روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
خرجت من بيت أمي وأنا ماسكة إيد سلمى، وورايا صوت كريم وهو بيزعق:

«دينا! إنتِ رايحة فين؟ إنتِ مش معقول هتسيبي العيلة كلها ليلة العيد عشان أوضة!»

ما رديتش عليه.

كنت عارفة إن أي كلمة هقولها هتتحول لمناقشة طويلة، وفي النهاية هيطلعوني أنا الغلطانة، وأنا مش مستعدة أضيّع دقيقة واحدة من راحة بنتي في الجدال معاهم.

ركّبت سلمى العربية، وربطت لها حزام الأمان، وبعدها حطيت شنطتنا في صندوق العربية.

طول الطريق، كانت ساكتة.

بصيت لها من المراية وسألتها:
«مالك يا حبيبتي؟»

هزّت راسها وقالت:
«مفيش يا ماما.»

لكن أنا عارفة بنتي. كنت شايفة الحزن في عينيها، وعارفة إن اللي حصل وجعها أكتر مما بتحاول تبيّن.

مدّيت إيدي ومسكت إيدها للحظة، وقلت لها:
«بصي يا سلمى، عايزاكي تفهمي حاجة مهمة جدًا. إنتِ مش أقل من أي حد، ومش مطلوب منك أبدًا تقبلي الإهانة عشان ترضي الناس، حتى لو كانوا من عيلتنا.»

بصت لي وسألتني بصوت متردد:
«يعني إحنا مش هنرجع عند تيتة؟»

ابتسمت وقلت:
«مش الليلة يا حبيبتي. الليلة دي لينا إحنا الاتنين.»

وبعد حوالي أربعين دقيقة، وصلنا لواحد من أفخم المنتجعات في المنطقة.

كان المكان متزين بأضواء العيد، وشجرة ضخمة واقفة في مدخل الفندق، والموظفون بيرحبوا بالضيوف بابتسامة. من الشبابيك الزجاجية الكبيرة، كنا شايفين حمام السباحة المُدفأ، والبخار طالع منه وسط الجو البارد.

سلمى فتحت عينيها بدهشة وقالت:
«ماما… إحنا هنقعد هنا بجد؟»

ضحكت وقلت:
«أيوه يا روحي. الليلة دي إنتِ الأميرة، وكل حاجة هنعملها هتبقى عشانك.»

حجزت جناحًا فاخرًا بإطلالة على حمام السباحة، وكان سعر الليلة 1200 دولار.

عارفة إن المبلغ كبير، لكن في اللحظة دي ما كانش الموضوع بالنسبة لي مجرد فلوس أو رفاهية.

كنت عايزة بنتي تفهم إن ليلة العيد مش لازم تكون مليانة توتر وزعل، وإنها تستحق مكانًا دافئًا وآمنًا، وسط ناس بيحبوها ويحترموها.

أول ما دخلنا الجناح، سلمى جريت ناحية السرير الكبير، ورمت نفسها عليه وهي بتضحك.

«يا ماما! السرير ده أكبر من سريرنا بكتير!»

ضحكت معاها، وبعدها طلبنا عشاءً مميزًا، وجهزنا نفسنا لقضاء ليلة مختلفة تمامًا عن اللي كانوا مخططينها لنا.

لكن أجمل لحظة كانت لما سلمى فتحت الهدايا اللي كنت مخبياها لها.

كان فيه كتاب كانت نفسها تشتريه من شهور، وسماعات جديدة، ومجموعة أدوات رسم كانت بتتكلم عنها كل يوم تقريبًا.

وأخيرًا، قدمت لها علبة صغيرة.

فتحتها ببطء، ولما شافت السلسلة الفضية الرقيقة اللي عليها حرف اسمها، رفعت عينيها ناحيتي.

«دي ليا أنا؟»

قلت لها:
«طبعًا يا حبيبتي. عشان تفتكري دايمًا إنك غالية، وإن محدش يقدر يقلل من قيمتك.»

حضنتني بقوة، وقالت:
«دي أحلى ليلة عيد في حياتي يا ماما.»

في اللحظة دي، حسيت إن كل جنيه دفعته كان يستاهل.

بعد شوية، نزلنا ناحية حمام السباحة المُدفأ. كانت سلمى لابسة روبًا شتويًا أبيض، وشعرها مربوط، ووشها منوّر بالفرحة.

طلعت موبايلي، والتقطت لها صورة وهي قاعدة جنب حمام السباحة، وعلبة الهدايا جنبها، والأضواء بتنعكس على المياه وراها.

الصورة كانت جميلة بشكل يخطف القلب.

نشرتها على حسابي، وكتبت تحتها:

«أحيانًا أجمل هدية ممكن تقدميها لطفلك هي إنك تختاري راحته وسعادته، حتى لو اضطرّيتي تغيّري كل خططك. بنتي تستحق الحب والاحترام، ودي أهم حاجة عندي. عيد سعيد لكل الناس اللي اختارت السلام بدل الجدال، وراحة أطفالها قبل إرضاء الآخرين.»

