روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
الجزء قبل الأخير:

وقفت في منتصف القاعة، وعيناي معلقتان بالورقة التي وضعها الجنرال أمامي.

كان اسمي مكتوبًا بوضوح في أعلى الصفحة، وتحته توقيع يشبه توقيعي إلى حد كبير.

لكنني كنت متأكدة من شيء واحد.

أنا لم أوقّع على هذه الورقة أبدًا.

رفعت رأسي نحو الجنرال وقلت:
«حضرتك، أنا محتاجة أعرف الورقة دي خاصة بإيه، لأنني أول مرة أشوفها في حياتي.»

أومأ برأسه، ثم قال بصوت حازم:
«المستند ده اتقدم باسمك منذ عدة أشهر، وبيحتوي على بيانات مرتبطة بملفك العسكري. المشكلة إن التوقيع الموجود عليه يثير شكوكًا جدية، وفيه معلومات لازم نتأكد من صحتها.»

شعرت بأن أنفاسي أصبحت أثقل.

لم أكن خائفة على نفسي فقط، بل كنت غاضبة لأن شخصًا ما تجرأ على استخدام اسمي وبياناتي الرسمية بينما كنت أقوم بواجبي بعيدًا عن المنزل.

سألته:
«مين اللي قدم المستند؟»

نظر الجنرال إلى أحد الضباط، فأخرج الأخير ورقة أخرى من الملف.

ثم أجاب الجنرال:
«الطلب اتقدم من خلال جهة مدنية، لكن البيانات المستخدمة فيه مرتبطة بعنوان عائلتك، وفيه مراسلات تشير إلى إن الشخص اللي قدمه كان على تواصل مع أختك.»

في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

التفتُّ نحو سالي.

كانت واقفة بالقرب من المنصة، ويداها ترتجفان، بينما تحاول الحفاظ على ابتسامة مصطنعة أمام الحاضرين.

قلت بصوت لم أستطع السيطرة عليه:
«سالي، إيه اللي بيحصل؟ إنتِ استخدمتي اسمي في إيه؟»

ردت بسرعة:
«أنا معرفش حاجة عن الورقة دي! واضح إن فيه حد بيحاول يورطني!»

لكن الجنرال لم يمنحها الفرصة لمواصلة الإنكار.

قال بهدوء:
«لسه محدش اتهمك بحاجة. إحنا بنراجع الوقائع، وكل شخص له فرصة يوضح موقفه. لكن فيه مستندات تانية لازم تتراجع.»

ثم أشار إلى الضابط الذي يقف بجواره.

فتح الضابط الملف وأخرج مجموعة من الأوراق، ووضعها على الطاولة أمامي.

كانت هناك نسخ من مراسلات رسمية، وطلبات تحمل بياناتي، وصور من مستندات تخص خدمتي العسكرية.

وبين تلك الأوراق، وجدت شيئًا جعل قلبي ينقبض.

كانت هناك رسالة إلكترونية مرسلة من حساب سالي، تتحدث فيها عن خطابات ترقيتي.

قرأت السطور الأولى، ثم شعرت بالغضب يشتعل بداخلي.

كانت الرسالة تقول إنني لم أحصل على أي ترقية، وإن الخطابات التي وصلت إلى المنزل لا تستحق أن يطلع عليها أحد.

وفي نهاية الرسالة، كتبت سالي أنها ستتولى «التعامل مع الموضوع» حتى لا تتسبب عودتي في مشكلات للعائلة.

رفعت رأسي ببطء.

«إنتِ كتبتي الكلام ده؟»

لم تجب.

اقتربت أمي من الطاولة، وأخذت تنظر إلى الأوراق بارتباك.

قالت بصوت مرتعش:
«سالي، قولي إن الكلام ده مش حقيقي.»

لكن سالي انفجرت فجأة:
«إنتوا كلكم مصدقينها ليه؟! هي طول عمرها بتحاول تبان أحسن مني! كل ما أحقق حاجة، لازم تظهر وتخطف الأضواء مني!»

ساد الصمت في القاعة.

لم أصدق ما أسمعه.

حتى في هذه اللحظة، وبعد أن ظهرت المستندات أمام الجميع، كانت لا تزال تتحدث وكأنني أنا من ظلمتها.

نظرت إليها وقلت:
«أنا كنت في مهمة عسكرية لمدة أربعة عشر شهرًا. كنت بشتغل ليل ونهار، وبحاول أرجع سالمة. إنتِ كنتِ عارفة إن فيه خطابات رسمية باسمي، ومع ذلك أخفيتيها، ولما رجعتِ واجهتيني بكلام عن حالتي النفسية علشان محدش يصدقني.»

صرخت:
«أنا كنت بحاول أحمي العيلة!»

سألتها:
«تحمينا من إيه؟ من نجاحي؟»

لم تستطع الرد.

تدخل أبي أخيرًا، لكنه لم ينظر إليَّ.

قال للجنرال:
«يا فندم، دي مشكلة عائلية، وممكن نحلها في البيت بعيدًا عن الناس.»

التفت إليه الجنرال بجدية.

«مع كامل احترامي، استخدام مستندات رسمية أو تقديم بيانات غير صحيحة مش مجرد خلاف عائلي. لازم نراجع كل التفاصيل قبل ما نحدد المسؤولية.»

ثم أضاف:
«وحفل التكريم ده مش المكان المناسب للتحقيق، لكن بما إن المستندات ظهرت هنا، فالإجراءات الرسمية هتستمر من خلال الجهات المختصة.»

شعرت بالارتياح قليلًا.

لأول مرة منذ عودتي، كان هناك شخص ينظر إلى الوقائع بدلًا من الاكتفاء بسماع رواية سالي.

لكن المفاجأة لم تكن قد انتهت.

أخرج الجنرال مستندًا أخيرًا من الملف، ثم نظر إليَّ مباشرة.

«النقيب مريم، فيه نقطة لازم تعرفيها. أثناء مراجعة المراسلات، ظهر إن فيه طلبًا آخر اتقدم باستخدام بياناتك، والطلب ده لا يتعلق بترقيتك العسكرية فقط.»

تجمدت في مكاني.

«طلب إيه؟»

تبادل الضابط والجنرال نظرة سريعة.

ثم قال الجنرال:
«الطلب مرتبط بمستندات مالية وتفويضات إدارية، وبعض البيانات الواردة فيه لا تتطابق مع سجلاتك الرسمية. إحنا لسه بنتحقق من مصدرها، لكن وجود اسمك فيه يستدعي مراجعة دقيقة.»

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

لم يكن لديَّ أي تفويضات مالية تخص عملي العسكري، ولم أسمح لأحد باستخدام بياناتي في أي معاملات.

نظرت إلى سالي.

هذه المرة، لم تحاول الإنكار على الفور.

بل خفضت رأسها، وأخذت تحرك أصابعها بعصبية.

كانت تلك الحركة كافية لتجعلني أدرك أن هناك شيئًا لم تقله بعد.

اقتربت منها وسألتها:
«إنتِ عملتي إيه بالضبط؟»

رفعت عينيها نحوي، وكانت الدموع قد بدأت تتجمع فيهما.

«مريم، اسمعيني بس… أنا مكنتش أقصد إن الموضوع يوصل لكده.»

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

فالجملة التي قالتها لم تكن نفيًا.

كانت اعترافًا بأن هناك شيئًا حدث بالفعل.

قلت ببطء:
«يعني إنتِ عارفة موضوع التفويضات؟»

بدأت تبكي.

«أنا كنت محتاجة مساعدة، وكل الناس كانت بتقول إنك ناجحة وعندك مستقبل كبير. كنت حاسة إني طول الوقت في ضلك، وإن محدش شايفني.»

نظرت إليها في ذهول.

«وده خلاكي تستخدمي اسمي؟»

هزت رأسها، ثم أسرعت تقول:
«أنا مكنتش عايزة أأذيكي! كنت فاكرة إن الموضوع بسيط، وإن كل حاجة هتتحل قبل ما ترجعي.»

سألتها:
«إيه اللي كنتِ بتحاولي تحليه؟»

لكنها لم تجب.

تدخل الجنرال قائلًا:
«هنحتاج نسمع أقوالك بالتفصيل من خلال الإجراءات الرسمية. وأي مستندات أو مراسلات إضافية لازم تتقدم للجهات المختصة.»

ثم التفت إليَّ وقال:
«النقيب مريم، المطلوب منك حاليًا إنك تحتفظي بكل الأدلة الموجودة عندك، وما تتخليش عن أي مستند أصلي. هنراجع كل ما يتعلق بملفك، وهنحدد إيه اللي حصل بالضبط.»

أومأت برأسي.

كنت أشعر بالإرهاق، لكنني لم أعد أشعر بالعجز.

لقد بدأت الحقيقة تظهر، ورغم أنني لم أكن أعرف حجم ما فعلته سالي، فإنني كنت مصممة على الوصول إلى النهاية.

انتهى الحفل دون أن تتسلم سالي تكريمها كما كانت تتوقع.

غادر الحاضرون القاعة وهم يتبادلون الأسئلة والنظرات، بينما جلست أمي على أحد المقاعد، ووضعت يديها على وجهها.

أما أبي، فوقف بجوارها صامتًا.

اقتربت مني أمي بعد أن هدأت القاعة قليلًا.

قالت بصوت مكسور:
«مريم، أنا آسفة. أنا صدقتها لما قالت إنك بتتخيلي موضوع الترقية، وإنك رجعتي من السفر متغيرة ومش قادرة تفرقي بين الحقيقة والخيال.»

نظرت إليها طويلًا.

ثم سألتها:
«ولما لقيتي الخطابات ممزقة، مسألتيش نفسك مين اللي عمل كده؟»

لم تستطع النظر في عيني.

«سالي قالت إنها أوراق قديمة ومش مهمة.»

أغمضت عيني للحظة.

حتى أمي، التي كان من المفترض أن تعرفني أكثر من أي شخص آخر، اختارت تصديق الرواية الأسهل بدلًا من أن تسألني عن الحقيقة.

قلت بهدوء:
«أنا مش قادرة أسامحكم دلوقتي. محتاجة وقت أفهم إزاي كل ده حصل.»

ثم حملت حقيبتي وغادرت القاعة.

في طريق العودة، كان هاتفي يهتز باستمرار.

رسائل من أقارب، ومكالمات من أرقام لا أعرفها، وأسئلة عن سبب توقف حفل سالي.

لم أرد على أحد.

وصلت إلى المنزل، ودخلت غرفتي، ثم أغلقت الباب.

أخرجت الصور التي احتفظت بها، وراجعت كل ما جمعته من أدلة.

وبينما كنت أرتب الأوراق، لاحظت تفصيلًا لم أنتبه إليه من قبل.

كان هناك رقم مرجعي على أحد المستندات، وبجواره تاريخ يعود إلى فترة كنت فيها خارج البلاد.

بحثت في سجلاتي الشخصية عن الرقم، لكنني لم أجد له أي صلة بعملي.

ثم تذكرت رسالة قديمة أرسلتها إليَّ سالي قبل أشهر، تطلب فيها صورة من بطاقة هويتي بحجة إنهاء بعض الإجراءات العائلية.

كنت قد أرسلتها إليها وقتها دون تردد.

أعدت فتح المحادثة، وبدأت أراجع الرسائل التي تلتها.

وفي رسالة لاحقة، كتبت سالي جملة بدت عادية وقتها:

«متقلقيش، أنا هتصرف في كل حاجة، وإنتِ كملي شغلك.»

لكنني الآن قرأتها بطريقة مختلفة تمامًا.

لم تكن مجرد رسالة من أخت قلقة على أختها.

ربما كانت دليلًا على أنها كانت تخطط لشيء منذ البداية.

وفي تلك اللحظة، وصلني اتصال من رقم رسمي.

أجبت فورًا.

كان أحد الضباط الذين حضروا الحفل.

قال:
«مساء الخير يا فندم. إحنا محتاجين نتأكد من معلومة ظهرت أثناء مراجعة المستندات. هل سبق ووافقتِ على منح أي شخص من أفراد عائلتك تفويضًا باستخدام بياناتك الرسمية خلال فترة وجودك خارج البلاد؟»

أجبته دون تردد:
«لا. مطلقًا.»

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:
«تمام. لأننا لقينا مستندًا آخر، والتوقيع الموجود عليه يشبه توقيعك، لكن فيه معلومات لا تتفق مع سجلاتك.»

شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبي.

«والمستند ده بيقول إيه؟»

قال الضابط:
«مش هقدر أديك تفاصيل كاملة قبل استكمال المراجعة، لكن فيه اسم شخص آخر مرتبط بالطلب، وشخص يبدو إنه كان على علم باستخدام بياناتك.»

سألته:
«مين الشخص ده؟»

جاءني الرد الذي لم أكن مستعدة لسماعه.

«الاسم الموجود في المستند هو اسم والدك.»

سقط الهاتف تقريبًا من يدي.

أبي؟

الرجل الذي ظل صامتًا طوال الوقت؟

الرجل الذي تجنب النظر إليَّ عندما واجهت سالي؟

هل كان يعرف أكثر مما أظهر؟

هل كان مجرد شخص صدق روايتها، أم أنه ساعدها في شيء لم أكن أعرف عنه شيئًا؟

أغلقت المكالمة بعد أن أخبرني الضابط أنهم سيتواصلون معي مجددًا، ثم جلست على حافة السرير، عاجزة عن التفكير.

كنت أظن أنني أعرف من أخفى خطابات ترقيتي.

لكنني بدأت أشك أنني لا أعرف الحقيقة الكاملة عن عائلتي.

وبينما كنت أحاول استيعاب ما حدث، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتي.

كان أبي.

فتح الباب قليلًا، ثم دخل وأغلقه خلفه.

لم يقترب مني.

وقف في منتصف الغرفة، ووجهه شاحب، ويداه ترتجفان.

قال بصوت منخفض:

«مريم، قبل ما تعرفي أي حاجة تانية من الناس، لازم تسمعيني.»

رفعت رأسي نحوه.

«أسمعك في إيه يا بابا؟»

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال:

«أنا كنت عارف إن الخطابات وصلت البيت.»

شعرت وكأن أحدهم صفعني.

لكنه لم ينتهِ.

أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا، ووضعه فوق الطاولة.

ثم أضاف بصوت متهدج:

«وفيه حاجة تانية مخبيها من يوم ما سافرتي… حاجة لو عرفتيها، ممكن متسامحينيش أبدًا.»

نظرت إلى المفتاح، ثم إلى وجهه.

وسألته:

«إيه اللي مخبيه يا بابا؟»

أشاح بوجهه، ثم قال:

«الخطابات مش هي المشكلة الحقيقية يا مريم… المشكلة إن سالي مكانتش بتتصرف لوحدها.»

توقفت أنفاسي.

وقبل أن أستطيع سؤاله عن الشخص الذي كان يساعدها، دوى جرس الباب في أرجاء المنزل.

سمعت صوت أمي من الخارج، ثم صوت رجل يسأل عني بالاسم.

نهض أبي فجأة، وظهر الذعر في عينيه.

همس لي:

«مهما حصل، متفتحيش الباب قبل ما تعرفي مين اللي جاي.»

لكنني كنت قد سمعت صوت الرجل بوضوح.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى