منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

والأصعب من كده، إني كنت فاكرة إن حسام غضبان بس بسبب الشقة، لكن تصرفاته خلتني أشك إن فيه حاجة تانية هو نفسه خايف إنها تظهر.

وفي صباح اليوم التالي، جالي اتصال من رقم غريب.

كان المتصل شخصًا بيقول إنه يعرف أبويا من سنين، وإن عنده معلومة مهمة لازم أعرفها قبل الجلسة الجاية.

ولما سألته عن اسمه، قال جملة خلتني أمسك الموبايل بإيدي الاتنين من شدة الصدمة:

— أنا كنت آخر شخص قابل والدك قبل ما يكتب الرسالة اللي اتقرت في مكتب كاتب العدل… وفيه سر عن حسام لازم تعرفيه.

يا ترى مين الشخص ده؟ وإيه السر اللي يعرفه عن حسام؟ وهل أبوها كان مخبي حقيقة أكبر من مجرد تقسيم الورث؟

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: السر اللي أبويا أخفاه عننا سنين

فضلت ماسكة الموبايل ومش قادرة أرد.

صوت الراجل اللي على الطرف التاني كان هادي، لكنه كان بيتكلم بثقة غريبة، كأنه عارف إن كلامه هيغيّر كل حاجة.

قلت له وأنا بحاول أسيطر على توتري:

— حضرتك مين؟ وإيه اللي تعرفه عن أبويا وعن أخويا؟

رد عليّ:

— اسمي عماد، وكنت صديق والدك من أكتر من عشرين سنة. اشتغلنا مع بعض زمان، وفضلنا على تواصل لحد آخر أيامه. أنا عارف إنك دلوقتي بتمري بوقت صعب، وعشان كده مش عايز أزود همومك. لكن فيه حاجة والدك طلب مني أقولها لك لو حصل خلاف بينك وبين أخوكي بعد وفاته.

حسيت بقلبي بيدق بسرعة.

— وإيه هي الحاجة دي؟

سكت ثواني، وبعدها قال:

— مش هينفع أشرح لك في التليفون. محتاج أشوفك، ويفضل يكون قبل ميعادك مع كاتب العدل.

اتفقنا نتقابل في كافيه صغير قريب من محطة الرمل، تاني يوم الصبح.

طول الليل ما عرفتش أنام كويس. كنت بفكر في كل كلمة قالها الراجل، وفي إصرار أبويا إنه يسيب رسالة وظرف ومستندات محدش يعرف عنها حاجة.

كنت بسأل نفسي: هو أبويا كان خايف من إيه بالضبط؟ وهل كان متوقع إن حسام يتصرف بالطريقة دي؟

تاني يوم، وصلت للكافيه قبل الميعاد بعشر دقايق.

لقيت راجل في أواخر الستينات قاعد على ترابيزة في ركن هادي، وقدامه ملف جلدي بني قديم.

أول ما شافني، وقف وسلّم عليّ باحترام.

— إنتِ منى بنت الحاج محمود؟

هزيت رأسي.

— أيوه، أنا منى.

قعدنا، وطلب لنا قهوتين، لكنه ما لمسش فنجانه.

فتح الملف، وطلع منه صورة قديمة لأبويا وهو شاب، واقف جنب راجل تاني قدام مبنى إداري.

ناولني الصورة وقال:

— والدك كان إنسان محترم، وكان بيحافظ على كلمته. وأنا عمري ما نسيت له موقف عمله معايا من سنين طويلة.

بصيت للصورة، وابتسمت رغم حزني.

— دي صورة قديمة جدًا. أول مرة أشوفها.

قال عماد:

— والدك كان دايمًا بيقول إن أهم حاجة عنده إنه يسيب لولاده سمعة كويسة وضمير مرتاح. لكن في آخر كام شهر من حياته، كان قلقان من موضوع معين.

سألته بسرعة:

— موضوع إيه؟

بص لي مباشرة وقال:

— أخوكي حسام جه لوالدك قبل وفاته بفترة، وكان عايزه يوافق على تصرف معين يخص الشقة.

اتجمدت مكاني.

— تصرف إيه؟

— على حد علمي، حسام كان بيفكر يستفيد من قيمة الشقة عشان يحل مشكلة مالية عنده. ووالدك رفض إنه ياخد أي قرار قبل ما يفهم كل التفاصيل.

حسيت بصدمة كبيرة.

أنا ما كنتش أعرف إن حسام اتكلم مع أبويا في الموضوع ده أصلًا.

سألته:

— وإنت عرفت الكلام ده إزاي؟

رد:

— لأن والدك طلب مني أساعده يفهم بعض الأوراق اللي كانت معاه. هو ما كانش عايز يظلم حد، لكنه كمان ما كانش عايز يسيب أموره من غير ترتيب.

وبعدها أضاف:

— لكن لازم أكون واضح معاكي يا منى. أنا ما عنديش دليل إن أخوكي عمل أي حاجة غير قانونية. كل اللي أعرفه إن والدك كان رافض يتخذ قرار متسرع، وإنه كان عايز كل شيء يتراجع بمعرفة المختصين.

الكلام ده هدّاني شوية، لأنني ما كنتش عايزة أصدق إن أخويا ممكن يعمل حاجة تضر أبويا.

لكن عماد لسه ما خلصش كلامه.

طلع ورقة صغيرة من الملف وقال:

— والدك سلّمني الورقة دي قبل وفاته، وطلب مني أحتفظ بيها لحد ما أعرف إن فيه خلاف حصل بينكم على الميراث.

مد إيده وناولني الورقة.

كانت مكتوبة بخط أبويا.

فتحتها وأنا إيدي بتترعش، وقرأت:

«يا عماد، لو منى وصلت لك، يبقى غالبًا حصل خلاف بينها وبين حسام على الشقة.

أنا مش عايزك تتدخل في خلاف عائلي، ولا عايزك تحكم على ابني من غير ما تسمع منه.

كل اللي أطلبه منك إنك تقول لمنى إن فيه مستندات مهمة لازم تتراجع قبل ما أي حد يتهم التاني.

ولو حسام حاول يستعجل في أي إجراء، فكّره إن التسرع ممكن يضيّع حقوق الجميع».

رفعت عيني من الورقة وبصيت لعماد.

— هو كان يقصد إيه بالمستندات دي؟ هل عندك نسخة منها؟

هز رأسه.

— لأ. والدك ما سلمنيش المستندات نفسها. قال لي إنها موجودة في مكان آمن، وإن كاتب العدل هو المسؤول عن مراجعتها.

سألته:

— طب ليه اختارك إنت بالذات؟

ابتسم بحزن وقال:

— لأن والدك كان عارف إني مش هقف مع طرف ضد التاني. أنا ما لياش مصلحة في الشقة، ولا في فلوسكم. كل اللي يهمني إن وصية صاحب عمري تتنفذ صح.

شكرته، وقمت من مكاني وأنا حاسة إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه فيه أجزاء كتير ناقصة.

قبل ما أمشي، ناداني عماد وقال:

— يا منى، فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.

رجعت وقعدت تاني.

قال بصوت منخفض:

— والدك كان بيقول لي دايمًا إن أكتر حاجة بتخوفه مش إن ولاده يختلفوا على الفلوس، لكن إن واحد فيهم يظلم التاني وهو فاكر إنه صاحب الحق الكامل.

الكلام فضل يرن في ودني وأنا راجعة البيت.

في نفس اليوم بالليل، حسام اتصل بيا.

المرة دي صوته كان مختلف. ما كانش بيصرخ ولا بيتهمني بشكل مباشر، لكنه كان متوتر.

قال:

— منى، إنتِ قابلتي حد اسمه عماد النهارده؟

اتصدمت من السؤال.

— إنت عرفت منين؟

رد بسرعة:

— مش مهم عرفت منين. أنا بس عايز أعرف قالك إيه.

سكت شوية، وبعدين قلت:

— قال لي إن أبويا كان عايزنا نراجع كل المستندات قبل ما نحكم على بعض. وده شيء طبيعي، مش شايفة فيه أي مشكلة.

حسام تنهد بعصبية.

— طيب، اسمعيني كويس. أنا مش عايز حد يدخل بيني وبينك. اللي بينا يفضل بينا.

قلت له:

— وأنا كمان مش عايزة حد يدخل بينا، لكن إنت من أول يوم اتهمتني إني مخبية حاجات أبويا، مع إنك ما عندكش أي دليل.

رد بعد لحظة صمت:

— أنا كنت متعصب. بس إنتِ كمان لازم تفهمي إن ليا حق في الورث.

قلت له:

— محدش قال إن مالكش حق. خلينا نعرف الوصية والمستندات بتقول إيه، وبعدها كل واحد ياخد حقه بالقانون.

قفلنا المكالمة من غير خناق، وكنت فاكرة إن الأمور ممكن تهدى أخيرًا.

لكن اللي حصل بعد كده أثبت لي إن الموضوع لسه ما انتهيش.

بعد يومين، وأنا راجعة من الشغل، لقيت حسام واقف قدام باب شقتي.

كان ماسك ورقة مطوية، ووشه متوتر.

قال من غير مقدمات:

— أنا عايزك تقري الورقة دي.

أخدتها منه وفتحتها.

كانت صورة من مستند قديم متعلق بملكية شقة أبويا، وفي أسفل الورقة تاريخ يرجع لسنين فاتت.

بصيت له باستغراب.

— إيه ده؟ وإنت جبت الورقة دي منين؟

قال:

— لقيتها وسط أوراق قديمة عندي. وفيها حاجة مش فاهمها.

رجعت أقرا المستند من أوله، لكن ما قدرتش أفهم كل التفاصيل القانونية المكتوبة فيه.

سألته:

— إنت وريتها لكاتب العدل؟

هز رأسه.

— لأ. أنا جيت لك الأول عشان إنتِ كنتِ أقرب لأبويا، ويمكن تعرفي حاجة عنها.

بصيت له طويلًا.

لأول مرة من بداية الخلاف، حسيت إن حسام مش جاي يهاجمني، لكنه فعلًا قلقان من حاجة.

قلت له:

— بكرة نروح لكاتب العدل مع بعض، ونسأله عن الورقة دي. مش هنتهم بعض، ومش هنتصرف من نفسنا.

وافق بعد تردد.

وفي اليوم التالي، رحنا سوا لمكتب كاتب العدل.

راجع الرجل المستند بعناية، وقارن البيانات بالأوراق الموجودة في الملف، وبعدها رفع رأسه وقال:

— الورقة دي مهمة، لكنها لوحدها مش كفاية عشان نحدد الوضع القانوني النهائي للشقة. فيه مستند تاني مرتبط بيها، ولازم نراجعه قبل ما نقدر نوصل لنتيجة واضحة.

حسام سأل بقلق:

— والمستند التاني ده موجود فين؟

كاتب العدل فتح درج مكتبه، وطلع منه صورة لورقة عليها توقيع أبويا.

وقال:

— النسخة الأصلية موجودة ضمن المستندات اللي سلّمها والدكم قبل وفاته، لكن محتاجين نراجعها مع باقي الأوراق ونتأكد من صحتها.

في اللحظة دي، حسام قرب من المكتب وبص للتوقيع.

وفجأة، وشه اتغير.

قال بصوت شبه هامس:

— استحالة… التوقيع ده معناه إن أبويا كان عارف من زمان؟

كاتب العدل رد بهدوء:

— معناه إن فيه ترتيب قانوني سابق لازم نفهمه كويس قبل ما نصدر أي حكم.

حسام رجع خطوة لورا، وبص لي، لكن المرة دي ما كانش في عينيه غضب بس.

كان فيه خوف وحيرة، وكأنه بدأ يدرك إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد شقة كان فاكر إن نصها من حقه.

أما أنا، فكنت مستنية كاتب العدل يكمل، لكنه قفل الملف وقال:

— هنحتاج جلسة أخيرة لمراجعة المستند الأصلي، وبعدها هتكون الصورة أوضح للجميع.

خرجنا من المكتب، وحسام ما اتكلمش معايا طول الطريق.

وقبل ما يركب عربيته، وقف فجأة وقال:

— منى، لو اكتشفنا إن أبويا كان مرتب كل ده من سنين، وإن فيه حاجة أنا ما كنتش أعرفها… إنتِ هتفضلي واقفة جنبي؟

بصيت له بحزن، وقلت:

— إنت أخويا يا حسام. أنا مش عايزة أكسب عليك، ولا عايزة أخسر أبويا مرة تانية بسبب خلاف على الورث. بس لازم كل واحد فينا يكون مستعد يسمع الحقيقة، حتى لو ما عجبتوش.

هز رأسه، وركب عربيته ومشي.

وفي اللحظة دي، ما كنتش أعرف إن الجلسة الأخيرة هتكشف مش بس حقيقة الشقة، لكن كمان السبب اللي خلّى أبويا يصرّ على ترك ظرف منفصل بخط إيده.

لأن داخل المستند الأخير كان فيه بند محدش فينا توقّع وجوده، وكان كفيلًا إنه يغيّر فهمنا لكل اللي حصل في الأيام الأخيرة من حياة أبويا.

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي أبويا سابها لآخر لحظة

وصل يوم الجلسة الأخيرة، وكنت حاسة إن قلبي مش مطاوعني.

من ساعة ما بدأت الحكاية، وأنا بين حزني على أبويا ووجعي من تصرفات حسام. ما كنتش عايزة أخسر أخويا، لكن في نفس الوقت ما كنتش قادرة أنسى إزاي اتهمني بالطمع، وإزاي جه بعد الدفنة بأيام عشان ياخد حاجات أبويا قبل ما حتى نعرف وصيته.

وصلت مكتب كاتب العدل قبل الميعاد، وبعد دقائق دخل حسام ومعاه مراته نهى.

نهى كانت ساكتة على غير عادتها، وحسام كان باين عليه إنه ما نامش كويس.

قعدنا كلنا، وفتح كاتب العدل الملف الكبير اللي كان محتفظ بيه.

قال بهدوء:

— النهارده هنراجع المستند الأصلي، ونوضح مضمون الوصية والترتيبات اللي تركها والدكم، وبعدها هنعرف الخطوات القانونية المطلوبة.

طلع ورقة قديمة من الملف، وحطها قدامنا.

كانت الورقة اللي حسام شاف صورتها في الجلسة اللي فاتت، لكن المرة دي كانت النسخة الأصلية.

كاتب العدل بدأ يشرح:

— المستند ده متعلق بترتيبات ملكية الشقة، وبيوضح إن والدكم كان قد اتخذ إجراءات قانونية من سنوات، وإن الوضع الحالي لازم يتحدد على أساس المستندات الكاملة، مش على أساس الافتراضات.

حسام مال لقدام وقال بسرعة:

— يعني الشقة مش من حقي؟

كاتب العدل رد:

— أنا ما قلتش كده. أنا بوضح إن مفيش حد يقدر يحدد حقه من ورقة واحدة أو من مجرد توقع. لازم نراجع كل المستندات ونطبق القانون عليها.

وبعدها طلع ورقة تانية، وبدأ يقرأ مضمونها.

اتضح إن أبويا كان قد رتّب بعض الأمور المتعلقة بالشقة قبل سنوات، وإن فيه تفاصيل لازم تتراجع مع المستندات الأخرى لتحديد الملكية والحقوق بدقة.

لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في الورقة دي.

كانت في الظرف التاني اللي أبويا طلب فتحه بعد قراءة الوصية.

كاتب العدل أخرج الرسالة، وبص لنا قبل ما يبدأ:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى