روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
ساد الصمت في المكان لدرجة إني كنت سامعة صوت أنفاس الناس حواليا.

بصيت لأبويا وأنا مش فاهمة.

“إيه اللي أنا معرفوش؟”

هو ما ردش فورًا.

فضل ماسك الميكروفون، وباصص لي وكأنه بيحاول يقرر إذا كان يقول الحقيقة كاملة… ولا يفضل ساكت زي ما عمل طول السنين اللي فاتت.

صرخت:

“بابا! اتكلم!”

ليان كانت لسه على الأرض، ودموعها نازلة بغزارة.

أما أمي، فكانت واقفة جنب باب الفيلا ووشها أصفر.

واضح إنها كانت عارفة.

بصيت لها.

“ماما… إنتِ عارفة؟”

ما ردتش.

وهنا فهمت.

هزيت رأسي ببطء.

“يعني كنتوا عارفين؟”

والدي أخيرًا قرب الميكروفون من فمه.

“أيوه.”

الكلمة وقعت عليّ كأنها ضربة.

“إنتوا عارفين إيه؟”

تنهد وقال:

“الحريق اللي حصل من خمستاشر سنة… ماكانش حادث.”

تجمدت مكاني.

حد من الموجودين قال بصوت منخفض:

“يعني إيه؟”

والدي رفع عينيه للحاضرين.

“الحريق كان متعمد.”

بدأت الهمسات تنتشر في كل أنحاء المكان.

أنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

“مين عمل كده؟”

أبويا ما ردش.

بص ناحية أمي.

أمي بدأت تبكي.

صرخت فيها:

“مين؟!”

هزت رأسها وهي بتعيط.

“أنا كنت خايفة…”

قلت:

“خايفة من مين؟”

والدي شد على الميكروفون.

“من الشخص اللي كان موجود في البيت ليلة الحريق.”

بدأ قلبي يدق بسرعة.

“مين الشخص ده؟”

والدي بص لي مباشرة.

“أخوكِ.”

اتسعت عيناي.

“أنا معنديش أخ!”

هنا حصل شيء غريب.

أبويا سكت.

وأمي غطت وشها بإيديها.

أما ليان، فرفعت رأسها فجأة وقالت:

“إيه؟”

والدي قال بصوت مكسور:

“كان عندك أخ… قبل ما تتولدي.”

لم أستطع الكلام.

كنت أظن أن حياتي كلها معروفة بالنسبة لي.

لكن فجأة اكتشفت إن عيلتي كانت مخبية عني طفلًا كاملًا.

قال والدي:

“اسمه كان ياسين.”

بصيت له.

“كان؟”

هز رأسه.

“كان عنده تسع سنين.”

سكت.

ثم قال:

“ومات قبل الحريق بثلاثة أيام.”

تجمدت ملامحي.

“مات إزاي؟”

والدي أغلق عينيه للحظة.

“وده بالضبط هو الجزء اللي حاولنا نخبيه عنك.”

شعرت ببرودة في جسمي.

قلت:

“أنا عايزة أعرف كل حاجة.”

والدي بص للحاضرين.

“اللي حصل الليلة دي ماينفعش يتقال هنا.”

قلت بعصبية:

“لا. هنا.”

وأشرت إلى مئات الموبايلات.

“أنتوا خليتوني أعيش خمستاشر سنة وأنا فاكرة إن الحروق دي كانت مجرد حادث.”

ثم نظرت إلى أمي.

“وخليتوني أفتكر إنكم أنقذتوا أختي.”

سكتُّ لحظة.

“بس الحقيقة إن أنا اللي أنقذتها.”

لم يستطع والدي النظر في عيني.

قلت:

“إيه اللي حصل لأخويا؟”

قبل أن يجيب…

جاء صوت من بين الحاضرين.

صوت رجل كبير في السن.

“أنا أقدر أقول لها.”

الكل التفت.

رجل بشعر أبيض كان واقف بالقرب من باب الفيلا.

ماعرفتش مين هو.

لكن والدي بمجرد ما شافه…

اتغير وشه.

قال بصوت منخفض:

“إنت بتعمل إيه هنا؟”

الرجل تقدم ببطء.

“كنت مستني اليوم ده من خمستاشر سنة.”

أبي حاول يوقفه.

“مش هنا.”

الرجل رد:

“لأ. هنا.”

ثم نظر إليّ.

وقال:

“لأن بنتك لازم تعرف الحقيقة يا طارق.”

بصيت لأبويا.

“مين الراجل ده؟”

الرجل هو اللي جاوب.

“أنا كنت محامي العيلة.”

ثم أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا من حقيبته.

“وده الملف اللي والدك حاول يدفنه من خمستاشر سنة.”

بدأت إيدي ترتعش.

الرجل مد الظرف ناحيتي.

“الملف فيه تقرير الشرطة.”

أخذت الظرف.

“وفيه صور من ليلة الحريق.”

فتحت الظرف ببطء.

لكن قبل ما أشوف الصور…

الرجل قال:

“وفيه كمان رسالة كتبها أخوك ياسين قبل وفاته.”

رفعت عيني له.

“رسالة؟”

هز رأسه.

“وكان كاتب فيها اسم الشخص اللي كان سبب موته.”

فتحت الظرف.

وقبل ما أخرج الورقة…

سمعت ليان تصرخ من خلفي:

“نور… متفتحيش!”

استدرت ناحيتها.

كانت مرعوبة.

ولأول مرة منذ بدأت الحفلة…

شفت في عيني أختي حاجة غير الغرور.

شفت خوف حقيقي.

خوف من الحقيقة.

قلت لها:

“إنتِ عارفة حاجة.”

هزت رأسها بسرعة.

“لأ!”

صرخت:

“كدابة!”

ثم نظرت لأبي.

“إنتوا الاتنين عارفين.”

سقطت الورقة من الظرف على الأرض.

وانفتح طرفها.

ظهر أول سطر منها.

وكان مكتوبًا بخط طفل:

“لو حصل لي حاجة… متصدقوش بابا.”

رفعت الورقة ببطء.

وفي اللحظة دي، فهمت إن اللي كنت فاكرة إنه حريق مأساوي…

كان ممكن يكون جريمة.

لكن السؤال الأخطر كان:

ليه أخويا كان خايف من أبويا قبل موته؟

وليه حاول والدي إخفاء الرسالة لمدة خمستاشر سنة؟

وليه كانت أمي وليان مرعوبتين من إني أقرأها؟

بدأت أقرأ السطر الثاني…

لكن قبل ما أكمل، انتزع أبي الورقة من إيدي.

وقال بصوت مرتجف:

“كفاية يا نور.”

بصيت له.

وقلت بهدوء:

“لأ.”

ثم مددت إيدي ناحية الورقة.

“المرة دي… الحقيقة هتطلع كلها.”

وكانت الصدمة الحقيقية لسه ما بدأتش.
أبويا كان لسه ماسك الورقة في إيده، وأنا واقفة قدامه لأول مرة في حياتي من غير خوف.

مديت إيدي وقلت:

“هاتها يا بابا.”

هز رأسه.

“نور، اسمعيني…”

قاطعته:

“خمستاشر سنة وأنا بسمعك.”

“خمستاشر سنة وأنا بلبس هدوم مقفولة عشان أخبي الحروق.”

“خمستاشر سنة وأنا كل ما أسأل عن اللي حصل، تقولولي: حادث.”

بصيت في عينيه.

“النهارده أنا عايزة أعرف الحقيقة.”

الراجل العجوز، محامي العيلة، اتقدم خطوة.

وقال لأبويا:

“كفاية يا طارق.”

أبويا بص له بغضب.

“إنت مالك؟”

رد بهدوء:

“لأني وعدت ياسين قبل ما يموت إني هحافظ على الدليل لحد ما نور تكبر.”

جسمي كله اتجمد.

بصيت له.

“هو كان يعرفني؟”

ابتسم بحزن.

“طبعًا.”

“كان بيحبك جدًا.”

نزلت دمعة من عيني من غير ما أحس.

“بس أنا مش فاكرة.”

قال:

“كنتِ صغيرة.”

ثم أضاف:

“لكن ياسين كان فاكر كل حاجة.”

سألته:

“كل حاجة إزاي؟”

نظر إلى أبي.

ثم قال:

“قبل الحريق بثلاثة أيام، ياسين اكتشف حاجة ماكانش المفروض يعرفها.”

أبي صرخ:

“متكملش!”

لكن المحامي لم يتوقف.

“اكتشف إن والدك كان بيزور مستندات مالية تخص الشركة.”

انتشرت الهمسات بين الحاضرين.

أنا بصيت لأبويا.

“إنت كنت بتزور مستندات؟”

قال بسرعة:

“الموضوع مش زي ما فاكرة.”

المحامي رد:

“بالضبط. الموضوع أكبر.”

ثم أخرج ملفًا آخر من حقيبته.

“ياسين كان عنده صور ومستندات تثبت إن والدك كان بيحوّل مبالغ كبيرة من حسابات الشركة لحسابات خارجية.”

أبي اندفع نحوه.

لكن رجال الأمن وقفوا بينهما.

أنا كنت مشلولة من الصدمة.

“وليه ياسين كان هيقول لحد؟”

المحامي قال:

“لأنه كان ناوي يروح للشرطة.”

بصيت لأمي.

“وعشان كده مات؟”

أمي بدأت تبكي.

“أنا حاولت أمنعه…”

صرخت:

“منعتِ مين؟!”

قالت:

“ياسين.”

ثم غطت وجهها.

“حاولت أقنعه إنه يسكت.”

سألت:

“وإيه اللي حصل بعدها؟”

لكنها لم تجب.

المحامي هو اللي قال:

“بعدها بثلاثة أيام، حصلت الوفاة.”

قلبي كان بيخبط بعنف.

“إزاي؟”

أخرج ورقة.

“التقرير الأول قال إنها حادثة.”

“لكن التقرير الثاني…”

سكت.

“قال إنها مش حادثة.”

حد من الضيوف سأل:

“يعني جريمة قتل؟”

المحامي لم يجب.

نظر إليّ فقط.

وقال:

“التقرير الثاني قال إن الوفاة تحتاج إلى تحقيق جنائي.”

أبويا صرخ:

“وده تقرير غير معتمد!”

المحامي ابتسم بمرارة.

“لأنه اختفى من ملف القضية.”

ثم أضاف:

“لكن نسخة منه كانت عند ياسين.”

نظرت إلى الظرف.

“والرسالة؟”

المحامي أخرج صورة منها.

“دي آخر حاجة كتبها ياسين.”

بدأ يقرأ:

“لو حصل لي حاجة، متصدقوش إن موتي كان حادث.”

شعرت بقشعريرة.

ثم أكمل:

“الشخص اللي لازم تخافوا منه مش غريب.”

توقف.

أنا قلت:

“كمل.”

رفع عينيه.

“هو أقرب شخص لينا.”

نظرت لأبي.

ثم لأمي.

ثم إلى ليان.

وفجأة ليان بدأت تصرخ:

“أنا ماكنتش أعرف!”

التفت إليها.

“تعرفي إيه؟”

هزت رأسها وهي تبكي.

“أنا كنت صغيرة!”

قلت:

“إنتِ كنتِ سنة واحدة!”

صرخت:

“أنا مش قصدي الحريق!”

سكت المكان كله.

أنا بصيت لها.

“إنتِ قلتي إيه؟”

وضعت يدي على فمي.

ليان أدركت إنها قالت كلمة كشفتها.

أبي قال:

“ليان، اسكتي.”

لكنها بدأت تبكي.

“أنا ماكنتش أقصد!”

اقتربت منها.

“إنتِ كنتِ تعرفي حاجة عن الحريق؟”

هزت رأسها.

“لأ.”

“يبقى ليه قلتي: أنا مش قصدي الحريق؟”

لم تجب.

نظرت إلى أمي.

ثم لأبي.

وبدأت تتراجع.

“أنا… أنا سمعتهم بيتكلموا.”

قلت:

“مين؟”

“بابا وماما.”

سكت الجميع.

“كانوا بيتكلموا قبل الحريق بيوم.”

“عن إيه؟”

ليان بدأت تبكي.

“سمعت بابا بيقول إن ياسين لازم يسكت.”

شعرت كأن ضربة نزلت على صدري.

“وبعدين؟”

قالت:

“وماما قالت له إن نور ممكن تتأذي.”

أمي صرخت:

“ليان!”

لكنها كانت قد قالت كل شيء.

بصيت لأبويا.

“إنت كنت عارف إن أنا ممكن أتأذى؟”

لم يرد.

اقتربت منه.

“كنت عارف إن الحريق ممكن يحصل؟”

قال:

“نور…”

صرخت:

“رد!”

صمته كان إجابة.

لكن قبل ما أقدر أقول أي حاجة…

سمعنا صوت سيارات شرطة من خارج الفيلا.

الكل اتجه ناحية البوابة.

دخل أربعة ضباط إلى الحديقة.

تقدم أحدهم مباشرة ناحية والدي.

وقال:

“طارق المنشاوي؟”

أبي اتجمد.

“أيوه.”

أخرج الضابط ورقة.

“عندنا أمر تفتيش.”

أنا بصيت للمحامي.

هو لم يبدُ متفاجئًا.

قلت:

“إنت اللي بلغت الشرطة؟”

قال:

“لأ.”

ثم نظر إلى هاتفه.

“البلاغ اتقدم من شخص تاني.”

في اللحظة نفسها، اهتز هاتف ليان.

نظرت إلى الشاشة.

وبدأت ترتعش.

قلت:

“مين؟”

لم تجب.

مددت يدي.

أخذت الهاتف منها.

وكانت هناك رسالة واحدة فقط من رقم مجهول:

“قولي لنور الحقيقة قبل ما الشرطة تلاقي التسجيل.”

رفعت عيني ببطء.

“أي تسجيل؟”

ليان انهارت بالبكاء.

وقالت:

“التسجيل اللي صور ليلة الحريق.”

توقفت أنفاسي.

“مين كان بيصور؟”

ليان نظرت ناحية أمي.

ثم قالت:

“ياسين.”

في اللحظة دي…

فهمت إن أخويا ماكانش مجرد ضحية.

كان عنده دليل.

وكان الدليل ده ممكن يغير كل حاجة.

لكن السؤال الأهم كان:

فين التسجيل؟

وبمجرد ما سألت السؤال…

أبي قال جملة جعلتني أدرك إن التسجيل لم يختفِ أبدًا.

“التسجيل… موجود في البيت لحد دلوقتي.”
بعد جملة أبويا، محدش اتكلم.

حتى الضباط وقفوا مكانهم.

أنا بصيت له وقلت:

“إنت عارف مكان التسجيل؟”

أبويا ما ردش.

الضابط قرب منه وقال:

“لو عندك معلومات عن دليل متعلق بقضية وفاة قديمة، لازم تسلمها فورًا.”

أبويا بلع ريقه.

لكن المحامي العجوز سبق الجميع وقال:

“التسجيل مش في خزنة.”

بصيت له.

“أمال فين؟”

قال:

“في مكان محدش فكر يدور فيه.”

أمي بدأت تهز رأسها بسرعة.

“لا…”

المحامي بص لها.

“أيوه يا داليا.”

ثم نظر إليّ.

“التسجيل موجود في أوضة ياسين.”

اتجمدت.

“أوضته؟”

هز رأسه.

“من يوم وفاته، والدك قفل الأوضة ومحدش دخلها.”

بصيت لأبويا.

“ليه؟”

قال:

“عشان كانت بتوجعني.”

ضحكت بمرارة.

“بعد خمستاشر سنة افتكرت إنها بتوجعك؟”

ثم مشيت ناحية الفيلا.

أحد الضباط حاول يوقفني.

“مدام نور، إحنا هنفتش.”

قلت:

“وأنا هفتح الأوضة.”

دخلنا كلنا.

كانت الفيلا فجأة مختلفة تمامًا عن الحفلة اللي كانت من دقائق مليانة موسيقى وضحك.

الأصوات اختفت.

والناس اللي كانوا بيصوروا الحفلة بقوا واقفين في صمت.

صعدنا السلم.

وصلنا إلى ممر طويل في آخره باب خشبي قديم.

فوق الباب كانت لسه معلقة لافتة صغيرة مكتوب عليها:

ياسين

مددت إيدي للمقبض.

لكن الباب كان مقفولًا.

بصيت لأبويا.

“المفتاح.”

سكت.

الضابط قال:

“هات المفتاح.”

أخرج أبويا سلسلة مفاتيح من جيبه.

لكن إيده كانت بترتعش.

فتح الباب.

صدر صوت طقطقة خفيف.

دخلت.

الأوضة كانت كأن الزمن توقف فيها.

سرير صغير.

مكتب خشبي.

كتب قديمة.

وصورة عائلية على الحائط.

قربت منها.

كانت صورة لينا كلنا.

أنا كنت طفلة صغيرة واقفة جنب ياسين.

وكان هو حاطط إيده على كتفي.

ابتسمت غصب عني.

قلت:

“أنا كنت بحبه.”

المحامي قال:

“وهو كان بيحبك أكتر مما تتخيلي.”

بصيت ناحية المكتب.

كان عليه جهاز كمبيوتر قديم.

الضابط بدأ يفتش الأدراج.

وأنا فتحت درج صغير.

لقيت فيه علبة معدنية.

فتحتها.

كان جواها شريط ذاكرة صغير.

صرخت:

“لقيته!”

الكل تجمع حولي.

أبويا قال بسرعة:

“ده مش هو.”

المحامي بص له.

“إزاي عرفت؟”

أبويا سكت.

الضابط أخذ الشريط.

“هنفحصه.”

لكن قبل ما يضعه في الحقيبة، لاحظت ورقة صغيرة ملزوقة أسفل العلبة.

نزعتها.

وكان مكتوب عليها:

“لو وصلتِ له يا نور، يبقى أنا مت.”

يدي بدأت ترتعش.

وتحت الجملة كان فيه سطر آخر:

“متصدقيش أي حاجة هتسمعيها عن الليلة دي إلا لو شوفتي التسجيل بنفسك.”

بصيت للمحامي.

“شغلوه.”

بعد دقائق، قدر الضابط يوصله بجهاز محمول.

ظهرت صورة مشوشة.

التسجيل كان بالليل.

ياسين كان بيصور من داخل أوضته.

الصوت كان ضعيف.

لكن فجأة سمعنا صوت أمي.

“ياسين، اقفل الكاميرا.”

ثم جاء صوت ياسين:

“مش هقفلها.”

ثم صوت أبي.

“إنت مش فاهم أنت بتعمل إيه.”

ياسين رد:

“أنا فاهم كويس.”

بدأت الصورة تتحرك.

ياسين خرج من أوضته.

مشى في الممر.

ثم نزل السلم.

الكاميرا كانت مخفية تقريبًا تحت مستوى عينه.

وفجأة ظهر أبي وأمي في غرفة المكتب.

كانوا بيتخانقوا.

أبي قال:

“لو الورق خرج من البيت، كل حاجة هتنهار.”

أمي قالت:

“هو طفل يا طارق!”

رد أبي:

“وهو مصمم يروح للشرطة.”

ثم سمعنا ياسين من خلف الباب:

“لأنك سرقت فلوس الشركة!”

أبويا التفت فجأة.

اقترب من الباب.

ثم توقف التسجيل للحظات.

الصورة رجعت.

ياسين كان بيجري.

ووراه صوت خطوات.

ثم سمعنا صرخة.

وبعدها…

انقطع التسجيل.

شهقت.

“فين باقي التسجيل؟”

الضابط قال:

“ده مش كامل.”

المحامي هز رأسه.

“كان فيه جزء تاني.”

بصيت لأبي.

كان واقفًا في زاوية الأوضة.

وشه أصبح شاحبًا.

قلت:

“إنت أخفيت الجزء التاني.”

قال:

“نور…”

“فين؟”

سكت.

اقتربت منه.

“فين التسجيل الكامل؟”

فجأة ليان قالت:

“أنا عارفة.”

الكل التفت لها.

قالت وهي بتبكي:

“الجزء التاني كان عندي.”

أنا بصيت لها بصدمة.

“عندك؟”

هزت رأسها.

“بعد الحريق… بابا حطه في أوضتي.”

قلت:

“ليه؟”

قالت:

“عشان محدش يلاقيه.”

“وإنتِ؟”

“لقيته من سنتين.”

سألتها:

“وشوفتيه؟”

بدأت تبكي.

“أيوه.”

“إيه اللي كان فيه؟”

رفعت ليان عينيها لي.

“في آخر التسجيل…”

سكتت.

قلت:

“اتكلمي.”

قالت:

“ياسين كان بيجري ناحية أوضتك.”

تجمدت.

“أوضتي؟”

هزت رأسها.

“وكان بيصرخ باسمك.”

بدأت أتنفس بسرعة.

“وبعدين؟”

قالت:

“سمعت صوت حاجة وقعت.”

“وبعدها النار بدأت.”

بصيت لأبي.

“مين ولّع النار؟”

ليان لم تجب.

لكن الضابط لاحظ شيئًا في التسجيل.

رجع الفيديو.

وكبر الصورة.

كان فيه ظل شخص واقف في آخر الممر.

الشخص كان ماسك زجاجة صغيرة.

والضابط قال:

“استنى…”

كبر الصورة أكتر.

ظهرت ملامح الشخص.

أنا بصيت للشاشة.

وشعرت إن قلبي توقف.

لأن الشخص اللي ظهر في التسجيل…

لم يكن أبي.

ولم تكن أمي.

كان شخصًا آخر.

شخص أعرفه جيدًا.

شخص كان واقفًا في حفلة الليلة نفسها…

منذ البداية.

ثم التفتُّ ببطء ناحية باب الأوضة.

وكان هو واقفًا هناك.

وبيبتسم.
رفعت عيني من شاشة الكمبيوتر ببطء.

الرجل اللي ظهر في التسجيل كان واقف فعلًا عند باب الأوضة.

وشه هادي جدًا…

وكأنه ما شافش حاجة.

لكن أنا كنت عارفة.

كنت عارفة الشخص ده كويس.

إنه حسام الشاذلي…

أقرب صديق لأبويا، ومستشار العيلة القانوني، والرجل اللي كان موجود في كل مناسباتنا تقريبًا.

والأغرب؟

إنه كان واقف في الحفلة من أول لحظة.

الضابط قال:

“محدش يتحرك.”

حسام ابتسم ابتسامة صغيرة.

“إيه يا حضرة الضابط؟”

الضابط أشار إليه.

“اقفل الباب.”

حسام ما اتحركش.

أنا بصيت له وقلت:

“إنت.”

ابتسامته اختفت.

“إنت اللي كنت في التسجيل.”

قال بهدوء:

“نور، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”

ضحكت بسخرية.

“الجملة دي سمعتها كتير النهارده.”

ثم أشرت إلى الشاشة.

“بس الكاميرا شافتك.”

حسام بص إلى التسجيل.

وبعدين بص لأبويا.

النظرة بينهم كانت كافية.

عرفت إن بينهم سر.

قلت:

“بابا كان عارف.”

أبويا قال:

“نور، اسمعيني…”

“لا.”

رفعت إيدي.

“المرة دي أنا اللي هسمعك.”

ثم بصيت لحسام.

“إنت كنت بتعمل إيه في بيتنا ليلة الحريق؟”

حسام سكت.

الضابط كرر السؤال:

“كنت بتعمل إيه؟”

قال:

“كنت بحاول أمنع كارثة.”

رد الضابط:

“أي كارثة؟”

حسام لم يجب.

أنا قربت منه.

“إنت قتلت ياسين؟”

هز رأسه بسرعة.

“لا!”

“ولعت النار؟”

“لا!”

“يبقى قول الحقيقة.”

سكت.

ثم قال:

“أنا وصلت متأخر.”

“متأخر عن إيه؟”

أخذ نفسًا عميقًا.

“كنت رايح آخد المستندات.”

قلت:

“أي مستندات؟”

نظر إلى أبي.

“المستندات اللي ياسين سرقها من مكتب والدك.”

أبي صرخ:

“حسام!”

لكن الضابط أشار له بالسكوت.

حسام أكمل:

“ياسين كان ناوي يسلم كل حاجة للشرطة.”

قلت:

“وعشان كده طاردته؟”

“أيوه.”

“وعشان كده دخلت البيت؟”

“أيوه.”

“وعشان كده كنت ماسك زجاجة؟”

سكت.

بصيت إلى الشاشة.

“إيه اللي كان في الزجاجة؟”

حسام لم يرد.

الضابط قال:

“هنعرف.”

ثم أشار لأحد الضباط.

“خدوه.”

في اللحظة دي، حسام انهار.

“استنى!”

الجميع سكت.

قال:

“أنا معملتش الحريق.”

بصيت له.

“مين عمله؟”

أشار إلى أبي.

أنا تجمدت.

أبويا صرخ:

“كداب!”

حسام قال:

“هو اللي أمرني أخوف الولد.”

ثم أضاف:

“لكن اللي حصل خرج عن السيطرة.”

قلت:

“إنت كنت بتخوفه؟”

هز رأسه.

“كان المفروض أخد منه المستندات بس.”

“وبعدين؟”

قال:

“ياسين هرب.”

“وأنا جريت وراه.”

“لكن لما وصلت للممر، كان ماسك زجاجة بنزين.”

سكت.

“مين كان ماسكها؟”

قال:

“ياسين.”

الكل صمت.

ثم أكمل:

“كان بيهدد إنه يولع في نفسه لو قربت منه.”

بصيت للشاشة.

الصورة كانت فعلًا مشوشة.

لكن في آخر لحظات التسجيل…

كان ياسين ماسك شيئًا في إيده.

حسام قال:

“حاولت أخدها منه.”

“واتشدينا.”

“الزجاجة وقعت.”

“والبنزين اتسكب.”

“وبعدها حصلت شرارة.”

قلت:

“بس مين ولّع النار؟”

حسام هز رأسه.

“ولا واحد فينا.”

تجمدت.

“يعني إيه؟”

قال:

“الشرارة جات من السخان القديم الموجود في الممر.”

الضابط نظر إليه.

“وعندك دليل؟”

حسام أشار إلى الشاشة.

“التسجيل.”

ثم قال:

“لكن التسجيل الكامل كان هيبين حاجة تانية.”

قلت:

“إيه؟”

حسام بص لي.

“إن الشخص اللي أنقذك…”

سكت.

“كان ياسين.”

قلبي توقف.

“إيه؟”

قال:

“أختك كانت في السرير.”

“والنار وصلت لأوضتها.”

“ياسين دخل الأول.”

ثم نظر إلى آثار الحروق على جسدي.

“ولما شافك داخلة وراه…”

صوته انخفض.

“حاول يمنعك.”

أنا لم أستوعب.

“يعني إيه؟”

قال:

“هو اللي دفعك بعيد عن النار.”

بصيت إلى جسمي.

الحروق.

خمستاشر سنة وأنا فاكرة إني ضحيت بنفسي عشان أنقذ ليان.

لكن الحقيقة…

كانت مختلفة.

حسام قال:

“ياسين كان بيحاول يحميك.”

“ولما السقف بدأ يقع…”

سكت.

“هو اتصاب.”

أنا همست:

“ومات؟”

حسام هز رأسه.

“لأ.”

الجميع اتجمد.

“ياسين ما ماتش في الحريق.”

أبويا أغلق عينيه.

وأنا بصيت له.

“إنت كنت عارف.”

لم يرد.

صرخت:

“إنت كنت عارف إن ياسين ما ماتش؟!”

والدي بدأ يبكي.

ثم قال:

“أيوه.”

شعرت إن العالم كله انهار حولي.

“أمال مين اللي مات؟”

لم يجب.

المحامي العجوز وضع يده على فمه.

ثم قال:

“الجثة اللي اتسجلت باسم ياسين…”

سكت.

“ماكانتـش ياسين.”

شهقت.

الضابط تقدم خطوة.

“عايز أفهم.”

المحامي قال:

“لما الحريق انتهى، كان فيه جثمان طفل متفحم.”

“والدك أكد إنه ياسين.”

أنا بصيت لأبي.

“بس كان فيه سبب.”

قال أبي بصوت مكسور:

“لو قلت الحقيقة… كانوا هياخدوا ياسين.”

سألته:

“مين؟”

لم يجب.

ثم جاء صوت ليان من خلفي.

“لأن ياسين كان شاهد على جريمة أكبر.”

التفت إليها.

كانت واقفة وبتبكي.

قلت:

“إنتِ عارفة هو فين؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“فين؟”

رفعت عيني لي.

وقالت:

“هو عايش.”

ثم أضافت:

“وهو اللي طلب مني أجيبك للحفلة النهارده.”

توقفت أنفاسي.

“ليه؟”

ليان بصت ناحية باب الفيلا.

“عشان كان عايزك تعرفي الحقيقة بنفسك.”

وفي نفس اللحظة…

اهتز هاتف أحد الضباط.

نظر إلى الشاشة.

ثم قال:

“في بلاغ جديد.”

قلت:

“بلاغ من مين؟”

رفع الضابط عينيه نحوي.

“من شخص اسمه ياسين المنشاوي.”

ساد الصمت.

ثم وصلت رسالة إلى هاتفي أنا.

رقم مجهول.

فتحتها.

وكان مكتوبًا فيها:

“أختي نور… أنا آسف إني سبتك تفتكري إنك لوحدك كل السنين دي.”

وتحتها مباشرة:

“لكن لو عايزة تعرفي ليه أبوكي أخفى إني عايش… تعالي للمكان اللي بدأ منه كل شيء.”

ثم ظهر اسم المكان:

البيت القديم.

المكان نفسه…

اللي بدأت فيه النار من خمستاشر سنة.
وصلنا أنا والمحامي والضابط إلى البيت القديم بعد منتصف الليل.

كان المكان مهجورًا من سنين.

نفس البيت اللي قضيت فيه طفولتي…

ونفس المكان اللي كنت فاكرة إن أخويا مات فيه.

نزلت من العربية وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.

بصيت للواجهة المحروقة.

آثار الحريق كانت لسه موجودة رغم مرور خمستاشر سنة.

قلت للمحامي:

“هو فين؟”

رد:

“مش عارف.”

لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت من جوه البيت.

صوت راجل.

“نور.”

تجمدت.

الصوت كان مألوفًا بشكل غريب.

دخلت.

المكان كان مظلمًا، إلا من لمبة صغيرة في آخر الممر.

ومع كل خطوة، قلبي كان بيخبط أكتر.

لحد ما وصلت للغرفة القديمة.

وقفت عند الباب.

وكان هناك رجل واقف وظهره لي.

قال:

“كبرتي.”

صوته كسرني.

قلت:

“ياسين؟”

استدار ببطء.

ولأول مرة منذ خمستاشر سنة…

شفت أخويا.

كان أكبر.

ملامحه اتغيرت.

وشعره بقى فيه خصلات بيضاء.

لكن عينيه…

كانت نفس عيون الطفل اللي كنت فاكرة إني فقدته.

دموعي نزلت فورًا.

“إنت عايش.”

ابتسم بحزن.

“أيوه.”

جريت عليه وحضنته.

فضلنا ساكتين.

أنا كنت بعيط وهو بيحاول يتمالك نفسه.

قلت:

“ليه؟”

“ليه سيبتني أفتكرك ميت؟”

رد بصوت مكسور:

“عشان أبوكي كان بيحاول يحميني.”

بعدت عنه.

“يحميك؟”

هز رأسه.

“مش بالطريقة اللي إنتِ فاكرها.”

ثم أخرج ملفًا قديمًا.

“بعد الحريق، أنا كنت مصاب.”

“والدكتور قال إني محتاج أختفي.”

قلت:

“ليه؟”

“لأن الناس اللي كانوا بيطاردوني ماكانوش عايزين المستندات توصل للشرطة.”

“مين الناس دي؟”

نظر لي مباشرة.

“مش أبوكي لوحده.”

سكت.

“كان فيه شركاء تانيين في الشركة.”

“وكانوا بيستخدموا حسابات الشركة في تحويلات غير قانونية.”

“أنا اكتشفت الموضوع.”

“وأبوك عرف.”

قلت:

“يبقى ليه أخفى الحقيقة؟”

قال:

“لأنه خاف إنهم يأذوك.”

ضحكت بمرارة.

“هما أذوني فعلًا.”

نظر إلى آثار الحروق.

عينيه امتلأت بالدموع.

“أنا عارف.”

ثم قال:

“وعشان كده أنا رجعت.”

سألته:

“والحريق؟”

قال:

“الحريق كان حادث.”

سكت لحظة.

“لكن بعد ما حصل، أبوكي ارتكب أكبر غلطة في حياته.”

“إيه هي؟”

قال:

“سمح للجميع يعتقدوا إني مت.”

“عشان يقدر يحميني.”

“لكن ده خلّى الناس تفتكر إن الملف انتهى.”

ثم أخرج هاتفًا قديمًا.

“لكن ياسين ماكانش ناوي يفضل مختفي.”

شغّل مقطع فيديو.

ظهر أخويا وهو أصغر سنًا.

وكان بيتكلم أمام الكاميرا.

“لو نور شافت الفيديو ده، يبقى أنا فشلت إني أقول لها الحقيقة بنفسي.”

بدأت أبكي.

ثم قال:

“نور، إنتِ طول عمرك فاكرة إن الحروق دي كانت تمن إنقاذ ليان.”

توقفت أنفاسي.

“لكن الحقيقة…”

سكت الفيديو للحظة.

ثم أكمل:

“أنا اللي سحبتك بعيد عن النار.”

نظرت إلى ياسين.

“يعني أنا ما أنقذتش ليان؟”

قال:

“إنتِ حاولتي.”

“لكن أنا كنت أول واحد وصل.”

ثم أمسك بيدي.

“واللي حصل لك بعد كده كان بسببي.”

هزيت رأسي.

“إزاي؟”

قال:

“لأن الشخص اللي كان بيطاردني دخل البيت.”

“وكان عايز المستندات.”

“ولما شافك…”

سكت.

“افتكر إنك معايا.”

قلت:

“مين؟”

قبل ما يجاوب…

سمعنا صوت سيارة توقفت أمام البيت.

ياسين رفع رأسه فجأة.

“وصلوا.”

الضابط أخرج سلاحه وأشار لنا بالابتعاد عن النوافذ.

قلت:

“مين؟”

ياسين قال:

“الناس اللي كنت بهرب منهم.”

ثم نظر لي.

“لكن المرة دي مش جايين عشان المستندات.”

“جايين عشانك.”

بدأ صوت خطوات يقترب من الباب.

واحد…

اثنان…

ثلاثة…

ثم طرق شخص على الباب.

دق…

دق…

دق…

ياسين وقف أمامي.

وفجأة سمعنا صوت رجل من الخارج:

“افتح يا ياسين.”

صوت أعرفه.

صوت سمعته الليلة أكثر من مرة.

رفعت عيني إلى ياسين.

“مين ده؟”

لم يجب.

ثم قال بصوت منخفض:

“الشخص اللي أبوكي كان بيحاول يحميك منه طول خمستاشر سنة.”

الباب بدأ يهتز بعنف.

والضابط صرخ:

“الكل يرجع للخلف!”

ثم انفتح الباب فجأة.

وظهر الرجل.

كان عمّي سامح.

أخو أبي.

الرجل اللي كنت طول عمري فاكرة إنه أقرب شخص لعيلتنا.

ابتسم وقال:

“أخيرًا… العيلة كلها اتجمعت.”

ثم رفع ملفًا أسود في يده.

وقال:

“لكن قبل ما الشرطة تاخد ياسين…”

نظر إليّ.

“في حقيقة واحدة لازم تعرفيها.”

فتح الملف.

وكانت أول ورقة فيه تحمل اسمي.

نور طارق المنشاوي.

وتحت اسمي مباشرة…

كان مكتوبًا:

“الوريثة الوحيدة للشركة.”

تجمدت.

ياسين بص لعمي.

وقال:

“أنت لسه بتكذب عليها.”

عمي ابتسم.

“لأنها لسه ما تعرفش أهم حاجة.”

ثم نظر إليّ.

وقال:

“أبوك ما أخفاش إن ياسين عايش عشان يحميه هو.”

سكت.

“أبوك أخفاه عشان يحميكِ إنتِ.”

ثم قلب الصفحة.

وكانت فيها صورة قديمة لي وأنا طفلة…

وتحتها توقيع والدي.

لكن التوقيع كان على مستند لم أره في حياتي.

وصية.

وفي أسفل الصفحة جملة واحدة:

“إذا حدث لي شيء، تنتقل جميع ممتلكاتي إلى نور وحدها.”

رفعت عيني.

وفجأة فهمت…

إن كل اللي حصل الليلة دي لم يكن بسبب حفلة ليان.

ولا بسبب الحريق.

ولا حتى بسبب ياسين.

كان بسبب الميراث.
فضلت أبص للورقة وأنا مش قادرة أستوعب.

“الميراث؟”

عمي سامح ابتسم ابتسامة باردة.

“أيوه.”

بصيت لياسين.

“يعني كل السنين دي…”

قاطعني:

“كان فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع الوصية دي من إنها تتنفذ.”

الضابط أخذ الورقة من إيدي وبدأ يفحصها.

“دي وصية رسمية؟”

ياسين قال:

“أيوه. واتسجلت عند المحامي.”

بصيت للمحامي العجوز.

هز رأسه.

“والدك كتبها قبل الحريق بشهر.”

سألت:

“ليه؟”

قال:

“لأنه اكتشف إن بعض أفراد العيلة بيحاولوا يسيطروا على أصول الشركة.”

نظرت إلى عمي.

“إنت كنت واحد منهم.”

لم ينكر.

قال:

“كنت بحاول أحمي حقي.”

رد ياسين:

“حقك؟ الشركة كانت بتاعة أخوياك.”

عمي ضحك.

“والشركة كان ممكن تضيع بسبب قراراته.”

الضابط قاطعه:

“ده مش موضوعنا دلوقتي.”

ثم أمسك الملف الأسود.

“لكن ده موضوعنا.”

فتح الملف.

كانت بداخله تحويلات مالية، حسابات، وتوقيعات.

كلها مرتبطة بالشركة.

والأسماء كانت واضحة.

عمي.

وحسام.

وأشخاص آخرون.

لكن اسم أبي كان موجودًا بينهم.

قلت:

“بابا كان مشارك؟”

ياسين قال:

“في البداية، أيوه.”

ثم أضاف:

“لكن لما عرف إن الموضوع أكبر مما تخيل، حاول يوقفهم.”

سألته:

“وعشان كده حصل الحريق؟”

قال:

“الحريق حصل بعد ما أبوكي حاول يسلّم الأدلة للشرطة.”

بصيت إلى عمي.

“إنت اللي ولعت النار؟”

عمي لم يرد.

الضابط قال:

“سامح، أنا بسألك للمرة الأخيرة.”

عمي تنهد.

ثم قال:

“أنا ماكنتش عايز أموت حد.”

سقط الصمت.

“كنت عايز الورق.”

ياسين قال:

“لكن النار كانت جزء من الخطة.”

عمي نظر إليه.

“إنت ماكانش المفروض تنجو.”

اتسعت عيناي.

“يعني كنت عايز تقتله؟”

قال:

“كان لازم أوقفه.”

الضابط وضع القيود في إيده.

وفي اللحظة نفسها، وصلت سيارات شرطة أخرى.

أما أنا، فكنت واقفة في مكاني، عاجزة عن استيعاب إن الحقيقة اللي عشت عمري كله وأنا بدور عليها…

كانت أقرب لي مما تخيلت.

بعد القبض على عمي، رجعنا للفيلا.

والدي كان موجودًا مع أمي.

ولأول مرة، شفت أبي من غير القناع اللي لبسه سنين.

رجل عجوز ومتعب.

اقتربت منه.

“ليه ماقلتليش؟”

خفض رأسه.

“كنت خايف.”

“من إيه؟”

“من إنك تعرفي إن أخوكي عايش.”

سألته:

“ليه؟”

قال:

“لأن لو الناس عرفت إنه عايش، كانوا هيعرفوا إن الحريق كان مدبر.”

سكت.

ثم قال:

“وكانوا هيحاولوا يوصلوا لك.”

بصيت له.

“بس أنا عشت خمستاشر سنة فاكرة إن الحروق دي مجرد حادث.”

دموعه نزلت.

“أنا عارف.”

“وكل سنة كنت بشوفك بتخبي جسمك…”

صوته انكسر.

“وكنت بموت كل يوم من جوايا.”

قلت:

“لكن كان لازم تقول الحقيقة.”

هز رأسه.

“أيوه.”

ثم بص إلى ياسين.

“أنا آسف.”

ياسين وقف أمامه.

ولأول مرة، شفت الاتنين يبصوا لبعض كأب وابن.

قال ياسين:

“أنا مش قادر أسامحك دلوقتي.”

ثم أضاف:

“لكن يمكن مع الوقت.”

أما أنا…

فبصيت إلى ليان.

كانت واقفة بعيد، ووشها مليان دموع.

اقتربت مني.

“نور…”

سكتت.

ثم قالت:

“أنا كنت أنانية.”

قلت:

“إنتِ أذيتيني.”

هزت رأسها.

“عارفة.”

“والنهارده قدام كل الناس سخرتِ من أكتر حاجة أنا عانيت بسببها.”

بدأت تبكي.

“أنا آسفة.”

سكتُّ طويلًا.

ثم قلت:

“أنا مش هنسى.”

“لكن ممكن أتعلم أسامح.”

ليان حضنتني.

المرة دي…

ماكانش فيه جمهور.

ولا مئات موبايلات.

ولا ضحك.

بس أختين واقفين وسط بيت مليان أسرار.

بعد أسابيع، بدأت التحقيقات الرسمية.

الأدلة اللي أخفاها أبي لسنين تم تسليمها بالكامل.

وأسماء الأشخاص المتورطين بدأت تظهر واحدة وراء الثانية.

أما ياسين…

فبدأ حياة جديدة.

رجع يعيش معانا لفترة، وكنا بنحاول نعوض السنوات اللي ضاعت.

وكان أكتر شيء يؤلمني…

إنه كل ما يشوف آثار الحروق على جسمي، يسكت.

وفي يوم، سألته:

“إنت لسه بتلوم نفسك؟”

قال:

“كل يوم.”

ابتسمت.

“متلومش نفسك.”

ثم لمست آثار الحروق.

“دي مش علامة على إنك فشلت.”

“دي علامة إننا نجينا.”

ابتسم لأول مرة.

وبعد أشهر، أقامت ليان حفلة صغيرة.

مش حفلة بملايين.

ولا مئات الضيوف.

حفلة عائلية بسيطة.

وقبل ما نبدأ، وقفت ليان قدام الجميع.

وقالت:

“أنا عايزة أعتذر لأختي نور.”

ثم نظرت إلى آثار الحروق.

“زمان كنت شايفاها حاجة تخوف.”

وسكتت.

“دلوقتي شايفاها أكتر حاجة بتفكرني إن أختي ضحت بنفسها عشاننا.”

صفق الجميع.

أما أنا…

فلم أحاول إخفاء جسمي.

لأول مرة في حياتي، وقفت بفستان مفتوح الأكمام.

وتركت آثار الحروق تظهر.

مش عشان الناس تشفق عليّ.

لكن عشان أنا أخيرًا بطلت أخجل من حاجة ماكانتـش ذنبي.

وقبل ما تنتهي الليلة، جاءني إشعار على هاتفي.

رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

وكان مكتوبًا:

“مبروك إنك عرفتي الحقيقة يا نور.”

ثم رسالة ثانية:

“لكن لسه فيه شخص واحد من العيلة ما اتحاسبش.”

رفعت عيني بسرعة.

بصيت لأبي.

ثم لأمي.

ثم لياسين.

ولقيت الرسالة الثالثة وصلت:

“الشخص اللي أخفى آخر نسخة من التسجيل…”

سكتُّ.

“كان أقرب واحد ليكِ طول الوقت.”

وقتها فهمت إن قصة الحريق انتهت…

لكن سر العيلة الأخير…

لسه ما انتهيش.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى