
ظل الجميع صامتين.
لم أسمع سوى صوت المطر وهو يطرق زجاج النوافذ.
كنت أحدق في ياسين وأنا أحاول استيعاب ما قاله.
خطيبته؟
نظرت إلى يده، ثم إلى وجهي عائلتي.
لم يكن أحد منهم يتوقع وجوده هنا.
والحقيقة أنني أنا نفسي لم أكن أتوقع أن يأتي بهذه الطريقة.
اقترب والدي منه بسرعة وقال:
«أستاذ ياسين، أعتقد أن هناك سوء تفاهم…»
قاطعه ياسين بهدوء:
«لا يوجد أي سوء تفاهم يا أستاذ كمال.»
ثم نظر إلى المريلة التي كنت أرتديها.
«أنا أعرف سلمى جيدًا.»
ابتلعت ريقي بصعوبة.
كان والدي يحاول الابتسام، لكن القلق كان واضحًا في عينيه.
قال:
«بالطبع، بالطبع… لكنني لم أكن أعرف أن علاقتكما وصلت إلى هذه المرحلة.»
رفعت رأسي ونظرت إلى والدي بدهشة.
«أبي، ماذا تقصد؟»
تدخلت أمي بسرعة:
«سلمى، ليس هذا وقت الأسئلة. اذهبي وغيري ملابسك، فنحن أمام ضيف مهم.»
نظرت إليها.
لأول مرة في حياتي، لم أشعر بالخوف من نبرة صوتها.
قلت بهدوء:
«أنا لست خادمة يا أمي.»
ساد الصمت مرة أخرى.
كانت تلك أول مرة أقولها بصوت مرتفع أمام الجميع.
رمشت أمي عدة مرات، وكأنها لم تصدق أنني تجرأت على الرد.
أما ياسين، فابتسم ابتسامة صغيرة.
ثم قال:
«أخيرًا قلتِها.»
نظرت إليه.
«ماذا؟»
اقترب مني قليلًا وقال:
«منذ أن عرفتك وأنتِ تتحملين أكثر مما ينبغي.»
ثم التفت إلى عائلتي.
«لكنني أعتقد أن الوقت قد حان ليتوقف ذلك.»
جلس والدي ببطء على أقرب كرسي.
قال:
«دعونا نجلس ونتحدث بهدوء.»
تحرك الجميع نحو غرفة الجلوس.
أما أنا، فخلعت المريلة ووضعتها على الطاولة.
لأول مرة منذ سنوات، خرجت من المطبخ دون أن أعود إليه.
جلست بجوار ياسين.
وبمجرد أن جلسنا، فتحت ليلى فمها وقالت:
«لكن… كيف تعرف سلمى أصلًا؟»
نظر إليها ياسين.
«هذا سؤال جيد.»
ثم نظر إليّ.
«هل تريدين أن تخبريهم أنتِ؟»
هززت رأسي.
فأنا لم أكن أريد أن أتكلم.
قال ياسين:
«التقيت سلمى منذ عام تقريبًا، عندما كانت تعمل على مشروع خاص بها.»
ضحك رامي بسخرية.
«مشروع؟ سلمى؟»
نظر إليه ياسين مباشرة.
فتوقفت ضحكته.
قال ياسين:
«نعم. مشروعها الخاص.»
ثم فتح الملف الأسود الموجود أمامه.
أخرج مجموعة من الأوراق.
«سلمى أسست قبل ثلاث سنوات شركة صغيرة للاستشارات والتجارة الإلكترونية. كانت تديرها وحدها بعد انتهاء عملها.»
نظرت إليه بدهشة.
كنت قد أخبرت ياسين عن كل شيء، لكنني لم أكن أتوقع أن يكشف ذلك أمامهم.
قال والدي:
«هذا غير صحيح.»
رفع ياسين عينيه إليه.
«بل صحيح.»
ثم دفع إحدى الأوراق أمامه.
«وهذه مستندات تسجيل الشركة.»
أمسك والدي الورقة.
قرأها.
تغير وجهه.
ثم قال:
«لكنها لم تخبرنا.»
ابتسمت بمرارة.
«ومتى كنت تسألني أصلًا يا أبي؟»
لم يجب.
تابع ياسين:
«في البداية كانت شركة صغيرة جدًا. لكن سلمى طورتها بنفسها، دون أن تطلب من عائلتها جنيهًا واحدًا.»
نظر رامي إليّ باستهانة.
«وما علاقة هذا كله بعقد شركتنا؟»
ساد الصمت.
ثم قال ياسين:
«كل العلاقة.»
رفع رامي حاجبه.
«ماذا تقصد؟»
وضع ياسين ورقة أخرى على الطاولة.
«الشركة التي تديرها سلمى أصبحت شريكًا استثماريًا في إحدى الشركات التابعة لمجموعتي.»
اتسعت عينا ليلى.
أما والدي فظل يحدق في الورقة.
ثم قال بصوت خافت:
«مستحيل.»
أجاب ياسين:
«ليس مستحيلًا.»
ثم أضاف:
«بل هناك شيء آخر لا تعرفه سلمى نفسها بالكامل.»
نظرت إليه بسرعة.
«ماذا تقصد؟»
فتح ياسين ملفًا آخر.
وقال:
«قبل ثلاث سنوات، عندما اختفى المبلغ من شركة والدك، لم تكن سلمى هي المسؤولة.»
شعرت وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
تجمدت في مكاني.
نظر والدي إلى ياسين بحدة.
«هذا موضوع قديم.»
قال ياسين:
«بالنسبة لك.»
ثم نظر إليّ.
«لكنه لم يكن قديمًا بالنسبة لسلمى.»
شعرت بيدي ترتجفان.
كل تلك السنوات…
كل الاتهامات…
كل الأموال التي خسرتها…
كل مرة نظرت فيها عائلتي إليّ باعتباري السبب…
قلت بصوت منخفض:
«من كان المسؤول إذن؟»
لم يجب ياسين فورًا.
بل نظر إلى رامي.
وتغير وجه رامي في اللحظة نفسها.
قالت ليلى:
«لماذا تنظر إليه؟»
لم يتحرك رامي.
أما أمي فنهضت بسرعة وقالت:
«ياسين، أعتقد أن من الأفضل أن نوقف هذا الحديث الآن.»
لكن ياسين بقي هادئًا.
وقال:
«لا يا مدام نوال. هذه المرة لن يتوقف الحديث.»
ثم أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة.
«لدي تسجيلات ووثائق تثبت أين ذهب المال.»
شهقت أمي.
والدي وقف فجأة.
«أغلق هذا الملف!»
نظر إليه ياسين بثبات.
«لن أغلق شيئًا.»
ثم التفت إليّ وقال:
«سلمى، أنا آسف لأنك تحملتِ هذا الظلم كل هذه السنوات.»
نظرت إليه والدموع تملأ عيني.
«لماذا لم تخبرني من قبل؟»
قال:
«لأنني كنت أريد التأكد من كل شيء قبل أن أضع الحقيقة أمامك.»
ثم نظر إلى والدي ورامي.
«والآن أصبحت متأكدًا.»
بدأ رامي يتراجع خطوة إلى الخلف.
قال:
«أبي… قل له إن هذا كله كذب.»
لكن والدي لم يتكلم.
كانت عيناه مثبتتين على الهاتف.
وهنا فهمت شيئًا أخافني أكثر من كل ما حدث.
أبي كان يعرف.
لم يكن الأمر مجرد سر أخفوه عني.
لقد كانوا جميعًا يعرفون الحقيقة.
ثم فتح ياسين التسجيل.
وانطلق صوت قديم من الهاتف.
صوت رجل أعرفه جيدًا.
كان صوت رامي.
قال في التسجيل:
«حوّلوا المبلغ إلى الحساب الثاني، وسلّموا الأوراق لسلمى. هي ستتحمل المسؤولية… أبي سيضمن ذلك.»
شهقت وأنا أضع يدي على فمي.
ليلى نظرت إلى أخيها وكأنها تراه للمرة الأولى.
أما أمي، فجلست على الكرسي وهي ترتجف.
والدي أغمض عينيه.
ورامي لم يعد قادرًا على الكلام.
لكن ياسين لم ينتهِ.
فقد وضع ملفًا آخر على الطاولة وقال:
«وهذا ليس كل شيء.»
نظر إليّ مباشرة.
«هناك شخص آخر متورط.»
ثم أضاف:
«والأدلة الموجودة عندي تثبت أن والدك لم يحمِ رامي فقط… بل فعل شيئًا آخر جعلك تخسرين مستقبلك بالكامل.»
رفعت رأسي.
«ماذا فعل؟»
نظر ياسين إلى والدي.
وقال:
«اسألي والدك عن المنحة الجامعية التي اختفت قبل ثلاث سنوات.»
ساد الصمت.
هذه المرة…
لم يكن أحد يملك جوابًا.
أما أنا، فبدأت أفهم أن حياتي كلها ربما كانت مبنية على كذبة واحدة كبيرة.
والأخطر من ذلك…
أنني لم أكن أعرف بعد لماذا كان والدي مستعدًا لتدمير مستقبل ابنته من أجل حماية ابنه.
ظللت أنظر إلى أبي.
لم أعد أستطيع أن أرى أمامي الرجل الذي كنت أظنه سندي.
كنت أراه الآن رجلًا يخفي شيئًا عن ابنته منذ سنوات.
قلت بصوت مرتجف:
«أبي… أين ذهبت منحتي؟»
لم يجب.
أعدت السؤال:
«أين ذهب المال الذي كان مخصصًا لدراستي؟»
رفعت أمي رأسها وقالت بسرعة:
«سلمى، لا تفتحي ملفات قديمة.»
نظرت إليها.
«قديمة بالنسبة لكم، لكنها كانت حياتي.»
تدخل ياسين بهدوء:
«سلمى تستحق أن تعرف.»
ثم أخرج من حقيبته مجموعة مستندات ووضعها أمامي.
«هذه نسخ من التحويلات البنكية.»
مددت يدي وأمسكت الأوراق.
في البداية لم أفهم شيئًا.
ثم رأيت اسم الحساب.
كان حسابًا تابعًا لشركة صغيرة مرتبطة بأخي رامي.
رفعت عيني نحو أخي.
«هذا حسابك؟»
قال بسرعة:
«لا! الشركة ليست باسمي.»
تدخل ياسين:
«صحيح. ليست باسمك مباشرة.»
ثم أخرج ورقة أخرى.
«لكنها كانت تحت إدارة شخص يعمل لحسابك.»
بدأ وجه رامي يتغير.
قال أبي:
«ياسين، كفى.»
لكن ياسين لم يتوقف.
«لماذا؟ لأن الحقيقة ستؤذي عائلتك؟»
ثم نظر إليّ.
«في ذلك الوقت، كانت سلمى تستعد للالتحاق ببرنامج دراسي مهم. كانت المنحة ستغطي معظم تكاليف دراستها.»
تذكرت تلك الأيام.
كنت أحلم بذلك المستقبل.
كنت أستعد للسفر والدراسة.
ثم فجأة قيل لي إن المنحة أُلغيت بسبب مشكلة في الأوراق.
صدقتهُم.
لم أجادل.
وبدلًا من الدراسة، بدأت أعمل.
وظيفة صباحية.
ووظيفة مسائية.
ثم عمل ثالث لفترة قصيرة.
كل ذلك لأنني ظننت أنني خسرت فرصتي بسبب خطأ مني.
قلت:
«لماذا؟»
هذه المرة كان صوتي أعلى.
«لماذا فعلتم هذا بي؟»
لم يجب أحد.
حتى رامي خفض عينيه.
عندها قال ياسين:
«لأن الأموال التي كانت ستُستخدم في مستقبلك استُخدمت رامي.»
شعرت أن شيئًا داخلي انهار.
نظرت إلى أخي.
«هل هذا صحيح؟»
ظل صامتًا.
فهمت الإجابة.