ما ذكرتش اسم أمي، ولا كريم، ولا كتبت كلمة واحدة تهاجمهم.

لكن ما كنتش أعرف إن الصورة دي هتكون بداية ليلة طويلة جدًا بالنسبة لهم.

—

بعد حوالي عشر دقايق، بدأ موبايلي يهتز.

رسالة من أمي.

«إنتِ فين يا دينا؟»

ما رديتش.

بعدها رسالة من كريم:

«إنتِ بتهزري؟ الناس وصلت، والعشاء جاهز، وإنتِ اختفيتي!»

وبعدين رسالة تانية:

«ارجعي فورًا. مش معقول تعملي فينا كده قدام الضيوف.»

قرأت الرسائل وقفلت الشاشة.

أنا ما اختفيتش. أنا قلت لهم بوضوح إني مش هقضي الليلة هناك.

لكنهم كانوا متوقعين إني أرجع عن قراري بمجرد ما يرفعوا صوتهم.

بعدها اتصلت أمي.

رفضت المكالمة.

اتصل كريم.

رفضت المكالمة برضه.

ثم وصلتني رسالة صوتية من أمي، صوتها فيها كان غاضبًا بشكل ما سمعتوش منها قبل كده:

«دينا، إنتِ لازم تفهمي إن اللي عملتيه ده عيب! إزاي تسيبي بيت أمك ليلة العيد وتروحي فندق؟ الناس هتقول علينا إيه؟ ارجعي حالًا، وإلا متلوميش غير نفسك على اللي هيحصل!»

سمعت الرسالة للنهاية، وبعدها مسحتها من غير رد.

سلمى كانت قاعدة جنبي، ولاحظت إن موبايلي مش بيبطل اهتزاز.

سألتني:
«ماما، هما زعلانين عشان مشينا؟»

قلت لها:
«هما زعلانين عشان إحنا خدنا قرار بنفسنا، يا حبيبتي. وده مش معناه إن قرارنا غلط.»

سكتت شوية، وبعدين سألتني سؤالًا خلاني أحس بغصة في حلقي:

«هو أنا فعلًا كنت هنام في الجراج لو ما كنتيش معايا؟»

حطيت الموبايل على الترابيزة، ولفيت ناحيتها بالكامل.

«اسمعيني كويس يا سلمى. إنتِ مش مسؤولة عن تصرفات الكبار، ومش مطلوب منك تتحملي معاملة مش كويسة عشان تحافظي على شكل العيلة قدام الناس. أنا أمك، ومسؤوليتي إني أحميكي وأعلمك إن احترامك لنفسك مهم.»

حضنتني تاني، وبعدها رجعت تضحك وهي بتحكي لي عن الهدية اللي عجبتها أكتر.

في اللحظة دي، قررت أقفل الموبايل وأقضي بقية الليلة معاها.

لكن قبل ما أقفله، ظهرت رسالة جديدة من كريم.

كانت مختلفة عن كل الرسائل اللي بعتها قبل كده.

كتب:

«دينا، إنتِ فاهمة غلط. الموضوع مش مجرد أوضة. فيه حاجة لازم تعرفيها، وأمي مش عايزاكي تعرفيها دلوقتي. اتصلي بيا فورًا.»

فضلت باصة للشاشة.

إيه الحاجة اللي أمي مش عايزاني أعرفها؟

وليه كريم، اللي كان من شوية شايف إن نوم بنتي في الجراج مجرد مسألة تنظيم للمساحات، غيّر كلامه فجأة؟

قبل ما أقدر أفكر في الموضوع، الموبايل رن من جديد.

أمي.

المرة دي رديت.

ما لحقتش أقول ألو، حتى سمعتها بتتكلم بسرعة وصوتها بيرتعش:

«دينا، اسمعيني للآخر. لازم ترجعي البيت دلوقتي. الموضوع خرج عن السيطرة، وكريم قال كلام ما كانش المفروض يقوله قدام نادين.»

سألتها بهدوء:
«إيه اللي حصل يا ماما؟»

سكتت لحظة، وبعدها قالت جملة خلتني أعتدل في قعدتي:

«نادين شافت الصورة اللي نشرتيها، وسألت كريم ليه بنت أخته ما نامتش في أوضة الضيوف. ولما حاول يبرر لها، اكتشفت إن فيه حاجة كبيرة إحنا كنا مخبيينها عنك.»

قلبي بدأ يدق بسرعة.

«إيه هي الحاجة دي؟»

لكن أمي ما جاوبتش.

سمعت صوت كريم في الخلفية بيقول لها بعصبية:
«اقفلي التليفون يا ماما! ما تقوليلهاش حاجة!»

وبعدها انقطع الاتصال.

فضلت ماسكة الموبايل، وباصّة للشاشة، وأنا بحاول أفهم إيه اللي ممكن يكون حصل في أقل من ساعة.

وبعدين بدأت المكالمات تتوالى بشكل جنوني.

كريم اتصل مرة، واثنين، وعشرة.

أمي بعتت رسائل متتالية، وبعدها اتصلت خالتي، ثم عمي، ثم رقم غريب ما أعرفوش.

ما رديتش على حد.

حطيت الموبايل على وضع الصامت، ورجعت لسلمى.

لكن في صباح اليوم التالي، لما فتحت هاتفي، اتجمدت مكاني.

114 مكالمة فائتة!

وبين المكالمات، كانت فيه رسالة من رقم غريب، مكتوب فيها:

«أنا نادين، خطيبة كريم. لازم نتكلم. اللي حصل امبارح خلاني أعرف حقيقة عيلتكم، وفيه سر يخصك إنتِ وبنتك لازم تعرفيه قبل ما تتخذي أي قرار تاني.»

فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ السطور اللي بعدها…

وفي اللحظة دي، فهمت إن حكاية أوضة الضيوف والجراج كانت مجرد بداية لحاجة أكبر بكتير مما تخيلت.

لأن السر اللي كانت نادين بتتكلم عنه، ما كانش متعلق بكريم وحده… كان متعلقًا بقرار قديم اتخذته أمي من غير ما تعرفني، ونتائجه كانت هتغيّر علاقتي بالعيلة كلها إلى الأبد.
فضلت باصة لرسالة نادين، وأنا مش قادرة أفهم إيه اللي ممكن يكون حصل في الساعات القليلة اللي فاتت.

اتصلت بيها فورًا.

ردت بعد الرنة التانية، وكان واضح من صوتها إنها عيطت كتير.

قالت:
«دينا، أنا آسفة جدًا على اللي حصل لبنتك امبارح. أنا ما كنتش أعرف إنهم هيحطوها في الجراج. كريم قال لي إن أوضة الضيوف مجهزة لينا إحنا الاتنين، وإن بنتك هتنام في أوضة تانية جوه البيت.»

سألتها:
«طيب، إيه اللي اكتشفتيه؟ وليه أمي كانت مرعوبة لما كلمتني؟»

أخدت نفسًا طويلًا، وبعدين قالت:

«بعد ما شفت الصورة اللي نشرتيها، سألت كريم ليه خلاكي تمشي بدل ما يسيب أوضة الضيوف لسلمى. في البداية، اتعصب وقال إنك بتحبي تعملي مشاكل وإنك بتستخدمي بنتك عشان تحرجي العيلة.»

سكتت لحظة، ثم أكملت:

«لكن لما أصرّيت أعرف الحقيقة، قال لي إنك أصلًا مش من حقك تتصرفي بالطريقة دي في البيت، وإنك مدينة للعيلة بفلوس كتير.»

حسيت إن قلبي وقف للحظة.

«فلوس إيه؟ أنا مش مدينة لحد بأي حاجة!»

قالت نادين:
«أنا عارفة. وده اللي خلاني أضغط عليه أكتر. في الآخر، اعترف إن والدتك كانت بتحوش جزءًا من الفلوس اللي والدك سابها لك بعد وفاته، وإن فيه اتفاق قديم بينهم محدش قال لك عليه.»

حسيت ببرودة تسري في جسمي.

والدي توفي من سبع سنين، وساب لي مبلغًا من المال، بالإضافة إلى نصيبي في عقار صغير كان يمتلكه قبل وفاته.

وقتها، أمي قالت لي إنها هتساعدني أخلص الإجراءات القانونية، وإن كل حاجة هتكون باسمي.

أنا وثقت فيها.

ما كنتش أعرف إن فيه أي اتفاق سري.

سألت نادين:
«كريم قال لك إيه بالضبط؟»

ردت:
«قال إن والدتك استخدمت جزءًا من فلوسك في مصاريف البيت، وإنها كانت بتعتبر ده حقها لأنها أمك. وبعدها قال إنك لو عرفتي، هتطلبي حسابًا عن كل جنيه، وإنه مش عايز الموضوع ينفتح.»

غمضت عيني للحظة.

ما كانش وجعي بسبب الفلوس وحدها.

كان بسبب إن أمي، اللي كنت بروح لها كل ما الدنيا تضيق بيا، ممكن تكون أخفت عني شيئًا مهمًا بالشكل ده.

قلت لنادين:
«شكرًا إنك كلمتيني. لكن أنا محتاجة أسمع الكلام ده منها هي.»

ردت بهدوء:
«ده حقك. وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا قررت أوقف موضوع الجواز لحد ما أفهم أنا داخلة على إيه. مش عايزة أبني حياتي مع شخص بيبرر إهانة طفلة، وبعدها يحاول يضغط على أهلها عشان يسكتوا.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى