
وبمجرد ما شاف الاسم، حس إن قلبه وقف للحظة.
سامي الشاذلي.
مدير أعمال والده السابق، والرجل اللي كان مسؤولًا عن متابعة الشؤون القانونية والمالية للعائلة لسنين طويلة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في اسمه وحده.
سامي ما كانش مجرد موظف قديم في حياة عائلة الكيلاني.
بعد وفاة والد فارس، بقى مستشارًا موثوقًا للعائلة، وكان بيحضر اجتماعاتها الخاصة، وبيساعد فارس في اتخاذ قرارات مهمة تخص الشركة والميراث.
وكان فارس بيعتبره بمثابة عم ليه، خصوصًا إنه وقف جنبه في فترة انهيار والده الصحي، وساعده في إدارة الشركة وقت ما كان مشغولًا بالمستشفى.
إزاي شخص بالمكانة دي يكون له علاقة بإخفاء ولاده عنه؟
وليه؟
فارس اتصل بالمحامي وسأله:
«إنت متأكد إن سامي هو اللي استلم السجل؟»
رد المحامي:
«الاسم مطابق، والتوقيع مطابق للتوقيع الموجود في مستندات الشركة. لكن ده لوحده مش دليل إنه هو اللي طلب التعديل أو إنه كان يعرف كل التفاصيل. لازم نراجع الملف كامل.»
فارس سكت لحظات، وبعدها قال:
«عايزك تتواصل مع إدارة المستشفى بشكل رسمي. مش عايز اتهامات من غير دليل. عايز أعرف مين طلب التعديل، ومين وافق عليه، وإيه اللي اتغير بالضبط.»
قفل المكالمة، وفضل باصص من شباك مكتبه.
كان قدامه اختيار صعب.
لو واجه سامي دلوقتي، ممكن يخليه يتصرف بسرعة ويدفن أي دليل باقي.
ولو سكت، ممكن يضيّع فرصة معرفة الحقيقة.
قرر إنه يبدأ بمراجعة الأوراق بنفسه.
وبعد ساعات، ظهرت أول معلومة مهمة.
سجل المستشفى الأصلي كان بيشير إلى إن نهى وصلت المستشفى في حالة ولادة مبكرة، وإنها طلبت الاتصال بفارس على رقم شركته المسجل في ملفها.
لكن بعد يومين من الولادة، اتضافت ملاحظة جديدة للملف، بتقول إن التواصل مع الأب غير مطلوب بناءً على طلب الأسرة.
الملاحظة ما كانش عليها توقيع نهى.
ولا توقيع الطبيب المسؤول عن الولادة.
كان عليها توقيع إداري، ومعاه رقم تفويض صادر عن مكتب المحاماة اللي كان بيتعامل مع عائلة الكيلاني.
فارس قرأ الملاحظة مرة ورا التانية.
«بناءً على طلب الأسرة!»
أي أسرة؟
نهى كانت لوحدها تقريبًا وقت الولادة، وأهلها كانوا بعيدين عنها، ومحمود ما كانش له أي صفة قانونية تخليه يقرر حاجة تخص أطفالها.
مين كان عنده السلطة إنه يمنع المستشفى من التواصل مع الأب؟
وفي نفس الوقت، وصلته رسالة من مساعده بتأكد إن سامي كان في الإسكندرية في نفس الأسبوع اللي اتولد فيه التوأم، رغم إنه كان المفروض وقتها في رحلة عمل خارج مصر.
التفصيلة دي خلت الشك يزيد، لكنها ما كانتش كفاية عشان يتهمه.
فارس طلب من مساعده يحجز له موعدًا مع سامي في مكتبه، من غير ما يوضح السبب.
وبعد ظهر اليوم نفسه، دخل سامي المكتب بابتسامته المعتادة، لابس بدلته الرمادية، وماسك ملفًا من ملفات الشركة.
«خير يا فارس؟ المساعد قال لي إنك محتاجني في موضوع مهم.»
فارس أشار له بالجلوس.
«فيه موضوع قديم محتاج أفهمه. موضوع يخص طلاقي من نهى وولادي.»
الابتسامة اختفت تدريجيًا من على وجه سامي.
لكنه حاول يتماسك.
«ولادك؟»
فارس فتح درج مكتبه، وطلع صورة من سجل المستشفى، وحطها قدامه.
«آدم وياسين. التوأم اللي اتولدوا بعد طلاقي من نهى. أنا عرفت بوجودهم من أيام قليلة.»
سامي فضل ساكت.
ثوانٍ طويلة مرت من غير ما ينطق.
وبعدين قال:
«أنا آسف إنك عرفت بالطريقة دي.»
الجملة دي كانت كافية تخلي فارس يميل لقدام.
«إنت كنت تعرف؟»
سامي حرك عينيه ناحية الورقة، وبعدها رجع بص لفارس.
«أنا كنت أعرف إن نهى كانت حامل وقتها. لكن ما كنتش أعرف كل التفاصيل اللي حصلت بعد كده.»
فارس ضرب بإيده على المكتب.
«يعني إنت كنت عارف إنها حامل، وعارف إن فيه أطفال ممكن يكونوا أولادي، وسكت خمس سنين؟!»
سامي رفع إيده في محاولة لتهدئته.
«اسمعني للآخر يا فارس. الموضوع ما كانش بالبساطة اللي إنت متخيلها.»
«أمال كان إزاي؟!»
سامي أخد نفسًا طويلًا، وقال:
«والدك كان عارف إن زواجك من نهى انتهى بطريقة صعبة، وكان خايف إن أي خلاف جديد يأثر على الشركة وعلى سمعة العائلة. وقتها، كان فيه نزاع كبير بينه وبين بعض الشركاء، وكان شايف إنك محتاج تركز في شغلك بعيدًا عن المشاكل الشخصية.»
فارس بص له بعدم تصديق.
«وإيه علاقة ده بأولادي؟»
سامي نزل عينيه.
«لما عرفت إن نهى ولدت توأم، حاولت أتأكد من الموضوع. وبعدها والدك طلب مني أتابع المسألة من الناحية القانونية.»
«يعني أبويا كان عارف إن عنده حفيدين؟»
سامي ما ردش مباشرة.
والصمت ده كان أقسى من أي اعتراف.
فارس قام من مكانه، وبدأ يمشي في المكتب ذهابًا وإيابًا.
«أنا مش مصدق! أبويا كان عارف؟ وإنتوا قررتوا تخبوا عني أولادي؟»
سامي حاول يبرر:
«أنا ما كنتش صاحب القرار يا فارس. أنا كنت بنفذ تعليمات.»
فارس استدار ناحيته.
«تعليمات مين؟»
سامي سكت.
«أنا سألتك سؤالًا واضحًا. مين اللي طلب منك تخفي الموضوع؟»
سامي قال أخيرًا:
«والدك هو اللي طلب مني ما أوصلش أي معلومات ليك وقتها.»
فارس حس بغضب شديد، لكنه حاول يسيطر على نفسه.
«طب وإيه حكاية تعديل سجل المستشفى؟ إنت اللي استلمته؟»
سامي بص للورقة، وبعدها هز رأسه ببطء.
«أيوه، أنا استلمت نسخة من الملف. لكن ما طلبتش تغيير اسم الأب، وما عنديش علم إن حد غيّر البيانات بالطريقة دي.»
«أمال ليه استلمت الملف؟»
سامي اتردد، وبعدها قال:
«عشان أتأكد إن بيانات الأطفال صحيحة، وإن فيه وسيلة قانونية للتواصل مع والدهم لو حصلت مشكلة طبية خطيرة.»
فارس ضحك بمرارة.
«وسيلة للتواصل؟! إنتوا أخفيتوا عني وجودهم خمس سنين، وبتقول لي كنتوا بتجهزوا وسيلة للتواصل؟»
سامي ما لاقاش ردًا.
فارس أشار ناحية الباب.
«أنا محتاجك تمشي دلوقتي. ومن اللحظة دي، أي كلام بينا في الموضوع ده هيكون عن طريق المحامي.»
سامي وقف، ولمّ أوراقه ببطء.
وقبل ما يخرج، استدار وقال:
«فارس، أنا عارف إنك شايفني خنتك، لكن فيه حاجة لازم تعرفها. والدك ما كانش الشخص الوحيد اللي كان خايف من ظهور الولاد وقتها.»
فارس اتجمد مكانه.
«تقصد إيه؟»
سامي بص له بقلق.
«اسأل أخوك محمود عن التحويلات المالية اللي حصلت في الشهر اللي اتولد فيه التوأم. ولو قدرت توصل للمستند الأصلي اللي وقّع عليه، هتفهم ليه كل اللي حصل ما كانش مجرد قرار عائلي.»
وبعدها خرج وأغلق الباب خلفه.
فارس فضل واقفًا مكانه، وعقله بيحاول يربط كل الخيوط.
والده كان يعرف.
سامي استلم السجل.
ومحمود، أخوه الأكبر، كان له علاقة بالخطابات اللي ما وصلتش.
لكن إيه علاقة التحويلات المالية بكل ده؟
وليه سامي بيقول إن محمود عنده مستند ممكن يكشف الحقيقة؟
في المساء، رجع فارس البيت، وطلب من مدير حساباته مراجعة التحويلات المالية القديمة الخاصة بالشركة والعائلة، وتحديدًا التحويلات اللي حصلت في الفترة اللي اتولد فيها آدم وياسين.
بعد ساعتين، وصلته قائمة فيها ست معاملات مالية، اتنفذت خلال أقل من عشرة أيام.
كلها كانت بمبالغ كبيرة، وكلها اتوجهت إلى حسابات مرتبطة بمكتب المحاماة القديم.
لكن واحدة من المعاملات كانت مختلفة.
المبلغ اتسحب من حساب خاص كان والده بيستخدمه لإدارة بعض الممتلكات العائلية، وبعدها اتوزع على حسابين.
الأول تابع لمكتب المحاماة.
أما الثاني، فكان باسم شركة استشارات صغيرة، اتأسست قبل التحويل بشهر واحد فقط.
والشخص المخوّل بالتوقيع عنها كان محمود الكيلاني.
فارس حس إن الصورة بدأت تكتمل، لكنه كان محتاج دليلًا يوضح سبب التحويلات.
اتصل بأخوه.
«محمود، عايز أشوفك بكرة. فيه موضوع مهم يخص العائلة.»
محمود رد بصوت طبيعي:
«خير؟ حصل إيه؟»
فارس قال:
«مش هقدر أشرح في التليفون. تعالى المكتب الساعة عشرة.»
محمود وافق، من غير ما يسأل أسئلة إضافية.
لكن بعد ما المكالمة انتهت، فارس لاحظ إن فيه رسالة جديدة وصلت من المحامي.
كانت صورة لخطاب قديم، اتوجد في أرشيف مكتب المحاماة.
الخطاب مكتوب من والد فارس قبل وفاته بسنين، وموجّه إلى محمود.
وفي آخره، كانت فيه جملة واحدة متسطرة بالقلم الأحمر:
«لو فارس عرف الحقيقة، لازم تتأكد إن الموضوع ما يتحولش إلى فضيحة تدمر مستقبل العائلة.»
فارس قرأ الجملة مرات عديدة.
هل كان والده بيحاول يحميه فعلًا؟
ولا كان بيحاول يحمي شخصًا آخر من العواقب؟
وفي أسفل الخطاب، ظهرت ملاحظة بخط مختلف، بتشير إلى مستند مرفق لم يكن موجودًا في الأرشيف.
مستند يحمل عنوانًا واحدًا:
«اتفاق تسوية نهائي — نهى منصور».
فارس ما كانش يعرف إن الاتفاق ده موجود أصلًا.
ولو نهى وقّعت فعلًا على تسوية، فهل كان فيه مقابل مادي لإبعادها عن حياة العائلة؟
وهل كانت تعرف إن فارس ما وصلوش أي خطاب من خطاباتها؟
في اللحظة دي، مسك تليفونه واتصل بنهى.
ردت بعد رنات قليلة.
«ألو؟»
قال فارس بسرعة:
«نهى، محتاج أسألك سؤالًا مهمًا. هل في يوم من الأيام، حد من عيلتي عرض عليك فلوس مقابل إنك ما تتواصليش معايا تاني؟»
ساد الصمت على الطرف الآخر.
صمت طويل جدًا.
وبعدين سمع صوت نهى وهي بتاخد نفسًا عميقًا.
«أيوه يا فارس. حصل.»
فارس قعد على أقرب كرسي.
«مين؟»
نهى ردت بصوت متأثر:
«أخوك محمود هو اللي جه لي بعد ولادة الولدين. لكنه ما جاش لوحده. كان معاه محامي، ومعاه ورقة قال لي إنها مجرد اتفاق عشان يضمنوا إن محدش يتدخل في حياتي.»
فارس حس إن الدم انسحب من وجهه.
«وإنتِ وقّعتي؟»
نهى قالت:
«أنا ما وقّعتش على أي اتفاق يمنعك من معرفة ولادك. لكن فيه حاجة تانية حصلت في اليوم ده، وأنا عمري ما حكيتها لك.»
«إيه هي؟»
نهى سكتت لحظة، وبعدها قالت الجملة اللي خلّت فارس ينسى كل الأسئلة اللي كان محضرها:
«قبل ما محمود يمشي، سلّمني ظرفًا فيه صورة من خطاب بخط إيدك، وكنت متأكدة وقتها إنك إنت اللي بعتهولي.»
فارس وقف فجأة.
«خطاب بخط إيدي؟ أنا ما بعتّلكيش أي خطاب!»
نهى ردت:
«أنا عارفة دلوقتي. لكن وقتها، الخطاب كان مكتوبًا فيه إنك مش عايز تشوف الولاد، وإنك بتطلب مني ما أحاولش أتواصل معاك مرة تانية.»
فارس حس إن الدنيا بتلف بيه.
مين كتب الخطاب باسمه؟
ومين قدر يقلّد خطه ويخلي نهى تصدق إنه هو اللي رفض أولاده؟
وقبل ما يقفل المكالمة، نهى قالت:
«أنا لسه محتفظة بالخطاب يا فارس. لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى بكرة. لأن فيه توقيع في آخر الورقة، لو شفته، هتعرف إن الشخص اللي خطط لكل ده ما كانش مجرد موظف في شركة والدك.»
يتبع في الجزء الرابع والأخير… 👇
### الجزء الرابع والأخير: الخطاب المزيف كشف الحقيقة… والسر اللي أخفاه أخوه دمّر كل الأكاذيب!
فارس ما نامش طول الليل.
فضل يفكر في كلام نهى، وفي الخطاب اللي اتكتب بخط يشبه خطه، واتبعث لامرأة كانت بتحاول توصله عشان يعرف إن عنده طفلين.
مين الشخص اللي كان مستعد يزوّر خطاب باسمه عشان يحرمه من ولاده؟
وليه أخوه محمود كان بيتدخل في الموضوع من البداية؟
في صباح اليوم التالي، اتجه فارس إلى بيت نهى، وهو مصمم إنه يعرف الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
أول ما وصل، فتحت له الباب من غير مقدمات، ودخلت غرفتها ورجعت ومعاها ظرف قديم لونه أصفر.
حطته قدامه على الترابيزة وقالت:




