روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

ظللت متوقفة على جانب الطريق لعدة دقائق، والهاتف في يدي.

كنت أقرأ رسالة نجلاء مرة أخرى.

«ماما مقتنعة إني أنا اللي بجهز لحفلة عيد ميلادها. سيبيها فاكرة كده دلوقتي… ده بيفرحها.»

في البداية حاولت إقناع نفسي بأن الأمر بسيط.

ربما كانت نجلاء تقصد أنها تريد أن تفاجئ أمي.

ربما كانت تخطط فعلًا للحفل، وأنا لم أفهم الرسالة جيدًا.

لكنني كنت أعرف الحقيقة.

أنا التي حجزت القاعة.

أنا التي دفعت العربون.

أنا التي تحدثت مع شركة الطعام.

أنا التي اخترت الديكورات.

حتى قائمة الأغاني التي طلبتها أمي كانت عندي في هاتفي.

لم تكن نجلاء تعرف أي شيء عن تفاصيل الحفل إلا لأنها سمعتني أتحدث عنه منذ أشهر.

ضغطت على اسمها واتصلت بها.

رن الهاتف مرتين ثم أغلقت المكالمة.

اتصلت مرة أخرى.

هذه المرة لم تجب.

ابتسمت بسخرية.

طوال الطريق كانت أمي تقول إن نجلاء هي الوحيدة التي تقف بجانبها.

والآن، عندما احتجت أنا إلى إجابة واحدة، اختفت نجلاء.

شغلت السيارة من جديد.

لم أعد إلى البيت.

لكنني لم أذهب أيضًا إلى الفندق الذي كنت قد حجزته لنا.

قدت حتى وصلت إلى القاهرة.

كان الطفلان نائمين طوال الطريق.

وعندما دخلت المنزل، حملت يوسف إلى سريره، ثم ساعدت مريم على تغيير ملابسها.

وقبل أن تنام، سألتني:

— ماما؟

— نعم يا حبيبتي؟

— تيتة زعلانة مني؟

شعرت بغصة في حلقي.

جلست بجوارها.

— ليه بتقولي كده؟

— عشان لما طلبت أنام مع بنات خالتي، قالت إن المكان مش ليا.

لم أعرف ماذا أقول.

احتضنتها وقلت:

— تيتة بتحبك، بس أحيانًا الكبار بيتصرفوا بطريقة غلط.

نظرت إليّ طويلًا.

— وإحنا هنروح لها تاني؟

ترددت.

ثم قلت:

— مش دلوقتي.

نامت مريم.

أما أنا فلم أستطع النوم.

فتحت اللابتوب وجلست أمام حسابات الحفل.

كانت كل الفواتير باسمي.

كل التحويلات خرجت من حسابي.

حتى الرسالة الإلكترونية الخاصة بحجز القاعة كانت مرسلة إليّ.

فجأة تذكرت شيئًا.

قبل ثلاثة أشهر، اتصلت بي أمي وقالت:

— يا سلمى، نفسي عيد ميلادي السنة دي يكون مختلف.

قلت لها:

— اختاري اللي نفسك فيه وأنا أعملهولك.

ضحكت وقتها وقالت:

— ربنا يخليكي ليا.

كان ذلك الصوت وحده كافيًا لأن يجعلني أدفع المزيد.

لكنني الآن بدأت أتساءل:

هل كانت أمي تعرف أنني أنا التي أدفع؟

أم أن نجلاء كانت تجعلها تعتقد أن كل شيء من عندها؟

فتحت هاتفي وبدأت أراجع محادثاتي القديمة مع أمي.

وبعد دقائق، وجدت شيئًا جعل قلبي يتوقف.

كانت هناك رسالة أرسلتها أمي منذ شهرين:

«ربنا يكرمك يا نجلاء، مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك. الحفلة دي هتفضل ذكرى جميلة في حياتي.»

حدقت في الشاشة.

ثم فتحت محادثتي مع أمي.

لا توجد رسالة واحدة تشكرني فيها على الحفل.

ولا حتى تذكره.

وكأنني لم أفعل شيئًا.

في تلك اللحظة، رن هاتفي.

كانت نجلاء.

تركت الهاتف يرن.

ثم توقفت المكالمة.

بعد ثوانٍ وصلتني رسالة.

«سلمى، متكبريش الموضوع. ماما كبيرة ومش ناقصة مشاكل.»

ضحكت.

ضحكة قصيرة خرجت مني دون أن أشعر.

كتبت لها:

«أنا مش مكبرة الموضوع. أنا بس عايزة أفهم.»

جاء ردها بعد دقيقة:

«تفهمي إيه؟»

كتبت:

«ليه ماما فاكرة إنك إنتِ اللي عاملة الحفلة؟»

ظللت أنتظر.

ظهرت علامة الكتابة.

اختفت.

ثم ظهرت مرة أخرى.

وبعدها وصلني:

«لأنك لو قلتي لها إنك إنتِ اللي بتدفعي، هتفضلي تحاسبيها على كل جنيه. وأنا مش عايزة ده يحصل.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

لم أفهم.

كتبت:

«أنا عمري ما حاسبتها على حاجة.»

ردت:

«مش دلوقتي.»

توقفت.

كانت جملة غريبة.

مش دلوقتي؟

يعني ماذا؟

هل كانت تتوقع شيئًا في المستقبل؟

قبل أن أكتب، أرسلت نجلاء رسالة أخرى:

«بلاش نتكلم الليلة. بكرة هتفهمي كل حاجة.»

وضعت الهاتف على الطاولة.

ولأول مرة شعرت بالخوف.

ليس بسبب الحفل.

ولا بسبب المرتبتين.

ولكن بسبب تلك الجملة.

بكرة هتفهمي كل حاجة.

في الصباح، استيقظت على طرق شديد على الباب.

نظرت إلى الساعة.

كانت السابعة والنصف.

فتحت الباب.

كانت خالتي سعاد واقفة أمامي.

وفي يدها ظرف بني كبير.

قلت بدهشة:

— خالتي؟ إنتِ بتعملي إيه هنا بدري؟

دخلت دون أن تجيب.

ثم أغلقت الباب خلفها.

نظرت إلى وجهي وقالت:

— إنتِ عارفة إن أختك قالت لأمك إنك مش عايزة تساعديها؟

شعرت أن الدم انسحب من وجهي.

— قالت إيه؟

فتحت الظرف.

وأخرجت منه مجموعة أوراق.

— دي مش كل حاجة.

نظرت إليها.

— إيه دي؟

قالت:

— إيصالات وتحويلات وحاجات حصلت في البيت وأنا ما كنتش فاهمة معناها وقتها.

ثم وضعت الأوراق أمامي.

كان أول إيصال باسم شركة مقاولات.

والثاني تحويل بنكي.

والثالث عقد بيع.

ثم قالت خالتي بصوت منخفض:

— سلمى… بيت أمك اتباع من غير ما تعرفي؟

شعرت بصدمة.

— إيه؟

هزت رأسها.

— وأنا مش متأكدة مين اللي باعه.

ثم أضافت:

— لكن اسم أختك موجود في الأوراق.

تجمدت في مكاني.

نظرت إلى أول صفحة.

كان اسم نجلاء واضحًا.

لكن أسفل الاسم كان هناك توقيع آخر.

توقيع أمي.

وقتها فقط بدأت أفهم لماذا كانت أمي تتصرف معي بهذه الطريقة.

ولماذا كانت نجلاء تحاول دائمًا أن تجعلني أشعر أنني ابنة مقصرة.

ولماذا كانت تريدني أن أدفع في صمت.

لكن كان هناك سؤال واحد أخطر من كل شيء:

لماذا باعت نجلاء بيت أمي؟

وإلى أين ذهب المال؟

رفعت عيني إلى خالتي.

وقلت:

— أنا لازم أعرف الحقيقة كاملة.

فقالت:

— الحقيقة موجودة في مكان واحد.

— فين؟

نظرت إليّ بخوف.

— عند المحامي اللي كتب العقد.

ثم صمتت لحظة وأضافت:

— بس قبل ما تروحي له… لازم تعرفي إن في حاجة تانية حصلت.

— إيه؟

قالت:

— أمك ما باعتش البيت علشان نجلاء.

— أمال علشان مين؟

نظرت خالتي إلى الباب، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.

ثم قالت:

— علشان تسدد دين كبير… باسمك إنتِ.
الجزء الثالث

شعرت أنني لم أعد أسمع أي شيء حولي.

حدقت في خالتي سعاد.

— دين… باسمي أنا؟

هزت رأسها ببطء.

— أيوه.

جلست على أقرب كرسي.

— بس أنا معنديش أي ديون كبيرة.

وضعت خالتي الأوراق أمامي.

— أنا عارفة إنك هتقولي كده. وعشان كده جبتلك الورق.

أمسكت أول مستند.

كان عقدًا رسميًا، لكن بعض التفاصيل لم تكن واضحة بالنسبة لي.

قلبت الصفحة.

ثم الثانية.

ثم توقفت عند اسمي.

كان مكتوبًا بوضوح.

سلمى عبد الرحمن.

شعرت ببرودة في أطراف أصابعي.

— ده إمضائي مش شبه إمضتي.

قالت خالتي:

— وأنا عارفة.

رفعت عيني إليها.

— إنتِ عارفة؟

— من يومين.

— وليه ما قولتيليش؟

تنهدت.

— لأن أمك طلبت مني ما أقولكيش.

كانت هذه الجملة أقسى من الورق نفسه.

أمي كانت تعرف.

وكانت تخفي عني شيئًا باسمي.

لكن لماذا؟

فتحت بقية الأوراق.

وجدت عقد قرض.

ثم إيصالات.

ثم ورقة أخرى تحمل ختم أحد البنوك.

كان المبلغ ضخمًا.

أكبر بكثير من قدرتي على السداد.

قلت:

— مستحيل.

ردت خالتي:

— روحي للمحامي الأول، وبعدها هتعرفي.

في تلك اللحظة رن هاتفي.

كانت أمي.

نظرت إلى الشاشة.

لم أجب.

اتصلت مرة ثانية.

ثم ثالثة.

وأخيرًا فتحت الخط.

— أيوه يا أمي؟

جاء صوتها متوترًا:

— إنتِ فين؟

— في البيت.

— نجلاء قالت إنك زعلانة.

— أنا فعلًا زعلانة.

صمتت.

ثم قالت:

— على موضوع الولاد؟

— مش بس موضوع الولاد.

ساد الصمت.

قلت:

— عايزة أسألك سؤال.

— اسألي.

— إنتِ بعتي البيت؟

سمعت نفسًا عميقًا من الطرف الآخر.

— مين قالك؟

نظرت إلى خالتي.

ثم قلت:

— يعني بعتيه فعلًا؟

لم تجب.

وهذا كان كافيًا.

قلت:

— وليه؟

قالت بسرعة:

— عشان مصلحتك.

تجمدت.

— مصلحتي أنا؟

— أيوه.

— طب ليه عقد البيع فيه اسمي؟

هذه المرة طال الصمت.

ثم قالت أمي:

— نجلاء هتشرح لك.

أغلقت المكالمة.

نظرت إلى خالتي.

— أمي حتى مش عايزة تكلمني.

قالت:

— عشان هي خايفة.

— من إيه؟

لم تجب.

وبعد ساعة كنت أمام مكتب المحامي.

كان اسمه الأستاذ محمود الشاذلي.

استقبلني في غرفة صغيرة مليئة بالملفات.

وضعت الأوراق أمامه.

— أنا محتاجة أعرف كل حاجة تخص العقد ده.

قرأ الاسم.

ثم نظر إليّ.

— حضرتك سلمى عبد الرحمن؟

— أيوه.

تغيرت ملامحه.

— كنت متوقع إنك تيجي.

شعرت بقلبي يخفق.

— متوقع؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى