
طول الطريق، كنت بمسك إيد ليلى كل ما أقف عند إشارة، وبطمنها إن ماما معاها ومش هتسيبها.
كانت بتبص لي بعينين مرهقتين، وبعد دقائق همست:
— ماما، هو أنا عملت حاجة وحشة؟
حسيت إن قلبي اتكسر للمرة التانية.
قلت لها:
— لأ يا حبيبتي، إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. إنتِ من حقك تعيطي لما تكوني زعلانة، ومن حقك تقولي إنك موجوعة، ومحدش له حق يخوفك عشان تعبّري عن مشاعرك.
غمضت عينيها، وضغطت على إيدي بخفة.
وصلنا المستشفى، واستقبلها الفريق الطبي بسرعة. بعد الفحص والأشعة، أكد الطبيب وجود إصابة في الفك، وقال إن حالتها محتاجة متابعة وعلاج متخصص.
كنت واقفة بره غرفة الفحص، حاسة بغضب وحزن ما حسيتش بيهم قبل كده.
بعد شوية، خرج الطبيب وقال:
— كويس إنك جبتيها بسرعة. لازم نتابع الإصابة بعناية، وهنحدد العلاج المناسب حسب نتائج الفحوصات.
شكرت الطبيب، وبعدها دخلت أطمن على بنتي.
كانت ليلى مرهقة، لكنها لما شافتني ابتسمت ابتسامة صغيرة.
في اللحظة دي، موبايلّي رن.
كان رقم كريم.
رديت، فسمعته بيقول بصوت متوتر:
— يا مريم، لازم تعرفي حاجة تانية. التسجيل اللي بعته لك مش هو كل اللي عندي.
سكت لحظة، وبعدها أكمل:
— فيه تسجيل تاني من كاميرا الصالة، وده بيكشف اللي حصل قبل الإصابة بدقايق. أحمد طلب مني من يومين أفصل الكاميرا، لكني ما عملتش كده. ولما راجعت التسجيل، اكتشفت إن اللي حصل النهارده ما كانش أول مرة يحاولوا فيها التعامل مع ليلى بالطريقة دي.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
— تقصد إيه يا كريم؟ حصل لها إيه قبل كده؟
رد بصوت مخنوق:
— مش عايز أقولك حاجة قبل ما تشوفي التسجيل بنفسك. بس فيه شخص تاني في العيلة كان عارف كل حاجة، وكان بيشجع أحمد على إنه يمنع ليلى من التواصل معاكي.
سألته:
— مين الشخص ده؟
وقبل ما ينطق بالاسم، سمعت صوتًا جايًا من آخر الممر.
رفعت رأسي، وشفت أحمد داخل المستشفى، ومعاه شخص ما كنتش أتوقع أبدًا إنه ييجي يدافع عنه.
الشخص ده كان ماسك ملفًا بنيًا، وأول ما شافني قال:
— يا مريم، قبل ما تعملي أي إجراء، لازم تسمعي الحقيقة كاملة. لأن لو التسجيل ده اتعرض، مش أحمد لوحده اللي هيتحاسب على اللي حصل.
وقتها أدركت إن إصابة ليلى كانت بداية حكاية أكبر بكتير مما تخيلت، وإن فيه سرًا داخل العيلة كلها كانوا بيحاولوا يخفوه عني من شهور.
مين الشخص اللي ظهر في المستشفى؟ وإيه اللي كان موجود في الملف البني؟ وليه كان خايف من ظهور التسجيل الكامل؟
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث: السر اللي كانوا بيخفوه عني
فضلت واقفة مكاني وأنا ببص للشخص اللي دخل المستشفى مع أحمد.
ما كنتش مصدقة عيني.
كان عماد، محامي العيلة، الراجل اللي اتعاملت معاه أكتر من مرة وقت إجراءات الطلاق، واللي كنت فاكرة إنه شخص محايد، ومش هيتدخل في خلافاتنا الشخصية.
لكنه المرة دي ما جاش لوحده. كان ماسك ملفًا بنيًا، وملامحه بتقول إن عنده كلام كتير مخبيه.
بص لي وقال:
— يا مريم، أنا فاهم إنك غضبانة، لكن لازم تسمعيني قبل ما تاخدي أي خطوة.
رديت بحدة:
— بنتي في أوضة المستشفى بسبب اللي حصل في بيت أبوها، وإنت جاي تطلب مني أسمعك؟ اتفضل قول اللي عندك، لكن لو فاكر إني هتنازل عن حق بنتي، تبقى غلطان.
أحمد وقف جنبه وقال:
— إحنا كلنا عايزين مصلحة ليلى. الموضوع خرج عن السيطرة، ومش لازم يتحول لقضية كبيرة.
بصيت له باستغراب.
— مصلحة ليلى؟ إنت كنت واقف قدام عربيتي وبتمنعني أوديها المستشفى! وكنت عارف إنها مصابة، ومع ذلك طلبت من الكل يخبي الحقيقة!
عماد رفع إيده، كأنه بيحاول يهدّي الموقف.
— أنا مش جاي أبرر اللي حصل. أنا جاي أوضح إن فيه اتفاقات سابقة بينك وبين أحمد، وإن فيه مستندات لازم تتراجع قبل أي قرار.
فتح الملف البني، وطلع منه مجموعة أوراق.
أول ورقة كانت نسخة من اتفاق تنظيم الزيارات بيني وبين أحمد بعد الطلاق.
قلت له:
— أنا عارفة الاتفاق ده كويس. إيه الجديد؟
قلب الصفحة، وطلع ورقة تانية.
— أحمد بيقول إنك خلال الشهور الأخيرة بقيتي بتمنعيه من التواصل مع بنته، وإنه عنده رسائل تثبت كلامه.
بصيت لأحمد، وبعدها ضحكت من شدة الصدمة.
— هو ده اللي جايين تتكلموا فيه دلوقتي؟ بنتي عندها إصابة في الفك، وإنتوا بتحاولوا تحولوا الموضوع لخلاف على الزيارات؟
رد أحمد بسرعة:
— أنا ما قلتش إنك السبب في إصابتها!
قلت له:
— لكنك بتحاول تستخدم خلافاتنا عشان تشتت الانتباه عن اللي حصل.
في اللحظة دي، خرجت الممرضة من غرفة ليلى، وطلبت مني أدخل أطمن عليها.
دخلت، ولقيتها نايمة على السرير، ووشها مرهق. قربت منها، ومسحت على شعرها برفق.
فتحت عينيها وقالت:
— ماما، بابا جه؟
اترددت لحظة، وبعدها قلت:
— أيوه يا حبيبتي، هو بره.
سألتني بصوت ضعيف:
— هو زعلان مني؟
حسيت بغصة في حلقي.
— لأ يا روحي، إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط.
لكنها ما اقتنعتش بسهولة.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
— ماما، أنا حاولت أكون شاطرة. ما عيطتش في الأول، بس لما عمي زعق لي، خفت.
قعدت جنبها وطلبت منها تحكي لي براحتها، من غير ما تضغط على نفسها.
قالت إنها كانت قاعدة في الصالة، وإنها طلبت من أبوها يتصل بيا عشان كانت وحشاني. لكنه قال لها إن وقت المكالمات خلص.
حاولت تسأله مرة تانية، فغضب منها.
وبعدها دخل سامح، وبدأ يلومها على إنها مش بتسمع الكلام، وإنها بتسبب مشاكل للعيلة بسبب تعلقها بيا.
قالت ليلى إنها حاولت تشرح إنها مش بتعمل أي حاجة غلط، لكن سامح فقد أعصابه وتعامل معها بقسوة.
ما كانتش قادرة تحكي تفاصيل أكتر، وأنا ما ضغطتش عليها.
كل اللي كان يهمني وقتها هو إنها تحس بالأمان، وإنها تعرف إن محدش هيجبرها تسكت عن وجعها.
بعد دقائق، خرجت من الغرفة، ولقيت أحمد واقف عند الباب.
قال بصوت منخفض:
— ممكن نتكلم لوحدنا؟
بصيت له وقلت:
— اتكلم هنا.
اتلفت حواليه، وبعدها قال:
— أنا عارف إن اللي حصل غلط، لكن سامح أخويا. لو اتحاسب قانونيًا، حياتنا كلنا هتتأثر.
رديت عليه:
— وحياة ليلى؟ مش دي اللي اتأثرت لما بقت خايفة حتى تعيط؟
نزل عينيه للأرض، لكنه ما جاوبش.
كملت:
— أنا مش هقرر العقوبة، ومش هحكم على حد قبل ما الحقيقة تظهر. لكن مش هسمح إن أي حد يضغط على بنتي أو يجبرني أتنازل عن حقها.
فجأة، ظهر كريم في آخر الممر، وكان ماسك موبايله.
قال:
— يا مريم، لازم تشوفي التسجيل الكامل دلوقتي.
بص لأحمد، وبعدها أضاف:
— لأن فيه حاجة حصلت قبل الإصابة، وبتفسر ليه أحمد كان مصرّ إن محدش يطلب الإسعاف.
فتح التسجيل، وبدأنا نشوف المشاهد.




