منوعات

الجزء الثاني والاخير

### الجزء الثاني: الحقيقة اللي خمس سنين

في صباح اليوم التالي، فارس الكيلاني ركب عربيته واتجه ناحية البيت اللي نهى عايشة فيه مع ولاديها التوأم.

طول الطريق، كان بيحاول يرتب الأسئلة اللي هيسألها، لكن كل ما يفتكر عيون الولدين وهما واقفين قدام واجهة المخبز، كان بيحس إن فيه حاجة جواه بتتكسّر.

هو رجل أعمال قدر يبني إمبراطورية من الصفر، واتعامل مع صفقات بملايين الجنيهات، لكن ما قدرش يفهم أبسط حاجة في حياته الشخصية.

هل آدم وياسين ولاده فعلًا؟

وليه نهى ما قالتلوش؟

ولما وصل، لقى باب الشقة مفتوحًا جزئيًا، وسمع صوت ضحك أطفال جاي من الداخل.

خبط خبطتين خفيفتين.

نهى فتحت الباب، ولما شافته، وسّعت له الطريق من غير ما تبتسم.

«اتفضل.»

دخل فارس، ولاحظ إن الشقة صغيرة وبسيطة، لكنها مرتبة بعناية. على الحيطة كانت فيه رسومات للأطفال، وعلى الترابيزة كراسات وألوان، وبجانب الشباك رف صغير عليه كتب عن الفضاء والكواكب.

كان آدم قاعد على الأرض بيركب صاروخًا من قطع الألعاب، بينما ياسين كان بيحاول يرسم كوكب المشتري.

أول ما فارس دخل، الولدين رفعوا رؤوسهم وبصوا له بفضول.

آدم سأل أمه:

«ماما، هو عمو ده صاحبك؟»

نهى بصت لفارس، وبعدها ردت:

«ده شخص كنت أعرفه من زمان يا حبيبي.»

الكلمات وجعت فارس أكتر مما توقع.

شخص كانت تعرفه من زمان!

ده كان جوزها، والراجل اللي عاش معاها سنين، واللي كان المفروض يشاركها كل لحظة في حياة الولدين لو كانوا فعلًا أولاده.

فارس حاول يبتسم للطفلين، لكنه ما عرفش يقول إيه.

ياسين قرب منه وهو ماسك رسمة.

«بص يا عمو، أنا رسمت صاروخ هيوصل للمريخ.»

فارس انحنى لمستواه، وبص للرسمة باهتمام.

«رسمتك حلوة أوي يا بطل. إنت بتحب الفضاء؟»

الولد هز رأسه بحماس.

«آه، ولما أكبر هبقى عالم فضاء. وآدم هيبقى مهندس ويبني لي الصاروخ.»

ضحك آدم وقال:

«بس لازم هو اللي يدفع تمنه!»

ضحك الولدان، لكن فارس ما قدرش يضحك معاهم.

كان بيتخيل نفسه مكان أبوهما في اللحظة دي، بيتخيل لو كان موجودًا من يوم ولادتهما، كان ممكن يعلمهما حاجات كتير، وياخدهما في رحلات، ويكون أول شخص يسمع أحلامهما.

لكنه ما كانش موجودًا.

وما كانش حتى يعرف إنهما موجودان.

نهى لاحظت شروده، فقالت للولدين:

«يلا يا حبايبي، ادخلوا أوضتكم شوية. أنا عايزة أتكلم مع عمو فارس.»

آدم بص له مرة أخيرة، وبعدها مسك إيد أخوه ودخل معاه.

أول ما الباب اتقفل، فارس استدار ناحية نهى وقال بصوت حاول يخليه هاديًا:

«أنا عايز إجابة واضحة. الولدين دول ولادي؟»

نهى ما ردتش فورًا.

راحت ناحية المطبخ، جابت ملفًا بنيًا من درج صغير، وحطته قدامه على الترابيزة.

«قبل ما أجاوبك، لازم تشوف ده.»

فتح فارس الملف، فلقى صورًا من أوراق المستشفى، وشهادة ميلاد للولدين، وتقارير طبية قديمة.

لكن أول ورقة شدت انتباهه كانت نسخة من سجل الولادة.

قرأ الاسم المكتوب في خانة الأب.

فارس الكيلاني.

إيده بدأت ترتعش.

رفع عينيه ناحية نهى، وسألها بصوت مبحوح:

«يعني… دول ولادي فعلًا؟»

نهى ردت وهي بتحاول تمنع دموعها:

«أيوه يا فارس. آدم وياسين ولادك.»

حس فارس إن نفسه اتسحب من صدره.

قعد على الكرسي ببطء، وفضل باصص لشهادتي الميلاد كأنه مش قادر يستوعب اللي بيقرأه.

وبعد لحظات، رفع رأسه وقال:

«ليه يا نهى؟ ليه ما قولتيليش؟ أنا كنت فين من كل ده؟»

ضحكت نهى ضحكة قصيرة مليانة وجع.

«إنت بتسألني أنا كنت فين؟ أنا اللي كنت بدوّر عليك، يا فارس!»

اتسمر مكانه.

نهى فتحت درجًا تاني، وطلعت منه مجموعة كبيرة من الخطابات القديمة.

كانت الخطابات مربوطة بشريط أزرق، وبعضها رجع لأصحابه من غير ما يتفتح، وعليها علامات بريدية بتوضح إنها ما وصلتش للعنوان المقصود.

حطتهم قدامه وقالت:

«دي خطابات كتبتها لك وأنا حامل. ودي خطابات تانية بعد ما الولدين اتولدوا. وفيه كمان إيصالات إرسال وإشعارات رجوع.»

فارس بدأ يقلب الخطابات بسرعة.

كل خطاب كان مكتوبًا عليه اسمه وعنوان شركته القديمة.

وبعضها كان عليه عبارة: «تعذر التسليم».

لكنه لاحظ حاجة غريبة.

العنوان المكتوب على عدد من الخطابات كان صحيحًا، ومع ذلك رجعت كلها.

أما بعض الخطابات الأخرى، فكان عليها ختم استلام باسم شخص يعرفه جيدًا.

محمود الكيلاني… أخوه الأكبر!

فارس رفع رأسه فجأة.

«محمود؟ إيه علاقة محمود بالموضوع؟»

نهى سكتت، وبعدها سحبت ورقة من الملف.

«أنا ما كنتش أعرف في البداية. بعد طلاقنا، حاولت أوصلك أكتر من مرة. لكن كل مرة كنت باتصل بالشركة، كانوا بيقولوا لي إنك مشغول أو مسافر. ولما كنت ببعت خطابات، ما كانش أي رد بيجي لي.»

وقفت لحظة، ومسحت دمعة نزلت على خدها.

«بعد ولادة الولدين، حالتهم الصحية كانت صعبة. كانوا محتاجين متابعة وعلاج، وأنا كنت لوحدي تقريبًا. حاولت أطلب مساعدتك، مش عشان فلوسك، لكن لأنك أبوهم ومن حقك تعرف.»

فارس ضغط على الورقة اللي في إيده.

«وبعدين؟»

نهى بصت له مباشرة.

«بعد شهور، اتصلت بمكتبك القديم. المرة دي، محمود نفسه رد عليّ.»

فارس حس ببرودة تسري في جسمه.

«قال لك إيه؟»

«قال لي إنك عارف إني كنت حامل، لكنك مش عايز أي علاقة بيا أو بالأطفال. وقال لي إنك شايف إن وجودهم هيعطّل حياتك الجديدة وشغلك.»

فارس قام من مكانه بعنف لدرجة إن الكرسي اتحرك لورا.

«مستحيل! أنا عمري ما قلت الكلام ده!»

نهى ردت بحزن:

«أنا صدقته في البداية. كنت لسه خارجة من طلاق صعب، وكنت فاكرة إنك فعلًا اخترت شركتك على عيلتك. لكن بعد فترة، بدأت أشك.»

«ليه؟»

«لأن فيه حاجات ما كانتش منطقية. محمود كان يعرف تفاصيل عن ولادة الولدين، رغم إنه قال لي إنه ما يعرفش عنهم حاجة. وكان بيطلب مني ما اتصلش بيك تاني، بحجة إنه بيحاول يحميني من الإهانة.»

فارس مرر إيده على وجهه.

أخوه محمود كان أقرب شخص ليه في الشركة، والشخص اللي ائتمنه على إدارة جزء كبير من أعماله خلال سنوات انشغاله.

كان هو اللي بيتابع المراسلات المهمة، وبيتعامل مع المحامين، وبيشرف على بعض الملفات الخاصة.

لكن ليه يعمل كده؟

وليه يخفي عنه ولاده؟

قبل ما فارس يقدر يسأل سؤالًا جديدًا، نهى سحبت ورقة أخرى من الملف.

كانت نسخة من سجل المستشفى الأصلي، وعليها ملاحظة مكتوبة بخط اليد.

«أنا ما اكتشفتش كل الحقيقة غير من حوالي شهرين، لما احتجت نسخة جديدة من الملف الطبي الخاص بالولدين.»

فارس بص للورقة.

كان فيه اختلاف واضح بين النسخة القديمة والنسخة الجديدة في تاريخ تسجيل بيانات الأب، كما أن بعض البيانات كانت مطبوعة فوق بيانات أخرى بطريقة مريبة.

نهى أشارت إلى جزء محدد.

«الموظفة اللي ساعدتني لاحظت إن فيه تعديل اتعمل على السجل بعد الولادة بفترة. ولما سألت عن السبب، قالوا إن الملف اتنقل للأرشيف القديم، وإن بعض الأوراق الأصلية مش موجودة.»

فارس قرب الورقة من عينيه.

«مين اللي طلب التعديل؟»

نهى هزت رأسها.

«ما عرفناش. لكن الموظفة قالت إن فيه طلبًا إداريًا اتقدم باسم شخص من خارج المستشفى، وكان معاه تفويض من جهة قانونية.»

فارس حس إن الصورة بدأت تتضح، لكن جزءًا منها كان لسه غامضًا.

نهى أخرجت آخر ورقة من الملف.

كانت صورة باهتة لوثيقة إدارية قديمة، وفي أسفلها توقيع واضح.

فارس عرف التوقيع من أول نظرة.

ما كانش توقيع محمود.

وما كانش توقيع أي محامٍ من محامي الشركة.

كان توقيع شخص آخر، شخص قريب جدًا منه، وبيثق فيه ثقة عمياء.

والده، الحاج عادل الكيلاني، اللي كان متوفي من سنتين!

فارس فضل باصص للتوقيع، عاجزًا عن الكلام.

همس:

«أبويا؟ إزاي؟ الورقة دي بتقول إن أبويا طلب تعديل السجل؟»

نهى ردت بهدوء:

«أنا مش بقول إن والدك هو اللي عمل التعديل بنفسه. أنا بقول إن اسمه موجود في المستند، وإن فيه حد استخدمه عشان يخفي الحقيقة.»

فارس رجع قعد، وحط الورقة على الترابيزة.

والده كان راجل صارم، لكنه طول عمره كان بيتكلم عن أهمية العيلة، وكان دايمًا يقول إن اسم الكيلاني لازم يفضل قوي مهما حصل.

هل كان ممكن يكون عارف بوجود حفيدين، ويقرر يخفيهما عنه؟

ولا حد استغل اسمه ونفوذه؟

فجأة، سمعوا صوت آدم من ورا باب الأوضة.

«ماما، هو عمو فارس هيمشي؟»

نهى بصت ناحية الباب، وبعدها بصت لفارس.

السؤال البسيط ده كان أصعب من كل الأسئلة اللي سمعها في حياته.

لأنه لأول مرة فهم إن الحقيقة مش مجرد ورق وخطابات وسجلات مستشفى.

الحقيقة إن فيه طفلين عاشوا أربع سنين من غير أب، وإنه مهما كان السبب، مش هيقدر يرجع لهم الوقت اللي ضاع.

قام فارس بهدوء، وراح ناحية باب الأوضة.

فتح الباب، ولقى آدم وياسين قاعدين جنب بعض، وكل واحد ماسك لعبته.

بص لهم وقال:

«أنا مش همشي دلوقتي يا أبطال. لو ماما موافقة، ممكن نقعد شوية ونتكلم عن الكواكب والصواريخ؟»

الولدان بصوا لأمهم، ونهى هزت رأسها بالموافقة.

قعد فارس على الأرض معاهم، ولأول مرة من سنين، نسي مواعيده واجتماعاته وصفقاته.

لكن بعد ما الولدين انشغلوا برسوماتهم، رجع فارس لنهى وقال بصوت حاسم:

«أنا هعرف مين اللي عمل كده. مش هسيب حد يسرق من ولادي سنين تانية.»

نهى ردت بحذر:

«أنا مش عايزاك تدخل حياتهم وتختفي تاني لما تكتشف إن الموضوع أصعب مما تتخيل. هما مش ورقة في نزاع عائلي يا فارس.»

بصلها طويلًا، وبعدها قال:

«عندك حق. أنا مش هطلب منك تثقي فيّ لمجرد إني أبوهم. هثبت لك ده بأفعالي.»

وقبل ما يغادر الشقة، طلب منها نسخة من المستندات، ووعدها إنه مش هيتخذ أي خطوة تخص الولدين من غير ما يتكلم معاها الأول.

في المساء، رجع فارس إلى مكتبه، وطلب من فريقه القانوني مراجعة كل الأوراق القديمة المتعلقة بطلاقه، ومراسلات الشركة، وأي مستندات مرتبطة بمستشفى الولادة.

وبعد ساعات من البحث، وصلته رسالة من المحامي.

كانت الرسالة قصيرة، لكن محتواها خلّى فارس يقرأها ثلاث مرات.

«أستاذ فارس، لقينا سجلًا إلكترونيًا قديمًا يثبت إن طلب تعديل بيانات المستشفى اتبعت من مكتب المحاماة اللي كان بيمثل العائلة وقت الطلاق. والأهم من كده، إن الشخص اللي وقّع على استلام النسخة المعدلة كان حاضرًا بنفسه يوم ولادة التوأم.»

فارس مسك التليفون واتصل بالمحامي فورًا.

«مين الشخص ده؟»

جاله الرد بعد لحظات من الصمت:

«اسمه موجود في السجل يا فندم… لكنه مش محمود الكيلاني.»

فارس حس إن قلبه بيدق بعنف.

«أمال مين؟»

المحامي قال الاسم.

وفي اللحظة دي، فارس فهم إن محمود ربما ما كانش الشخص الوحيد اللي خبّى عنه الحقيقة.

لأن الشخص اللي استلم السجل المعدل كان أقرب إنسان إلى قلبه بعد وفاة والده… الشخص اللي وقف جنبه في أصعب أيام حياته، واللي كان دائمًا بيقول له إنه مستعد يضحي بأي شيء عشان مصلحة العائلة.

والأخطر إن الشخص ده كان لسه موجودًا في حياته، وبيشوفه بانتظام، وكأنه ما ارتكبش أي خطأ.

يتبع في الجزء الثالث… 👇
### الجزء الثالث: الشخص اللي سرق منه ولاده كان عايش في بيته!

فارس الكيلاني ما قدرش ينام الليلة دي.

فضل قاعد في مكتبه لحد بعد منتصف الليل، قدامه صور المستندات اللي المحامي بعتهاله، وفي دماغه سؤال واحد مش قادر يلاقي له إجابة:

مين الشخص اللي استلم سجل المستشفى المعدّل يوم ولادة آدم وياسين؟

المحامي كان قال له الاسم بوضوح، لكن فارس طلب منه يتأكد مرة تانية قبل ما يصدق اللي سمعه.

وفي صباح اليوم التالي، وصلته نسخة مصوّرة من السجل الأصلي، ومعاها صورة من بطاقة الهوية اللي اتقدمت وقت استلام الملف.

فتح فارس المستند.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى