
### الجزء الثاني: كريم اكتشف إنه الشخص الغلط!
وصلت بعربيتي قدام ورشة أبويا في منطقة العطارين بالإسكندرية، وبعد ما ركنت، نزلت بسرعة واتجهت ناحية الباب.
من بره، كنت سامعة صوت كريم العالي وهو بيتكلم بطريقة مستفزة، وصوت محاميه اللي كان بيحاول يثبت إن موقفه قانوني.
لكن أول ما دخلت، لقيت المشهد مختلف تمامًا عن اللي تخيلته.
أبويا، الحاج محمود، كان واقف جنب طاولة الشغل القديمة، لابس جلبابه الرمادي المعتاد، وملامحه هادية رغم الضغط اللي بيتعرض له.
وعلى الناحية التانية، كان كريم واقف ببدلته الغالية، ماسك ملفًا مليان أوراق، وبجانبه محاميه.
أما الرجلان اللي يوسف كلمني عنهما، فكانا جالسين على كرسيين خشبيين في منتصف الورشة.
أحدهما كان رجلًا في أواخر الخمسينات، شعره فضي وملامحه حادة، اسمه فؤاد الشربيني، رئيس مجموعة استثمارية كبيرة.
والثاني كان رجلًا هادئًا يُدعى عادل الرفاعي، معروفًا باستثماراته الضخمة في الفنادق والمطاعم.
أول ما دخلت، رفع أبويا عينيه ناحيتي وقال:
«أهو يا بنتي، الحمد لله إنك جيتي.»
بصيت له وابتسمت، وبعدها التفت ناحية كريم.
كان واقفًا بثقة مصطنعة، ولما شافني، أشار ناحيتي وقال:
«أخيرًا حضرتِ! يلا، خلصي الموضوع اللي اتفقنا عليه. أنا مش فاضي أضيّع وقتي هنا.»
حطيت شنطتي على الطاولة، وقلت:
«موضوع إيه يا كريم؟»
رفع الملف اللي في إيده وقال:
«موضوع الديون اللي عليكي. أنا ومحاميّ بنحاول نحلها بالذوق، لكن واضح إنك مش فاهمة إن الموضوع ممكن يوصل للحجز على الورشة.»
بصيت للمحامي وقلت:
«ممكن أشوف الأوراق اللي بتتكلم عنها؟»
تردد للحظة، وبعدها فتح الملف وطلع مجموعة من المستندات.
أخدت أول ورقة وبدأت أقرأها بعناية.
كانت عبارة عن مطالبة مالية بمبلغ كبير، مكتوب فيها إنني مدينة لشركة كريم بمبالغ ناتجة عن مصروفات مشتركة خلال فترة الزواج.
لكن المشكلة كانت واضحة.
الورقة ما كانش عليها توقيعي، ولا أي مستند يثبت إنني وافقت على تحمّل المبالغ دي.
رفعت عيني للمحامي وسألته:
«حضرتك راجعت المستندات دي بنفسك؟»
رد بحذر:
«أنا هنا بناءً على تكليف من موكلي، والمطالبة المالية محل مراجعة.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
«كويس. يبقى حضرتك عارف إن المطالبة وحدها مش معناها إن فيه حق قانوني في الحجز على ممتلكات والدي.»
كريم ضرب كفًا بكف وقال:
«يا سلام! بقيتي خبيرة قانونية كمان؟ إنتِ فاكرة نفسك مين يا سمر؟»
في اللحظة دي، تدخل فؤاد الشربيني للمرة الأولى.
قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
«أعتقد إن السؤال الأهم هو: إنت مين بالضبط، وعلاقتك إيه بالورشة دي؟»
كريم التفت له بسرعة، وبدأ يغيّر نبرة صوته.
«أنا كريم المنشاوي، صاحب مجموعة مطاعم المنشاوي. والورشة دي تخص والد طليقتي، وإحنا عندنا نزاع مالي معاها.»
هز فؤاد رأسه ببطء، ثم قال:
«فهمت. لكن هل النزاع المالي بينك وبين طليقتك بيديك الحق إنك تهدد والدها بالحجز على ممتلكاته؟»
كريم اتلخبط، لكنه حاول يخفي ارتباكه.
«إحنا بنتصرف بالقانون يا فندم.»
عادل الرفاعي، اللي كان ساكت من أول ما دخلت، حط فنجان القهوة على الطاولة وقال:
«أتمنى يكون كلامك ده صحيحًا، لأننا مش بنحب نتعامل مع شركات بتستخدم التهديدات بدل الإجراءات القانونية.»
وش كريم بدأ يتغير.
لأول مرة، حس إنه مش الشخص الأقوى الموجود في المكان.
أما أنا، فكنت عارفة إن اللحظة الحاسمة لسه ما جتش.
فتحت الملف الجلدي اللي جبتُه معايا، وطلعت منه مجموعة مستندات، ثم وضعتها أمام الرجلين.
قلت:
«بما إن حضرتكم موجودين هنا، فأعتقد إن الوقت مناسب نراجع آخر المستندات الخاصة بالمشروع.»
فؤاد فتح الملف، وبدأ يقلب الصفحات.
بعد لحظات، رفع عينيه ناحيتي وقال بابتسامة:
«أهلًا بشريكتنا الجديدة. كنا مستنيين الاجتماع ده من بدري.»
كريم بص له، وبعدها بص لي.
«شريكتكم؟!»
ما رديتش.
فؤاد أكمل وهو بيشير إلى الأوراق:
«زي ما اتفقنا، الاجتماع النهارده لتوقيع المرحلة النهائية من اتفاق الشراكة الخاص بالمشروع الفندقي الجديد، اللي هتتولى فيه الأستاذة سمر مسؤولية الإدارة والتطوير الغذائي.»
كريم ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت ضحكة شخص مش قادر يستوعب اللي بيسمعه.
«سمر؟! مستحيل! دي كانت بتساعدني في مطاعمي!»
عادل الرفاعي رد عليه بهدوء:
«وده بالضبط سبب استغرابنا من كلامك. إحنا بنتابع شغل سمر من سنين، ونعرف إنها صاحبة خبرة كبيرة في تطوير المطاعم وإدارة العمليات الغذائية.»
ثم التفت ناحيتي وأضاف:
«والحقيقة إن جزءًا من نجاح المشروع اللي بنتكلم عنه النهارده قائم على أنظمة ووصفات وخطط تطوير هي اللي قدمتها بنفسها.»
كريم بص لي وكأنه بيشوفني لأول مرة.
كان فاكر إن كل اللي وصلت له في حياته كان بفضله، وإنه هو اللي علّمني الشغل، وإنني من غيره مجرد ست عادية ملهاش أي مستقبل.
لكنه بدأ يفهم إن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أنا ما كنتش مجرد مساعدة في مطاعمه.
أنا كنت العقل اللي ورا أجزاء مهمة من نجاحها.
والمفارقة إن الرجل اللي كان بيهددني بالحجز على ممتلكات أبويا، كان واقف في ورشة بسيطة، بيكتشف إن طليقته بقت شريكة في مشروع أكبر من كل المشروعات اللي بيتفاخر بيها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
### الحقيقة اللي كريم ما كانش يعرفها
فؤاد قفل الملف، وبعدها طلب من محاميه يراجع مستندات الشراكة النهائية.
ثم نظر إلى كريم وقال:
«بما إنك صاحب مجموعة مطاعم، يمكن تكون سمعت عن مشروع تطوير قطاع الضيافة اللي هيبدأ خلال الفترة الجاية.»
كريم اعتدل في وقفته فورًا.
«طبعًا يا فندم. إحنا نفسنا كنا بندرس ندخل في المشروع ده.»
فؤاد هز رأسه وقال:
«إحنا بالفعل اخترنا الشركاء الأساسيين، واتفقنا على الهيكل الإداري والمالي. والأستاذة سمر واحدة من الشركاء الرئيسيين.»
كريم حاول يحافظ على ابتسامته.
«أكيد، بس أنا متأكد إن حضرتك عارف إن سمر ما عندهاش شركة كبيرة ولا رأس مال يسمح لها تدخل مشروع بالحجم ده.»
في اللحظة دي، ابتسمت أنا للمرة الأولى منذ دخلت الورشة.
وقلت:



