية.
أما محاولة الوصول إلى الملف العسكري، فقد كشفت مراجعة السجلات إن حساب موظف إداري استُخدم بطريقة غير مصرح بها، لكن الأدلة لم تثبت أن الموظف نفسه تعمد تسريب المعلومات.
تم توسيع التحقيق لمعرفة من استخدم الحساب، وكيف وصلت بيانات مرور السيارة إلى الأشخاص اللي كانوا بيتابعوها.
وفيما يخص شريف الدمنهوري، أظهرت المراجعة وجود صلات إدارية بين شركته وبعض المعاملات محل الفحص، لكن مجرد الصلات دي ما كانتش كافية لإثبات مسؤوليته عن حادث الطريق.
وبعد استكمال الإجراءات، لم يُعتمد أي استنتاج نهائي بشأن ارتباطه بالاعتداء من غير دليل مباشر.
أما جاسر، فكان موقفه مختلفًا.
لأن الأدلة الخاصة بتصرفاته هو كانت واضحة: تسجيلات مصورة، وشهادة مالك، وشهادة رحمة، وتقارير فنية عن الأضرار والإصابات.
لم يعد بإمكانه الاعتماد على روايته وحدها لتبرير ما فعله.
وبعد انتهاء الإجراءات والتحقيقات المختصة، واجه العواقب القانونية والإدارية المترتبة على التجاوزات التي ثبتت في حقه.
لم يكن منصبه كافيًا لحمايته من المساءلة، ولم يكن من حقه أن يستخدم سلطته لإهانة إنسان أو تهديده أو تدمير ممتلكاته.
وبالنسبة لي، رجعت لمهمتي بعد ما اطمأننت على سلامتي، وبعد ما استكمل الفريق المختص تأمين معدات الاتصال وفحص البيانات.
العربية احتاجت إصلاحات كبيرة، لكن الضرر الحقيقي اللي كنت خايفة منه كان احتمال وصول أي شخص إلى معلومات سرية.
ولحسن الحظ، لم يثبت في الفحص النهائي أن محتويات الملف العسكري قد سُرّبت نتيجة الواقعة.
كان ده أهم خبر بالنسبة لي.
لأن العربية، مهما كان تمنها، ممكن تتصلح أو تتبدل.
لكن المعلومات الحساسة، لو خرجت من مكانها، ممكن تعرّض ناس كتير للخطر.
### النهاية: العدالة مش محتاجة تعرف إنت مين
بعد فترة، كنت راجعة من مقر التحقيق، وعديت من نفس الطريق اللي اتوقفت عليه.
بصيت للمكان اللي حصلت فيه الواقعة، وافتكرت اللحظات اللي كنت فيها على الأرض، وإيديا متكبلة، وجاسر بيصرخ في وشي، وأنا بطلب منه يراجع هويتي.
افتكرت كمان رحمة وهي واقفة وبتصور رغم خوفها، ومالك وهو بيقرر إنه ما يسكتش عن اللي شافه.
ساعتها فهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد موقف شخصي.
كان اختبارًا لمعنى السلطة، ومعنى الشجاعة، ومعنى إن الإنسان يعمل الصح حتى لما يكون أسهل له إنه يسكت.
أنا ما كنتش محتاجة أقول لجاسر إني ضابطة كبيرة عشان أستحق المعاملة باحترام.
ولا كان لازم يعرف قيمة عربيتي عشان يحافظ عليها.
ولا كان من حقه يهدد رحمة لأنها قررت توثق اللي بيحصل.
القانون مش موجود عشان يحمي أصحاب المناصب بس؛ القانون موجود عشان يحمي الجميع، وخصوصًا الشخص اللي ما عندوش قوة أو نفوذ يدافع بيهم عن نفسه.
أما مالك، ففضلت شهادته بالنسبة لي دليلًا على إن الشجاعة مش دايمًا بتكون في مواجهة مجرم خطير أو حمل سلاح.
أحيانًا الشجاعة الحقيقية إنك ترفض تشارك في الغلط، حتى لو الشخص اللي قدامك زميلك، أو رئيسك، أو حد قادر يسبب لك مشاكل في شغلك.
ورحمة أثبتت إن موبايل صغير في إيد إنسانة عادية ممكن يساعد في كشف الحقيقة، لما تستخدمه بمسؤولية وتقدم اللي سجلته للجهات المختصة.
أما أنا، فخرجت من التجربة دي بدرس مش هنساه أبدًا.
ما تحكمش على إنسان من لون بشرته، أو شكل عربيته، أو ملابسه، أو منصبه. وما تسمحش لحد يقنعك إن السلطة بتدي صاحبها الحق إنه يهين غيره.
لأن اللحظة اللي بيعتقد فيها الشخص إنه فوق الحساب، ممكن تكون هي نفسها اللحظة اللي تبدأ فيها محاسبته.
وفي النهاية، ما كانش أهم شيء إن جاسر اكتشف إني ضابطة تحقيقات عسكرية.
الأهم إنه اتعلم، بالطريقة الصعبة، إن كل إنسان يستحق الاحترام، وإن كل تجاوز له عواقب، وإن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها لما تتوثق بالأدلة، بيبقى من الصعب دفنها.
أنا نورهان الكيلاني، ودي كانت حكايتي مع الضابط اللي افتكر إن مظهر الإنسان يحدد قيمته، وإن سلطته تقدر تسكّت أي حد. لكنه اكتشف في النهاية إن اللي بيحمي الحق مش المنصب، ولا المال، ولا القوة… اللي بيحميه هو الدليل، والضمير، والإصرار على إن محدش يبقى فوق القانون.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




