
«ده الخطاب اللي محمود سلّمهولي بعد ولادة آدم وياسين. احتفظت بيه طول السنين دي، رغم إني كنت بتمنى كل يوم إني أقدر أنساه.»
فارس فتح الظرف بحذر.
أخرج الورقة، وبدأ يقرأ.
كانت الرسالة مكتوبة بصيغة رسمية، وفيها كلام قاسٍ، بيوضح إن فارس مش عايز أي علاقة بالأطفال، وإنه اختار مستقبله وشركته على حساب عيلته.
وفي آخر الرسالة، كان فيه توقيع باسمه.
توقيعه بالفعل كان يشبه توقيعه الحقيقي، حتى طريقة كتابة الحروف كانت قريبة جدًا من أسلوبه.
لكنه كان متأكدًا إنه ما كتبش الرسالة دي في حياته.
رفع رأسه ناحية نهى وقال:
«أنا ما شفتش الورقة دي قبل كده، ومستحيل أكتب الكلام ده عن ولادي.»
نهى بصت له بحزن.
«أنا صدقت إنك كتبتها، يا فارس. كنت لسه خارجة من طلاقنا، وكنت لوحدي مع طفلين محتاجين علاج ورعاية. لما شفت توقيعك، حسيت إنك رفضتني ورفضتهم بشكل نهائي.»
سكتت لحظات، وبعدها كملت:
«لكن بعد فترة، بدأت ألاحظ حاجات غريبة. الخطاب ما كانش عليه عنوان بريدك، ومحمود رفض يخليني أحتفظ بالظرف في البداية. ولما طلبت منه دليل إنك فعلًا اللي بعته، قال لي إن الموضوع انتهى، وإن الأفضل لي إني ما أحاولش أوصلك.»
فارس رجع بص للخطاب.
كان فيه تفصيلة صغيرة ما أخدش باله منها في البداية.
رقم الهاتف المكتوب أسفل الرسالة كان رقمًا قديمًا تابعًا لمكتب العائلة، لكنه اتلغى قبل تاريخ الخطاب بشهور.
أما التاريخ المكتوب أعلى الصفحة، فكان في يوم كان فارس فيه خارج مصر، في رحلة عمل موثقة بجواز سفره وسجلات الفندق اللي أقام فيه.
التفصيلة دي وحدها ما كانتش كفاية لإثبات التزوير، لكنها كانت سببًا قويًا للتحقيق.
فارس حط الخطاب في الظرف وقال:
«أنا آسف يا نهى. آسف إنك اضطرّيتي تعيشي كل ده لوحدك، وآسف إنك صدقتي إني ممكن أرفض ولادي بالطريقة دي.»
نهى ما ردتش فورًا.
وبعد لحظات قالت:
«أنا مش عايزة اعتذار بس. أنا عايزة ولادي يعيشوا في أمان، وما يتحولوش لساحة معركة بينك وبين عيلتك.»
هز فارس رأسه.
«وعد مني إن ده مش هيحصل. هعرف الحقيقة، لكن مش هخليهم يدفعوا تمن أخطاء الكبار.»
وقبل ما يمشي، سألها:
«إنتِ فاكرة إن محمود هو اللي كتب الخطاب؟»
نهى ردت:
«أنا ما عنديش دليل يثبت إنه هو اللي كتبه بإيده. لكن فيه شخص تاني كان حاضرًا يوم سلّمني الظرف، ويمكن هو اللي يعرف مين كتبه فعلًا.»
«مين؟»
قالت نهى الاسم.
سامي الشاذلي.
الرجل اللي استلم نسخة سجل المستشفى، واللي اعترف إنه كان يعرف بحمل نهى، لكنه ادعى إنه كان بينفذ تعليمات والد فارس.
دلوقتي، بقى عند فارس سبب جديد لمواجهته.
### المواجهة الأخيرة
في اليوم نفسه، دعا فارس أخوه محمود إلى مكتبه.
وصل محمود في الموعد، ودخل بابتسامته المعتادة.
«خير يا فارس؟ إنت قلت إن الموضوع مهم.»
فارس ما ردش على تحيته.
حط قدامه صورة الخطاب المزيف، ونسخة من سجل المستشفى، وكشف التحويلات المالية.
محمود بص للأوراق، وبعدها رفع عينيه.
ولأول مرة، فارس لاحظ إن أخوه فقد هدوءه.
قال محمود:
«إيه الورق ده؟»
فارس رد ببرود:
«إنت المفروض تجاوبني. ليه فيه تحويلات من حساب العائلة لشركة مرتبطة بيك في نفس الشهر اللي اتولد فيه ولادي؟ وليه استلمت خطابات نهى؟ وليه سلّمتها خطابًا باسمي أنا ما كتبتوش؟»
محمود سكت.
فارس قرب منه وقال:
«أنا مش هتهمك من غير دليل، لكن عندي مستندات بتقول إنك كنت جزءًا من الموضوع. عايز أسمع منك الحقيقة.»
محمود فك زرار سترته، وقعد على الكرسي المقابل.
فضل ساكتًا وقتًا طويلًا، وبعدها قال:
«أيوه، أنا كنت عارف إن نهى حامل.»
فارس حس بغضب شديد، لكنه ما قاطعوش.
محمود كمل:
«بعد طلاقكم، أبويا كان شايف إن حياتك لازم تستقر، وإنك محتاج تبعد عن أي مشاكل ممكن تأثر على الشركة. لما عرف إن نهى حامل، اعتبر إن الموضوع ممكن يفتح خلافات جديدة على الميراث والإدارة.»
فارس رد بعصبية:
«أطفال؟! إنت بتتكلم عن أطفال، مش عن صفقة تجارية!»
محمود نزل عينيه.
«أنا عارف.»
«لأ، إنت ما تعرفش. لأنك لو كنت عارف، ما كنتش خليتني أعيش خمس سنين وأنا ما أعرفش إن عندي ولدين.»
محمود أخد نفسًا عميقًا.
«أبويا طلب مني أتعامل مع الموضوع بعيد عنك. قال لي إن نهى لازم تبعد، وإن وجود الأطفال في حياتك وقتها ممكن يسبب نزاعات كبيرة.»
فارس سأله:
«وأنا؟ حد فكر يسألني أنا عايز إيه؟»
محمود ما ردش.
فارس كمل:
«طب والخطاب المزيف؟ مين كتبه؟»
محمود فضل ساكتًا، لكن ملامحه بدأت تتغير.
وبعد لحظات قال:
«أنا اللي سلّمت الخطاب لنهى.»
فارس اتسمر مكانه.
«إنت اللي سلّمته، لكن هل إنت اللي كتبته؟»
محمود هز رأسه ببطء.
«لأ.»
«أمال مين؟»
محمود بص له بعينين مليانين تعب.
«سامي هو اللي جهز الخطاب. قال لي إنه مجرد وسيلة لإنهاء الموضوع، وإن نهى لو صدقت إنك مش عايز الأطفال، مش هتحاول تتواصل معاك تاني.»
فارس حس إن آخر جزء من الصورة بدأ يظهر.
«وإنت وافقت؟»
محمود رد بصوت منخفض:
«أيوه. وافقت.»
فارس قام من مكانه، ومشى ناحية الشباك.
كان متوقعًا يسمع اعترافًا، لكنه ما كانش متخيل إن أخوه هيعترف بسهولة كده.
استدار ناحيته وقال:
«ليه يا محمود؟ إيه اللي كنت هتكسبه من كل ده؟»
محمود فضل باصص للأرض، وبعدها قال:
«كنت خايف.»
«من إيه؟»
«كنت خايف إن وجود الورثة الجدد يغيّر شكل إدارة الشركة، وإن الخلافات بينك وبين نهى ترجع تاني، وإن أبويا يعتبرني مسؤولًا عن أي مشكلة تحصل.»
فارس ضحك بمرارة.
«يعني عشان تحافظ على مكانك في الشركة، قررت تحرمني من ولادي؟»
محمود ما قدرش يرد.
وبعد لحظات، قال جملة كشفت جانبًا أخطر من الموضوع:
«أنا ما كنتش الوحيد اللي استفاد من إخفاء الحقيقة. فيه مستندات تانية لو ظهرت، هتغيّر كل حاجة تعرفها عن آخر سنتين في حياة أبويا.»
فارس قرب منه.
«تقصد إيه؟»
محمود تردد، وبعدها أخرج من حقيبته ملفًا صغيرًا.
«بعد وفاة أبويا، وأنا براجع بعض أوراقه، لقيت خطابًا مكتوبًا قبل وفاته بفترة قصيرة. الخطاب بيقول إنه بدأ يشك إن سامي كان بيتصرف في أموال العائلة من غير موافقته، وإنه طلب مراجعة الحسابات.»
فارس فتح الملف.
كان فيه خطاب بالفعل، ومعاه نسخة من طلب مراجعة مالية، لكن الطلب ما اتنفذش قبل وفاة والده.
وهنا فهم فارس إن القضية أكبر من مجرد خلاف عائلي.
يمكن يكون فيه شخص استغل خوف العائلة من الفضيحة، عشان يخفي تجاوزات مالية، ويستخدم قصة الأطفال كوسيلة للضغط على الجميع.
لكن هل كان سامي وحده وراء كل شيء؟
### الدليل اللي حسم القضية
فارس سلّم كل المستندات إلى محاميه، وطلب فتح تحقيق قانوني في الخطاب المزيف، والتعديلات اللي ظهرت في سجل المستشفى، والتحويلات المالية القديمة.
المحامي بدأ يجمع الأدلة من مصادرها الأصلية، ويتواصل مع المستشفى ومكتب المحاماة والبنك.
وبعد أسابيع من الفحص، ظهرت حقائق جديدة.
أولًا، تبيّن إن سجل المستشفى اتعدّل بالفعل بعد الولادة، وإن الملاحظة المتعلقة بعدم التواصل مع الأب ما كانتش مستندة إلى طلب قانوني صحيح.
ثانيًا، أثبت فحص الخطاب إن التوقيع المنسوب لفارس لا يتطابق مع توقيعه الحقيقي، وإن الورقة أُعدّت باستخدام مستندات قديمة كانت موجودة في أرشيف مكتب العائلة.
ثالثًا، كشفت مراجعة التحويلات إن جزءًا من الأموال اتنقل إلى شركة استشارات مرتبطة بمحمود، ثم انتقل جزء آخر منها إلى حساب تابع لمكتب سامي.
لكن الدليل الحاسم ظهر لما المحامي راجع سجلات المراسلات القديمة.
كانت فيه رسالة إلكترونية محفوظة في نسخة احتياطية من حساب مكتب المحاماة، أرسلها سامي إلى محمود قبل تسليم الخطاب إلى نهى.
وكان نصها واضحًا:
«بعد تسليم الرسالة، لازم نتأكد إن مفيش أي مراسلات جديدة توصل لفارس أو لنهى من خلال المكتب. وأي طلب متعلق بملف المستشفى لازم يتراجع قبل إرساله.»
الرسالة ما كانتش وحدها كافية لإثبات كل الاتهامات، لكنها، مع باقي المستندات، قدمت دليلًا مهمًا على إن إخفاء الحقيقة ما كانش مجرد سوء تفاهم.
المحامي بدأ الإجراءات القانونية اللازمة، وقدّم المستندات إلى الجهات المختصة.
وخلال التحقيق، اضطر سامي يواجه أسئلة عن توقيعه على استلام سجل المستشفى، وعن الخطاب المزيف، وعن التحويلات المالية.
وفي النهاية، اتضح إنه استغل ثقة العائلة فيه، وشارك في إخفاء المراسلات وتقديم معلومات مضللة عن وضع نهى والأطفال.




