
الجزء الثاني والاخير
طلعت أوضتي وقفلت الباب ورايا بهدوء، بينما صوت محمود الشاذلي كان لسه واصل لي من الصالة، وهو بيتكلم بثقة وكأنه صاحب المكان والكل لازم يسمع كلامه.
سمعته بيقول لواحد من ضيوفه:
«أنا طول عمري بحب الانضباط، وعشان كده ما بطيقش الناس اللي عايشة من غير هدف. البنت دي محتاجة حد يشد عليها شوية.»
ضحكات خفيفة اتسمعت من الصالة، وبعدها صوت واحد من الرجالة قال:
«ربنا يهديها يا محمود.»
ابتسمت بسخرية وأنا بفتح الدولاب.
ما كنتش زعلانة من كلامه عني، ولا فارق معايا إنه بيحاول يقلل مني قدام الناس. أنا اتعلمت من شغلي إن الإنسان مش محتاج يثبت نفسه لكل شخص بيشكك فيه.
لكن اللي كان واجعني فعلًا هو أمي.
أمي اللي كانت زمان بتقف قدام أي حد علشان تدافع عني، بقت دلوقتي ساكتة وهي بتسمع جوزها يهين بنتها في بيتها.
كنت عايزة أفهم إيه اللي وصلها للحالة دي، وليه بقت خايفة منه بالشكل ده.
فتحت الدولاب وطلعت الزي العسكري الرسمي بتاعي.
فردته على السرير، وبدأت ألبسه بعناية.
ظبطت ياقة الزي، وثبتُّ الرتبة في مكانها، وبعدها وقفت قدام المراية.
لثواني، رجعت بذاكرتي لأول يوم دخلت فيه الكلية العسكرية.
فاكرة تعب التدريب، والليالي اللي كنت بقضيها في المذاكرة، والاختبارات الصعبة، والمرات اللي كنت برجع فيها منهكة، لكن أرفض أستسلم.
ما حدش اداني الرتبة دي هدية.
وما وصلتش للمكانة اللي أنا فيها علشان أتباهى بيها قدام الناس.
كل اللي حققته كان نتيجة سنين من الشغل والتضحية والالتزام.
وعلشان كده، كان مؤلم بالنسبة لي أشوف شخص زي محمود بيستخدم اسم الجيش علشان يخوّف الناس، بينما هو نفسه مش صادق معاهم.
بعد ما خلصت، بصيت لنفسي في المراية مرة أخيرة، وأخدت نفسًا عميقًا.
وبعدين فتحت الباب وخرجت.
—
في الصالة، كان محمود قاعد في صدر المجلس، وحواليه أربعة رجالة بملابس مدنية، بيتكلموا عن الجيش والخدمة العسكرية.
كان واضح إنه مستمتع جدًا بالاهتمام اللي بياخده.
أول ما شافني نازلة السلم، عقد حاجبيه، وبعدها وقف كلامه فجأة.
قال بصوت منخفض لكنه حاد:
«ليلى! إنتِ مش سامعة كلامي؟ أنا قلت لك تفضلي في المطبخ!»
ما رديتش.
كملت نزولي لحد ما وصلت للصالة، ووقفت على مسافة مناسبة من الضيوف.
واحد من الرجالة رفع عينه ناحيتي، وبمجرد ما شاف الزي والرتبة، اتغيرت ملامحه بالكامل.
قام من مكانه بسرعة، ووقف في وضع الانتباه، وصوته دوّى في الصالة:
«الكل انتباه!»
في لحظة واحدة، سكت الجميع.
محمود لف ناحيته باستغراب، وقال:
«إيه يا فندم؟ في إيه؟»
لكن الرجل ما ردش عليه.
كان واقف باحترام واضح، وعينيه ثابتة عليَّ.
وبعد لحظات، قال:
«سيادة الرائد ليلى منصور؟ حضرتك موجودة هنا؟»
أومأت برأسي وقلت بهدوء:
«مساء الخير يا فندم.»
الرجل ابتسم ابتسامة احترام، وقال:
«مساء النور يا سيادة الرائد. ما كنتش أعرف إن حضرتك موجودة في القاهرة.»
واحد من الضيوف التانيين قام هو كمان، وأدى التحية العسكرية، بينما محمود فضل واقف مكانه، بيبص من واحد للتاني وكأنه مش فاهم حاجة.
حاول يضحك علشان يخفف التوتر، وقال:
«استنوا بس يا جماعة! إنتوا تعرفوا البنت دي منين؟ دي بنت مراتى، ولسه بتدور على طريقها في الحياة!»
ما حدش ضحك.
الضابط اللي وقف أول واحد بص له بنظرة جادة وقال:
«بنت مراتك؟»
رد محمود بسرعة:
«أيوه، بنت مراتى. أنا اللي بربيها وبحاول أعلمها الانضباط.»
الرجل سكت لحظة، وبعدين قال:
«واضح إن حضرتك عندك معلومات ناقصة عن اللي بتتكلم عنها.»
ابتسامة محمود اختفت.
حاول يستعيد ثقته وقال:
«أنا خدمت في الجيش سنين طويلة يا فندم، وعارف كويس يعني إيه انضباط. أنا كنت كبير معلمين، وخرجت من الخدمة بعد تاريخ طويل من العمل العسكري.»
بص الضابط إلى الرتبة المثبتة على كتفي، ثم رجع بعينيه إلى محمود.
وقال بهدوء شديد:
«غريبة! لأن اللي أعرفه إن سيادة الرائد ليلى منصور ضابطة في المخابرات العسكرية، وليها تكليفات مهمة. والناس اللي في مجال عملها عارفين كويس إن الوصول للمكانة دي مش أمر بسيط.»
وقعت الكلمات على محمود كأن حد ضربه على رأسه.
بص لي، وبعدها بص للضابط، ثم رجع بص لي مرة تانية.
وقال بصوت متردد:
«مخابرات عسكرية؟!»
رديت بهدوء:
«أيوه يا محمود.»
حاول يضحك، لكن صوته خرج مهزوزًا:
«طيب، ما كنتِ تقوليلنا من الأول! إحنا أهل، ومفيش داعي للأسرار دي بينا.»
بصيت له مباشرة وقلت:
«أنا ما أخبيتش عنك حاجة تخصك. إنت اللي افترضت إني فاشلة من غير ما تسألني عن شغلي، وقررت تحكم عليَّ من نفسك.»
اتحرك في مكانه بتوتر، وقال:
«أنا كنت بحاول أساعدك! كنت عايز مصلحتك!»
سألته:
«بإنك تأمرني أقعد في المطبخ علشان ما أحرجكش قدام ضيوفك؟»
ما ردش.
كملت كلامي:
«ولا بإنك تقلل مني قدام أمي، وتتكلم عني وكأني واحدة مالهاش قيمة؟»
بدأ أحد الضيوف ينظر إلى محمود باستغراب واضح.
أما الرجل اللي وقف احترامًا لي، فكان لسه واقف في مكانه.
قال له:
«يا أستاذ محمود، مع كامل احترامي، حضرتك ما ينفعش تتكلم بالطريقة دي عن ضابط زميلة لينا، خصوصًا إنك مش عارف عنها أي حاجة.»
هنا محمود فقد أعصابه للحظة.
قال بعصبية:
«أنا مش محتاج حد يعلمني أتكلم إزاي في بيتي! وبعدين أنا خدمت في الجيش قبلكم كلكم!»
الرجل ما رفعش صوته، لكنه سأله سؤالًا واحدًا:
«حضرتك خدمت فين بالضبط؟ وفي أي وحدة؟»
اتجمد محمود في مكانه.
حاول يغير الموضوع وقال:
«إيه الأسئلة دي؟ إحنا قاعدين نشرب شاي ونتكلم، مش في تحقيق رسمي!»
لكن الضابط ما ابتسمش.
قال:
«إحنا اللي حضرتك دعوتنا علشان نتكلم عن الخدمة العسكرية، وإنت اللي قدمت نفسك باعتبارك صاحب رتبة كبيرة وخبرة طويلة. طبيعي نسألك عن تفاصيل كلامك.»
محمود بدأ يتلعثم.
ذكر اسم وحدة عسكرية، لكن لما سأله الرجل عن فترة خدمته فيها، ادعى إنه مش فاكر التواريخ بالضبط.
ولما سأله ضيف تاني عن اسم قائده المباشر، ذكر اسمًا لم يتعرف عليه أحد منهم.
حاول يبرر ارتباكه بأنه خدم من سنوات طويلة، وإن الذاكرة مش زي زمان.
لكن المشكلة إن كل إجابة كان بيقدمها كانت بتفتح بابًا جديدًا للأسئلة.
وأنا كنت واقفة أراقب المشهد في صمت.
ما كنتش محتاجة أحرجه بنفسي.
هو اللي بنى صورته قدام الناس على كلام كبير، ودلوقتي كان مطالبًا إنه يثبت إن الكلام ده حقيقي.
وفجأة، الضابط الأول بص له وقال:
«يا أستاذ محمود، أنا عندي سؤال أخير. حضرتك قلت إنك خرجت من الخدمة برتبة كبير معلمين، صح؟»
رد محمود بسرعة:
«أيوه، طبعًا.»
قال الرجل:
«طيب، معاك أي مستند يثبت رتبتك أو مدة خدمتك؟ شهادة إنهاء الخدمة مثلًا؟»
محمود سكت.
وبعد ثوانٍ قال:
«الأوراق دي مش معايا دلوقتي.»
الضابط هز رأسه، وبعدها قال:
«تمام. يبقى الأفضل إننا ما نخلطش بين الحكايات الشخصية والحقائق الرسمية.»
ثم التفت ناحيتي وقال باحترام:
«سيادة الرائد، أتمنى ما تكونيش اتضايقتي من الموقف.»
قلت:
«أنا مش متضايقة من حضرتك. بالعكس، أنا مقدرة احترامك.»
وبعدها أضفت:
«لكن عندي سؤال أهم من كل الكلام اللي اتقال هنا.»
التفت الجميع ناحيتي.
بصيت إلى أمي، اللي كانت واقفة عند مدخل الصالة، وقلت:
«ماما، ممكن تقعدي معانا شوية؟ أنا محتاجة أتكلم معاكي.»
أمي قربت بخطوات مترددة، وقعدت على طرف الكنبة.
محمود حاول يتدخل:
«مش وقته الكلام ده يا ليلى. إحنا عندنا ضيوف.»
بصيت له وقلت:
«إنت بنفسك جمعتنا كلنا هنا علشان تتكلم عن الانضباط والاحترام. يبقى خلينا نتكلم بصراحة.»
ثم التفت إلى أمي وسألتها:
«ماما، إنتِ خايفة من محمود؟»
السؤال نزل على الصالة كلها كالصاعقة.
أمي رفعت عينيها ليا، لكن شفايفها فضلت مقفولة.
محمود وقف فجأة وقال بعصبية:
«إيه الكلام الفارغ ده؟! دي مراتي، وبيتي، ومحدش له دعوة بعلاقتنا!»
لكن أمي، ولأول مرة من وقت طويل، رفعت رأسها وبصت له مباشرة.
وقالت بصوت ضعيف في البداية:
«أنا مش عايزة مشاكل يا محمود.»
رد عليها بعصبية:
«يبقى ما تتكلميش!»
في اللحظة دي، شفت أمي بتترعش.
مش من البرد.
من الخوف.
والحاجة دي خلتني أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد راجل بيحب يفرض رأيه في البيت.
قمت من مكاني، وقربت منها، ومسكت إيدها.
وقلت بهدوء:
«إنتِ مش لوحدك يا ماما. ومش لازم تخافي من الكلام.»
عينيها اتمَلَت بالدموع.
أما محمود، فكان واقف في نص الصالة، ووشه بدأ يحمر من الغضب والإحراج.
قال:
«إنتوا كلكم فاهمين الموضوع غلط! أنا اللي شايل البيت ده، وأنا اللي بصرف، ومن حقي يكون ليا كلمة مسموعة!»
سألته:
«وحقك ده يشمل إنك تمنع أمي من الكلام؟ أو تخليها تخاف منك؟»
ما ردش.
وفي اللحظة دي، واحد من الضيوف أخرج موبايله، وبص إلى محمود بجدية.
قال:
«يا أستاذ محمود، فيه حاجات في كلامك الليلة دي محتاجة تتراجع. وإحنا مش هنقدر نتجاهل أي ادعاءات عن الخدمة العسكرية من غير ما تكون واضحة.»
محمود بص له بقلق:
«تقصد إيه؟»
الرجل رد:
«أقصد إن الأفضل إنك توقف الكلام عن الرتب والخدمة لحد ما يكون عندك ما يثبت اللي بتقوله.»
وبعدين حصل شيء ما كانش محمود متوقعه.
أمي شدت على إيدي، وبدأت تتكلم، رغم إن صوتها كان بيرتعش.
قالت:
«ليلى… فيه حاجة لازم تعرفيها.»
بصيت لها وقلت:
«قولي يا ماما، أنا سامعاكي.»
أخدت نفسًا طويلًا، وبصت ناحية محمود، ثم رجعت بصت لي.
وقالت:
«محمود مش بس كان بيحكي حكايات عن الجيش. هو كمان كان بيخليني أمضي على أوراق من غير ما أفهم كل تفاصيلها، وكان دايمًا يقول لي إنها إجراءات عادية تخص البيت.»
محمود اندفع ناحيتها وقال:
«إنتِ بتقولي إيه؟!»
لكن أمي كملت، وكأنها أخيرًا قررت إنها مش هتسكت تاني.
«ومن فترة، اكتشفت إن فيه أوراق تخص البيت اتغيرت، وإن فيه معاملات أنا ما كنتش فاهمة حقيقتها. ولما سألته، زعق لي وقال إن دي أمور أكبر مني، وإن المفروض أثق فيه من غير أسئلة.»
حسيت إن قلبي اتقبض.
البيت ده مش مجرد جدران بالنسبة لأمي.
ده البيت اللي عاشت فيه سنين طويلة مع أبويا، والذكريات اللي عمرها ما قدرت تتخلى عنها.
بصيت لمحمود وسألته:
«إيه هي الأوراق اللي ماما بتتكلم عنها؟»
رد بعصبية:
«دي أمور عائلية، ومش من حق حد يتدخل فيها!»
قلت له:
«لو الأوراق دي سليمة، مفيش سبب يخليك خايف إننا نراجعها.»
حاول يرد، لكنه ما لقاش كلامًا مناسبًا.
ثم قال بنبرة تهديد:
«إنتِ فاكرة إن الزي اللي لابساه ده يخليكي تقدري تعملي اللي إنتِ عايزاه؟»
بصيت له بثبات وقلت:
«الزي ده مش وسيلة علشان أفرض رأيي عليك يا محمود. لكنه كمان مش حاجة هسمح لك تستخدمها علشان تخوّفني أو تخوّف أمي.»
سكتُّ لحظة، ثم أضفت:
«من بكرة، هنراجع كل ورقة تخص البيت عن طريق محامٍ مستقل، وهنعرف بالضبط إيه اللي اتغير وإمتى وليه. ولو فيه أي تصرف غير قانوني، هنتعامل معاه بالطريقة القانونية الصحيحة.»
محمود بص لي بصدمة.
كان متوقع إني أصرخ، أو أهدده، أو أستغل رتبتي علشان أضغط عليه.
لكنه ما كانش فاهم إن اللي أنا بطلبه بسيط جدًا:
الحقيقة.
وفي اللحظة دي، واحد من الضيوف وقف وقال إنه الأفضل ينهي الزيارة لحد ما الأمور تهدأ.
وبعده وقف الضيوف الباقيين.
قبل ما الضابط الأول يمشي، قرب مني وقال بصوت منخفض:
«سيادة الرائد، لو احتجتي أي توضيح رسمي بخصوص ادعاءات الخدمة العسكرية اللي اتقالت هنا، الأفضل يكون كل شيء من خلال الجهات المختصة، وبالمستندات.»
أومأت برأسي وقلت:
«ده اللي هنعمله.»
خرج الضيوف واحدًا وراء التاني، وبمجرد ما الباب اتقفل، الصالة غرقت في صمت ثقيل.
محمود فضل واقف مكانه، بيبص لي بعيون مليانة غضب وارتباك.
ثم قال بصوت منخفض:
«إنتِ كده خربتي بيتي.»
رديت عليه بهدوء:
«أنا ما خربتش حاجة. أنا بس طلبت إن محدش يخوف أمي، وإن الحقيقة تبقى واضحة.»
لفيت ناحية أمي، لقيتها بتعيط في صمت.
حضنتها، وفضلت واقفة معاها لحد ما بدأت تهدى.
لكن قبل ما نتحرك من مكاننا، أمي رفعت رأسها فجأة وقالت:
«ليلى، فيه حاجة تانية… حاجة أخطر من موضوع الأوراق.»
بصيت لها بقلق.




