
الجزء التاني: الفلوس اللي اختفت من حساب المدرسة
بصيت لبنتي وقلت لها بهدوء:
— ليلى، عايزك تحكيلي كل حاجة من الأول. وماتخافيش، محدش هيقدر يعاقبك عشان بتقولي الحقيقة.
ليلى بصت للأستاذة نجلاء، وبعدها نزلت عينيها في الأرض.
كان واضح إنها خايفة منها، وده لوحده خلاني أحس إن الموضوع مش مجرد سوء تفاهم.
قربت منها أكتر وقلت:
— بصيلي يا حبيبتي، أنا معاكي. احكيلي اللي حصل.
أخدت نفس طويل، وبدأت تتكلم بصوت واطي:
— من حوالي 3 أسابيع، لاحظت إن الولد اللي اسمه يوسف والبنت اللي اسمها مريم مش بياكلوا معانا. في الأول افتكرت إنهم مش بيحبوا أكل المدرسة، لكن بعد كده عرفت إنهم بياخدوا أكل قليل جدًا، وأحيانًا مابيكونش معاهم أي حاجة.
بصيت ناحية الأطفال التلاتة.
يوسف كان باصص لنا، ومريم كانت لسه ماسكة نص الرغيف الصغير بين إيديها، أما الطفل التالت فكان بيحاول يتظاهر إنه مش مهتم بالكلام اللي بيدور.
ليلى كملت:
— سألتهم ليه مش بياكلوا، فقالوا إنهم مش مسموح لهم ياخدوا وجبات زي باقي الطلبة. وإن المدرسة قالت لأهلهم إن حساب الأكل بتاعهم مش متسدد.
حسيت بصدمة شديدة.
— وإنتِ عرفتي منين إن الأكل بتاعهم مدفوع؟
ليلى رفعت عينيها وقالت:
— عشان سمعتك وإنت بتتكلم مع ماما في التليفون يا بابا، وكنت بتقول لها إنك جددت التبرع بتاع وجبات الطلبة المحتاجين، وإنك دفعت مصاريف السنة كلها.
بدأت أفهم جزءًا من الصورة، لكن لسه فيه حاجات كتير مش واضحة.
أنا كنت بساهم كل سنة في برنامج الوجبات المدرسية، وكنت فاكر إن الفلوس بتوصل للطلاب اللي محتاجينها فعلًا.
كنت بحوّل المبلغ لإدارة المدرسة، وبستلم إيصال رسمي عليه اسم البرنامج وعدد الوجبات الممولة.
لكن عمري ما تخيلت إن بنتي نفسها هتكون شاهدة على حاجة زي دي.
سألتها:
— طيب، لما عرفتي إنهم مش بياكلوا، عملتي إيه؟
قالت وهي بتفرك صوابعها بتوتر:
— في الأول كنت بديهم جزء من أكلي. كنت بقسم الساندويتش بتاعي معاهم، وبسيب لهم شوية من الفاكهة والعصير. بس الأستاذة نجلاء شافتني، وقالت لي إن ده ممنوع.
الأستاذة نجلاء تدخلت بسرعة:
— أستاذ محمود، أرجوك ماتاخدش كلام طفلة على إنه حقيقة كاملة. إحنا عندنا قواعد لازم كل الطلبة تلتزم بيها.
بصيت لها وقلت:
— أنا لسه ماخلصتش كلامي مع بنتي.
سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش متعودة حد يعترض على كلامها.
ليلى كملت:
— بعدها قالت لي لو شاركت أكلي معاهم تاني، هتخليني أرمي وجبتي قدامها. وأنا افتكرت إنها بتهددني بس، لكن النهارده نفذت كلامها.
حسيت بغضب شديد، لكن حاولت أسيطر على نفسي.
ماكانش ينفع أصرخ أو أعمل مشكلة قدام الأطفال. كنت محتاج أعرف الحقيقة كاملة.
في اللحظة دي، أمينة، عاملة الكافيتيريا، قربت مننا وقالت بصوت متردد:
— لو تسمح لي يا أستاذ محمود، أنا محتاجة أقول لحضرتك حاجة.
الأستاذة نجلاء بصتلها بحدة.
— أمينة، إنتِ عندك شغل في المطبخ. اتفضلي كمّلي شغلك.
لكن أمينة ما اتحركتش.
بصت لي وقالت:
— أنا بشتغل هنا من 8 سنين، وعمري ما شفت الأطفال دي بيجيلها وجبات منتظمة. وكل ما أسأل عن السبب، يقولوا لي إن أسماءهم اتشالت من الكشف.
سألتها بسرعة:
— مين اللي شال أسماءهم؟
ترددت للحظة، وبعدها قالت:
— الإدارة بتقول إن ده قرار الأستاذة نجلاء، وإن الحسابات هي اللي أكدت إن مافيش رصيد كفاية.
بصيت للأستاذة نجلاء.
— إنتِ بتقولي إن مافيش فلوس كفاية؟
ردت بنبرة دفاعية:
— أنا مسؤولة عن تنظيم الوجبات، وفيه إجراءات مالية وإدارية حضرتك مش مطلع عليها.
طلعت موبايلي واتصلت بمساعدي في الشركة.
لما رد، قلت له:
— عايزك تبعت لي نسخة من آخر تحويل لبرنامج الوجبات المدرسية، مع الإيصال الرسمي وكشف بالمبالغ اللي اتدفعت خلال السنة.
وبعدها طلبت منه يتواصل مع المحاسب المسؤول عن التبرعات، عشان يتأكد من إجمالي المبلغ اللي وصل للمدرسة.
قفلت المكالمة وبصيت للأستاذة نجلاء.
— لحد ما نفهم الموضوع، كل طفل موجود هنا هياخد وجبته كاملة. وأي مصاريف إضافية أنا هتكفل بيها مؤقتًا.
لكنها ردت بسرعة:
— حضرتك ماتقدرش تتدخل في نظام المدرسة بالشكل ده.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقلت:
— أنا مش بتدخل في نظام المدرسة. أنا بس بحاول أفهم ليه أطفال محرومين من الأكل رغم إن فيه برنامج معمول مخصوص عشان يوفره لهم.
ما ردتش.
وفي اللحظة دي، يوسف قام من مكانه ببطء.
كان ولد صغير، هدومه نظيفة لكنها قديمة، وملامحه بتقول إنه متردد بين إنه يتكلم وبين إنه يسكت.
بص لي وقال:
— يا عمو، ممكن أسألك سؤال؟
قلت له:
— طبعًا يا حبيبي، اتفضل.
سألني بصوت خافت:
— هو إحنا عملنا حاجة غلط عشان مش بندفع تمن الغدا؟
السؤال ده كان كفيل إنه يوقفني عن الكلام.
طفل عنده حوالي 11 سنة، بدل ما يكون كل اللي شاغله واجباته وأصحابه واللعب، بقى بيسأل نفسه إذا كان يستحق ياكل ولا لأ.
نزلت لمستوى عينيه وقلت:



