روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني: التسجيل اللي قلب الموازين
وقفت قدام عربيتي، وبصيت لأحمد اللي كان لسه مصرّ إنه يمنعني من التحرك.

قلت له بهدوء:
— آخر مرة هطلب منك تبعد عن العربية. بنتك مصابة، وكل دقيقة بتعدي ممكن تزود حالتها سوءًا.

ضحك بسخرية وقال:
— إنتِ فاكرة نفسك هتخوفينا بالبطاقة دي؟ دي مشكلة عائلية، وإنتِ مالكيش حق تاخدي البنت وتمشي كده!

بصيت له وقلت:
— بنتي مش مشكلة عائلية يا أحمد. بنتي إنسانة بتتألم، ومحتاجة علاج، وأي كلام تاني ممكن يستنى.

في اللحظة دي، ليلى بدأت تعيط تاني من شدة الألم. حاولت ترفع إيدها ناحيتي من جوه العربية، وهي بتهمس:
— ماما… عايزة أروح البيت.

الكلمة دي خلت قلبي يتقطع. بيتها المفروض يكون المكان اللي تحس فيه بالأمان، لكن واضح إنها بقت خايفة حتى من المكان اللي المفروض يكون بيت أبوها.

حاولت أفتح باب السواق، لكن أحمد وقف قدامي مرة تانية.

— مش هتتحركي من هنا!

رفعت عيني ناحية كاميرا المراقبة المثبتة فوق مدخل البيت، وقلت بصوت واضح:
— كويس إنكم كلكم موجودين، لأن الكاميرا دي هتوضح كل حاجة حصلت النهارده.

أول ما قلت الجملة دي، وشوشهم اتغيرت.

نوال، والدة أحمد، اتحركت بسرعة ناحيتي وقالت:
— إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ دي كاميرا عادية، وملهاش علاقة بالموضوع!

رديت عليها:
— يبقى مفيش مشكلة إننا نشوف التسجيل، صح؟

سكتت فجأة.

أما سامح، فبص لأخوه بقلق، وبعدها قال:
— التسجيل مش هيغير حاجة. البنت وقعت، والموضوع خلص.

بصيت له مباشرة وقلت:
— لو هي وقعت فعلًا، يبقى إيه اللي مخوفكم من التسجيل؟

ما حدش رد.

في اللحظة دي، كريم، أخو أحمد الأصغر، خرج من باب البيت وهو ماسك موبايله. كان واضح عليه إنه متردد، لكنه أخيرًا قرر يتكلم.

قال بصوت منخفض:
— يا أحمد، كفاية بقى. إحنا مش هنقدر نفضل نخبي اللي حصل.

أحمد لف ناحيته بسرعة:
— اخرس يا كريم! محدش طلب رأيك!

كريم اتراجع خطوة، لكنه المرة دي ما سكتش.

— أنا شفت اللي حصل. والبنت ما وقعتش لوحدها.

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.

بصيت له وقلت:
— إنت تقصد إيه؟

قبل ما يرد، سامح اندفع ناحيته وقال بغضب:
— إنت هتخرب بيتنا عشان بنت صغيرة بتعيط كتير؟

كريم رفع صوته لأول مرة:
— دي مش مجرد بنت صغيرة! دي بنت أخويا! وإنتوا عارفين كويس إيه اللي حصل!

أحمد حاول يقاطعه، لكن كريم طلع موبايله وفتح تسجيلًا كان محتفظًا بيه.

قال لي:
— يا مريم، أنا سجلت جزء من اللي حصل قبل ما توصلي. كنت خايف أتكلم، بس لما شوفت ليلى بالشكل ده، مقدرتش أكمّل سكوت.

شغّل التسجيل.

في البداية، سمعت أصوات ناس بتتكلم في الصالة. بعدها ظهر صوت ليلى وهي بتقول إنها عايزة تكلم ماما.

سمعت صوت نوال بيرد عليها بحدة:
— كل شوية ماما وماما! إنتِ مش هتكبري أبدًا؟

ليلى ردت بصوت ضعيف:
— أنا بس وحشاني ماما.

بعدها سمعت صوت سامح:
— لازم تتعلم إن الكلام ليه حدود.

وبعدين جه صوت أحمد، وكان واضح جدًا:
— سيبوها شوية، لما تبطل عياط هتعرف إن مفيش فايدة من العند.

إيدي بدأت ترتعش وأنا بسمع صوت بنتي في التسجيل.

لكن الجزء الأصعب لسه ما جاش.

سمعت صوت حركة سريعة، وبعدها صوت ليلى وهي بتصرخ من الألم. ثم ساد صمت لثوانٍ، قبل ما أسمع أحمد بيقول ببرود:
— محدش يتصل بالإسعاف، ومحدش يقول إنها اتعرضت للأذى. هنقول إنها وقعت وهي بتلعب.

رفعت عيني ناحية أحمد.

كان واقف من غير ما يتكلم، لكن وشه بقى شاحبًا.

قلت له:
— إنت كنت عارف إنها مصابة، وبدل ما تطلب لها مساعدة، قررت تخبي اللي حصل؟

رد بعصبية:
— إنتِ مش فاهمة الظروف! أنا كنت بحاول أحمي العيلة من فضيحة!

ضحكت بمرارة وقلت:
— فضيحة؟ بنتك ممكن تكون بتعاني من إصابة خطيرة، وإنت كل اللي شاغلك هو شكل العيلة قدام الناس؟

نوال دخلت بيننا وقالت:
— سامح ما كانش يقصد يأذيها. البنت استفزته بعياطها، وهو فقد أعصابه. إحنا كلنا بنغلط!

بصيت لها وقلت:
— الغلط إنك تنسي تشتري حاجة من السوق. إنما لما طفلة تتصاب، والناس اللي حواليها يقرروا يخفوا الحقيقة بدل ما يساعدوها، فده مش مجرد غلط.

حاولت أرجع ناحية باب العربية، لكن أحمد قال:
— استني! التسجيل ده مش كامل، وإنتِ بتفسري الكلام على مزاجك!

رديت:
— عظيم. يبقى هنشوف التسجيل الأصلي كله، ونسيب الجهات المختصة تحدد الحقيقة.

أول ما سمع الجملة دي، سامح اتحرك ناحية باب البيت بسرعة، وكأنه عايز يدخل قبل ما حد يمنعه.

لكن كريم وقف في طريقه.

— مش هتمسح التسجيل يا سامح. أنا بعت نسخة منه بالفعل.

سامح اتجمد مكانه.

أحمد بص لأخوه الأصغر بصدمة:
— بعتّه لمين؟

كريم بلع ريقه وقال:
— لشخص يقدر يساعدنا نثبت اللي حصل، لو حاولتوا تنكروا الحقيقة.

ما حدش عرف يرد عليه.

استغليت اللحظة، وفتحت باب العربية وركبت. المرة دي، أحمد ما حاولش يمنعني. يمكن لأنه بدأ يفهم إن الموضوع خرج من إيده، أو لأنه أدرك إن كل كلمة بيقولها ممكن تتحول لدليل ضده.

تحركت بالعربية فورًا، واتجهت لأقرب مستشفى.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى