منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— والدكم طلب مني أقرأ الجزء الأخير من الرسالة قدامكم أنتم الاتنين، لأنه كان شايف إن الكلام ده مهم لعلاقتكم ببعض.

حسام شبك إيديه، ونهى بصت له بقلق، وأنا أخدت نفسًا عميقًا.

وبدأ كاتب العدل يقرأ.

«يا حسام ويا منى،

لو أنتم بتسمعوا الرسالة دي دلوقتي، يبقى غالبًا حصل بينكم خلاف، وده أكتر شيء كنت بتمنى ما يحصلش.

أنا عارف إن الشقة ليها قيمة كبيرة، وإن كل واحد فيكم ممكن يكون عنده تصور مختلف عن حقه فيها.

لكن لازم تعرفوا إن البيت مش مجرد حيطان وأبواب ومفاتيح.

البيت هو المكان اللي أمكم كانت بتستناكم فيه، واللي كنتوا بتضحكوا فيه وإنتوا صغيرين، واللي شهد أيام حلوة وصعبة من حياتنا.

أنا مش عايز ذكريات أمكم تتحول لسبب يخليكم تبعدوا عن بعض».

في اللحظة دي، حسام نزل عينيه للأرض.

كاتب العدل كمل:

«يا حسام، أنا مش زعلان منك لأنك ما كنتش بتزورني كتير. كل واحد عنده ظروفه، وأنا عمري ما كنت عايزك تحس إنك مطالب تثبت حبك ليا بعدد الزيارات.

لكن كنت أتمنى إنك لما تعرف إن أختك كانت موجودة جنبي، تشكرها بدل ما تشك فيها.

ويا منى، أنا عارف إنك تعبتي معايا، وإنك قدمتي حاجات كتير من وقتك وراحتك علشان أكون بخير.

لكن ما تخليش تعبك يتحول لوجع يخليكي تقفلي قلبك قدام أخوكي للأبد».

ما قدرتش أمنع دموعي.

كنت محتاجة أسمع الكلام ده من أبويا، حتى لو كان بصوته المكتوب.

لكن الرسالة ما انتهتش.

كاتب العدل قلب الصفحة، وقرأ السطور الأخيرة:

«أنا رتبت أموري القانونية علشان كل شيء يتحدد بوضوح، وما يبقاش فيه مجال للشك أو الاتهامات.

أي حق من حقوقكم لازم يتحدد بالمستندات والقانون، مش بالصوت العالي، ولا بالتهديد، ولا بمحاولة أخذ شيء قبل أوانه.

ولو اختلفتم، افتكروا إنكم مش خصمين في معركة.

إنتوا أخ وأخت، وآخر حاجة كنت أتمناها إني أكون السبب في إنكم تخسروا بعض».

كاتب العدل سكت، وقفل الرسالة بهدوء.

فضلنا ساكتين لثواني طويلة.

كنت مستنية حسام يقول أي حاجة، لكنه كان باصص للرسالة، وكأنه بيسمع صوت أبويا وهو بيتكلم معاه.

وفجأة، رفع رأسه وسأل كاتب العدل:

— طيب، وبالنسبة للشقة؟ إيه اللي هيحصل فيها بالضبط؟

كاتب العدل بدأ يوضح له حقوق كل طرف وفقًا للمستندات التي تمت مراجعتها، وشرح إن أي تصرف في الملكية لازم يتم بعد استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.

ما كانش فيه مجال للتخمين أو الاعتماد على كلام حد.

كل شيء لازم يتحدد بشكل رسمي وواضح.

وبعد ما خلص الشرح، حسام فضل ساكت شوية، وبعدها لف ناحيتي.

قال بصوت واطي:

— منى، ممكن نتكلم لوحدنا؟

خرجنا للممر، ووقفنا جنب الشباك اللي بيطل على الشارع.

حسام حط إيده في جيبه، وفضل باصص للأرض.

وبعد لحظات قال:

— أنا عارف إني غلطت في حقك.

ما رديتش.

كمل كلامه:

— يوم ما أبويا مات، كنت حاسس إني فقدت آخر حاجة بتربطني بطفولتي. ولما فكرت في الشقة، حسيت إن لازم آخد حقي بسرعة قبل ما أي حاجة تضيع مني.

بصيت له وقلت:

— وده خلاك تتهمني إني بسرق أبويا؟

هز رأسه بحزن.

— لأ، مفيش مبرر للي عملته. أنا كنت غلطان. ولما شوفتك واقفة في الشقة وبتتكلمي عن الوصية، افتكرت إنك بتحاولي تمنعيني من حقي، بدل ما أسألك وأفهم.

قلت له والدموع في عيني:

— أنا ما كنتش عايزة منك فلوس، ولا كنت مستنية منك شكر. أنا كنت عايزة بس لما أبويا تعب، ألاقيك جنبي. ولما مات، ما تبقاش أول حاجة تعملها إنك تتهمني بالطمع.

حسام غطى وشه بإيده للحظات.

وبعدين قال:

— حقك عليّ يا منى. أنا آسف.

كانت أول مرة أسمع منه اعتذارًا حقيقيًا من بداية الخلاف.

لكن الاعتذار ما كانش كفاية يمسح كل الوجع في لحظة واحدة.

قلت له:

— أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسهولة، لكن مش عايزة أفضل شايلة منك طول عمري. أبويا كان خايف علينا من اللحظة دي، وأنا مش عايزة أكون سبب في إن خوفه يتحقق.

هز رأسه، وقال:

— وأنا كمان مش عايز ده يحصل.

رجعنا المكتب، وبدأنا نتفق على إن كل الإجراءات المتعلقة بالورث هتتم بشكل رسمي، وإن محدش فينا هيتصرف في أي ممتلكات قبل ما تتحدد الحقوق القانونية بوضوح.

نهى قربت مني بعد ما حسام اعتذر، وقالت بتردد:

— أنا كمان آسفة يا منى. كان المفروض ما أجيش بالشنط يومها، ولا أضغط عليكي بالشكل ده.

بصيت لها وقلت:

— خلينا نبدأ من جديد، بس المرة دي لازم نحترم بعض ونفكر قبل ما نتكلم.

خرجنا من مكتب كاتب العدل في اليوم ده، وما كانتش كل الأمور القانونية خلصت، لكن على الأقل انتهت مرحلة الاتهامات والصراخ.

وبعد أسابيع، استكملنا الإجراءات الرسمية، واتحدد موقف الشقة والممتلكات وفقًا للمستندات والقانون.

ما حاولتش أستغل إنني كنت الأقرب لأبويا، ولا حسام رجع يطالب بحاجات قبل أوانها.

ولأول مرة من بداية الخلاف، بقينا بنتكلم من غير ما كل كلمة تتحول لمعركة.

### بعد مرور ستة أشهر…

في يوم جمعة، حسام اتصل بيا وقال:

— إيه رأيك نروح شقة أبويا النهارده؟

سألته:

— عايز تعمل إيه هناك؟

قال:

— عايز أشوف المكان. بقالي فترة طويلة ما دخلتوش، وحاسس إني محتاج أرجع له مرة من غير خناق ولا كلام عن الورث.

وافقت.

وصلنا الشقة بعد العصر، وفتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا.

أول ما دخلنا، وقف حسام في الصالة وبص حواليه.

كانت الترابيزة القديمة لسه مكانها، والساعة اللي أبويا كان بيضبطها كل يوم لسه معلقة على الحيطة، وألبومات الصور كانت موجودة في الدولاب.

حسام مشي ببطء لحد ما وصل للصورة اللي كانت بتجمعنا أنا وهو وأمي وأبويا في عيد ميلاد قديم.

شال الصورة من مكانها، ومسح التراب عن إطارها، وبعدها قال:

— فاكرة اليوم ده؟

ابتسمت وسط دموعي.

— أيوه. إنت يومها كنت زعلان عشان أبويا ما جابلكش الهدية اللي كنت عايزها.

ضحك حسام ضحكة خفيفة وقال:

— وفضلت أتكلم طول اليوم، لحد ما أمي قالت لي إني هتعبها معايا!

ضحكنا إحنا الاتنين، وللحظات حسيت إننا رجعنا أطفال تاني، وإن كل السنين اللي عدت ما قدرتش تمسح ذكرياتنا.

بعدها حسام رجع الصورة مكانها، وبص لي وقال:

— عارف يا منى، أنا كنت فاكر إن أكبر حاجة ممكن أخسرها بعد موت أبويا هي نصيبي في الشقة.

سألته:

— ودلوقتي رأيك إيه؟

رد وهو بيبص للصورة:

— اكتشفت إنني كنت ممكن أخسر أختي كمان، وده كان هيبقى أغلى بكتير من أي شقة.

ما رديتش، لكني حسيت إن قلبي أخيرًا بدأ يرتاح.

قعدنا شوية في الصالة، وحكينا عن أبويا وأمي، وعن الأيام اللي كنا بنتجمع فيها كلنا حوالين الترابيزة الصغيرة.

وقبل ما نمشي، حسام وقف قدام باب الشقة وقال:

— أبويا كان عنده حق. البيت فعلًا مش مجرد حيطان.

بصيت له وقلت:

— أيوه، البيت هو الناس اللي بيجمعهم، مش الحاجات اللي موجودة جواه.

خرجنا وقفلنا الباب، لكن المرة دي ما كانش المفتاح سببًا في خناق أو اتهامات.

كان مجرد مفتاح لباب مكان مليان ذكريات، علّمنا إننا مهما اختلفنا، لازم نفتكر إن فيه حاجات في حياتنا ما ينفعش نضيّعها وإحنا بنجري ورا أي مكسب.

ومن يومها، فهمت إن أبويا ما كانش بيحاول يحدد لنا قيمة الشقة وبس؛ كان بيحاول يعلّمنا إن الحق لازم يتاخد بالقانون، وإن المحبة ما ينفعش تتحول لطمع أو شك، وإن الاعتذار ممكن يكون بداية لإصلاح اللي اتكسر.

وأهم درس اتعلمته كان إننا ساعات بنكتشف قيمة الناس اللي حوالينا بعد ما نقرب نخسرهم، لكن لسه فيه فرصة نصلّح أخطاءنا قبل ما يبقى الوقت فات.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى