
### الجزء الثاني: الظرف اللي قلب كل الموازين
حسام فضل واقف مكانه، وإيده لسه على المكتب، وعينيه متعلقة بالظرف اللي كاتب العدل ماسكه.
قال بصوت متوتر وهو بيحاول يخفي ارتباكه:
— هو إيه الظرف ده؟ وليه أبويا ما قالناش عنه حاجة؟
كاتب العدل رد بهدوء:
— والدكم سلّمني الظرف بنفسه قبل وفاته بفترة، وأوصاني إني ما أفتحوش غير بعد قراءة الوصية الأساسية. وطلب مني كمان أتأكد إنكم الاتنين موجودين وقتها.
حسام بص لي بسرعة، وبعدها رجع بص لكاتب العدل.
— يعني إيه؟ هو كان شاكك فينا؟!
كاتب العدل ما ردش على سؤاله، لكنه حط الظرف قدامه وبدأ يفتح الختم بحرص.
أما أنا، فكنت قاعدة مكاني وقلبي بيدق بسرعة. عمري ما تخيلت إن أبويا يكون سايب رسالة بالشكل ده، ولا إن قراءتها ممكن تسبب كل التوتر ده.
أول ما كاتب العدل طلع الورقة من الظرف، لاحظت إن خط أبويا كان مهزوز شوية، لكنه واضح.
كان كاتب الرسالة بإيده، وبدأ يقرأ:
«إلى ابني حسام، وابنتي منى.
لو إنتوا قاعدين دلوقتي وبتسمعوا الكلام ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا، ومبقتش موجود عشان أقدر أشرح لكم بنفسي اللي كان جوايا.
أنا عارف إن موتي هيكون صعب عليكم، وعارف إن كل واحد فيكم هيحزن بطريقته.
لكن فيه حاجة واحدة بتخوفني أكتر من الموت نفسه، وهي إنكم تخسروا بعض بعد ما أمشي.
أنا مش عايز أكون سبب في عداوة بين ولادي، ولا عايز تعبي وشقاي طول السنين يتحولوا لمعركة على شقة أو فلوس».
أول ما سمعت الكلام ده، عيني دمعت.
دي كانت طريقة أبويا فعلًا. حتى وهو مش موجود، كان لسه بيفكر إزاي يحمينا من نفسنا.
لكن حسام بدأ يتحرك في كرسيه بعصبية، وكأنه مستعجل يسمع الجزء اللي له علاقة بالورث.
كاتب العدل كمل القراءة:
«يا حسام، أنا عارف إنك هتقول إنك ابني، وإن من حقك تعرف كل حاجة تخص ممتلكاتي. وده حقك فعلًا.
لكن فيه حاجات حصلت في السنين الأخيرة، لازم تعرفها قبل ما تحكم على أختك أو تتهمها إنها عايزة تاخد حقك».
حسام رفع رأسه بسرعة.
— حاجات إيه دي؟ هو أبويا كان بيتكلم عن إيه؟
كاتب العدل كمل من غير ما يرد عليه:
«يا ابني، أنا مش هعاتبك على إنك مشغول بحياتك، ولا هحاسبك على كل مرة ما قدرتش تزورني فيها.
أنا أبوك، وعمري ما كنت مستني منك فلوس، ولا كنت عايزك تسيب بيتك وشغلك وتقعد جنبي طول الوقت.
لكن اللي وجعني فعلًا، إنك لما كنت بحتاج حد يسمعني، كنت ساعات كتير بلاقي نفسي لوحدي.
وفي المقابل، أختك منى كانت موجودة.
ما كانتش بتعمل كده عشان شقة أو ورث، ولا عمرها طلبت مني أكتب لها حاجة باسمي.
كانت بتيجي لأنها بنتي، ولأنها كانت شايفة إن أبوها محتاج لها».
حسام اتحرك بعصبية وقال:
— الكلام ده مش منصف! أنا كمان كنت بسأل عليه، وكنت ببعت له حاجات!
المرة دي كاتب العدل وقف القراءة وبص له.
— يا أستاذ حسام، أنا هنا عشان أنقل لكم كلام والدكم زي ما كتبه. لو سمحت، خليني أكمل.
حسام رجع قعد، لكن ملامحه كانت بتقول إنه مش مقتنع بكلمة واحدة.
أما أنا، فكنت بحاول أفهم ليه أبويا كتب الرسالة دي بالتفصيل، وليه كان مصر إنها تتقري بعد الوصية.
كاتب العدل كمل:
«أنا مش عايز حد منكم يفهم كلامي على إنه تفضيل لابني على بنتي أو العكس.
أنا بحبكم الاتنين، لكن الحب مش معناه إني أتجاهل الحقيقة.
علشان كده، قررت أرتب أموري القانونية قبل ما أمشي، عشان ما أسيبش ورايا مشاكل أكبر منكم».
بعدها كاتب العدل حط الرسالة الأولى على المكتب، وفتح ملف تاني كان قدامه.
وقال:
— دلوقتي هنرجع للبند الخاص بالشقة والممتلكات، ونوضح التفاصيل القانونية الموجودة في المستندات.
حسام مال بجسمه لقدام، وكأنه أخيرًا وصل للحاجة اللي كان مستنيها.
كاتب العدل بدأ يقرأ:
— «بالنسبة للشقة الكائنة في سيدي بشر، فقد تركت تعليماتي القانونية بخصوصها وفقًا للمستندات المرفقة بالوصية. أما الأموال الموجودة في حساباتي، والممتلكات الأخرى، فسيتم التعامل معها وفقًا لما هو ثابت في الأوراق والإجراءات القانونية».
حسام قاطعه بسرعة:
— يعني الشقة هتكون مناصفة بيني وبين أختي، صح؟
كاتب العدل رفع عينيه من الورق.
— ما ينفعش نستنتج ده قبل ما نراجع مستندات الملكية وباقي البنود. كل حاجة هتتحدد وفقًا للأوراق والقانون.
حسام ضرب بإيده على ركبته، وبص لي.
— أهو! حتى دلوقتي محدش بيقول كلام واضح. أنا عارف إن فيه حاجة بتحصل من ورايا!
بصيت له وأنا مش مصدقة.
— يا حسام، إنت اللي كنت عايز تاخد حاجات أبويا قبل ما نعرف الوصية فيها إيه. أنا ما خبيت عنك حاجة، ولا طلبت من أبويا شقة ولا فلوس.
رد بسرعة:
— أمال ليه إنتِ اللي معاكي المفاتيح؟ وليه كنتِ بتروحي له طول الوقت؟
سكت لحظة، وبعدها قلت له:
— عشان كان أبويا يا حسام! عشان لما كان بيتعب، كنت بخاف عليه. ولما كان بيحتاج حد، ما كنتش بستنى أفكر إذا كان ده هيفيدني في الورث ولا لأ.
حسام فتح بقه عشان يرد، لكنه ما لاقاش كلام يقوله.
كاتب العدل طلب مننا نهدى، وبعدها طلع مستندات إضافية من الملف.
كان فيه كشف بالمصروفات الخاصة بأبويا، وبعض الأوراق المتعلقة بالشقة، ومستندات تانية طلب مراجعتها قبل ما يعلن التفاصيل النهائية.
وفجأة، لقيت حسام بيبص لورقة معينة، ووشه بيتغير من جديد.
مد إيده ناحية المكتب وقال:
— إيه الورقة دي؟ وإيه معنى التاريخ المكتوب هنا؟
كاتب العدل سحب الورقة ناحيته، وراجعها بعناية.
وبعدها قال:
— دي ورقة مرتبطة بترتيبات والدكم قبل وفاته. وهشرح لكم مضمونها بعد ما أتأكد من مطابقة بياناتها مع باقي المستندات.
حسام بص لي بنظرة شك، وقال بصوت واطي لكنه مليان غضب:
— إنتِ كنتِ عارفة، صح؟ أكيد كنتِ عارفة كل ده من الأول!
حسيت إن أعصابي خلاص مش مستحملة.
قمت من مكاني وقلت له:
— كفاية اتهامات! أنا مش عارفة الورقة دي بتقول إيه أكتر منك. ولو كنت عايزة أخبي حاجة، ما كنتش جيت معاك النهارده من الأساس.
لكن حسام ما كانش مستعد يصدقني.
في اللحظة دي، كاتب العدل طلب مننا نقعد تاني، وقال إن فيه جزء أخير من رسالة أبويا لازم يتقري قبل ما ننهي الجلسة.
مسك الورقة، وعدّل نظارته، وبدأ يقرأ آخر سطور فيها:
«يا حسام، يا ابني، لو وصلت للمرحلة دي من الرسالة، فمعناه إنك غالبًا بدأت تشك في أختك، ويمكن تكون اتهمتها إنها عايزة تحرمك من حقك.
قبل ما تعمل كده، افتكر حاجة واحدة: أنا كنت عارف إن فيه موضوع مهم لازم يتوضح بينكم، وكنت مستني الوقت المناسب عشان أتكلم عنه.
يا منى، إنتِ كمان لازم تعرفي إن فيه حقيقة عن شقة سيدي بشر ما كنتش عايز أقولها لكم قبل ما أتأكد إن كل شيء هيتعمل بطريقة صحيحة».
كاتب العدل وقف فجأة عن القراءة.
بص لنا الاتنين، وبعدها قفل الملف وقال:
— فيه مستند أساسي لازم نراجعه قبل ما أقدر أكمل الجزء الأخير. هحتاج أتأكد من بياناته، وبعدها هحدد لكم ميعاد تاني لاستكمال الإجراءات.
حسام وقف بسرعة.
— ميعاد تاني؟! يعني إحنا هنفضل مستنيين لحد إمتى؟!
كاتب العدل رد بحزم:
— لحد ما نتأكد إن كل الإجراءات سليمة. ده حقكم أنتم الاتنين، وواجب لازم ألتزم بيه.
خرجنا من المكتب، وحسام ما استناش حتى المصعد.
وقف قدامي في الممر وقال:
— اسمعي يا منى، أنا مش هسيب الموضوع ده يعدّي. لو فيه أي حاجة بتخصني، هاخد حقي بالقانون.
بصيت له بحزن وقلت:
— وأنا كمان مش هتنازل عن حقي، لكن مش هحوّل موت أبويا لمعركة بيني وبينك.
سابني ومشي، ومراته نهى لحقت بيه من غير ما تبص ناحيتي.
رجعت البيت وأنا بفكر في كلام أبويا، وفي الورقة اللي كاتب العدل رفض يكشف تفاصيلها قبل مراجعتها.
وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة لوحدي، افتكرت موقف حصل قبل وفاة أبويا بشهر تقريبًا.
كنت بساعده يرتب درج مكتبه، ولقيته بيحط مجموعة أوراق في ملف بني قديم، وبعدها قفله بالمفتاح.
لما سألته عن الملف، ابتسم وقال:
— دي حاجات لازم تفضل في مكانها لحد ما ييجي وقتها.
وقتها ما اهتمتش أسأله أكتر.
لكن دلوقتي، بدأت أحس إن الملف ده ممكن يكون له علاقة بكل اللي بيحصل.




