روايات وقصص

بنتي القصة كاملة

— لأ يا يوسف، إنت ماعملتش أي حاجة غلط. والأكل حقك، ومحدش المفروض يخليك تحس إنك أقل من أي طفل تاني.

مريم بدأت تعيط في هدوء، وليلى راحت وقفت جنبها ومسكت إيدها.

أما الأستاذة نجلاء، فكانت واقفة ساكتة، لكن إيديها كانت بتتحرك بعصبية.

بعد حوالي عشر دقايق، وصلني إشعار على الموبايل من مساعدي.

كان باعت لي نسخة من التحويل البنكي، ومعاها كشف بالمبلغ اللي دفعته المدرسة.

فتحت الملف، وبدأت أقارن الأرقام.

المبلغ اللي اتحوّل كان أكبر بكتير من المبلغ المسجل في كشف المدرسة.

راجعت الأرقام مرة واتنين، يمكن يكون فيه خطأ في الحسابات.

لكن مافيش أي خطأ.

كان فيه فرق مالي واضح، ومحدش قدر يفسره.

رفعت عيني ناحية الأستاذة نجلاء وسألتها:

— ممكن أعرف مين المسؤول عن مراجعة حسابات برنامج الوجبات؟

ردت بعد تردد:

— المدير المالي، بالتعاون مع الإدارة.

قلت لها:

— تمام. أنا عايز أقابل المدير المالي ومدير المدرسة النهارده، وعايز كل المستندات الخاصة بالبرنامج من بداية السنة.

لأول مرة، ملامحها اتغيرت بشكل واضح.

قالت بسرعة:

— مش هينفع نطلع المستندات بالشكل ده من غير موعد رسمي.

قفلت الملف على الموبايل وقلت:

— يبقى نحدد موعد رسمي. لكن قبل أي حاجة، عايز أفهم سبب حرمان الأطفال من الوجبات.

وقبل ما ترد، دخل رجل في أواخر الخمسينات إلى الكافيتيريا.

كان مدير المدرسة، الأستاذ سامح، وواضح من نظراته إنه عرف إن فيه مشكلة كبيرة.

قرب مننا وقال بابتسامة متوترة:

— أستاذ محمود، سمعت إن فيه سوء تفاهم حصل هنا. ممكن نتكلم في مكتبي بعيد عن الطلبة؟

بصيت لبنتي، اللي كانت أخيرًا بتاكل وجبتها، وبعدها بصيت للأطفال التلاتة اللي قدامهم أكل لأول مرة من ساعات طويلة.

قلت له:

— أكيد هنتكلم. لكن قبل ما أطلع مكتبك، فيه سؤال واحد محتاج إجابة واضحة.

اتغيرت ملامحه وسأل:

— اتفضل.

رفعت نسخة التحويل البنكي قدامه وقلت:

— أنا دفعت تمن وجبات عدد كبير من الطلبة مقدمًا… فمين اللي قرر إن الأطفال دول مالهمش حق ياكلوا، وفلوسي راحت فين؟

المدير بص للورقة، وبعدها بص للأستاذة نجلاء.

واللي حصل بعد النظرة دي مباشرة، أكد لي إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خطأ في كشف الوجبات.

لأن المدير قال جملة واحدة خلت الأستاذة نجلاء تفقد قدرتها على الكلام…

يتبع في الجزء الثالث.

الجزء الثالث: السر اللي مدير المدرسة حاول يخبيه
الأستاذ سامح، مدير المدرسة، فضل باصص على كشف التحويلات اللي في إيدي، ووشه بدأ يتغير تدريجيًا.

في البداية حاول يضحك، وكأنه عايز يقنعني إن الموضوع كله مجرد سوء تفاهم بسيط.

قال وهو بيعدل نظارته:

— أستاذ محمود، أنا متأكد إن فيه خطأ إداري، وإحنا هنراجع كل حاجة ونتواصل مع حضرتك.

لكن أنا ماكنتش مستعد أسمع وعود عامة وأمشي.

قلت له بهدوء:

— أنا مش جاي أعمل مشكلة، ومش باتهم حد من غير دليل. أنا عايز أعرف بس ليه الأطفال دول اتحرموا من الأكل، رغم إن الفلوس اللي المفروض تغطي وجباتهم وصلت للمدرسة.

الأستاذ سامح بص للأستاذة نجلاء، وبعدها قال:

— نجلاء، ممكن توضحي لأستاذ محمود سبب استبعاد أسماء الطلبة دول من البرنامج؟

نجلاء اترددت، وبعدها ردت بنبرة متوترة:

— زي ما قلت لحضرتك، فيه تعليمات مالية جديدة، والبرنامج ماكانش قادر يغطي كل الطلبة المسجلين.

سألها المدير:

— تعليمات مالية جديدة؟ من إمتى؟

سكتت للحظات.

كان واضح إنها ما توقعتش إنه يسألها السؤال ده قدامي.

قالت أخيرًا:

— من بداية الشهر الماضي.

المدير عقد حاجبيه.

— غريبة! أنا ماصدرتش أي تعليمات بخصوص تقليل الوجبات.

في اللحظة دي، حسيت إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه ماكنتش أعرف مين المسؤول الحقيقي.

بصيت للمدير وقلت:

— ممكن أشوف كشف المصروفات الخاص بالبرنامج؟

رد بسرعة:

— طبعًا، لكن الأفضل نراجع المستندات في مكتبي.

وافقت، بشرط إن أمينة تفضل مع الأطفال لحد ما يخلصوا أكلهم، وإن ليلى ما تتعرضش لأي عقاب بسبب اللي حصل.

وبعدها طلعت معاه المكتب.

كانت الأستاذة نجلاء ماشية ورانا، وملامحها متوترة بشكل واضح.

أول ما دخلنا، المدير طلب من السكرتيرة تجيب ملف برنامج الوجبات المدرسية.

وصل الملف بعد دقائق.

فتحته وبدأت أراجع المستندات.

كان فيه كشف بأسماء الطلبة المستفيدين، وفواتير شراء الطعام، وإيصالات توريد من شركة متعاقدة مع المدرسة.

لكن فيه حاجة لفتت نظري.

عدد الوجبات اللي المدرسة بتقول إنها قدمتها أقل بكتير من عدد الوجبات اللي أنا دفعت تمنها.

سألت المدير:

— هو الفرق ده سببه إيه؟

رد وهو بيقلب في الأوراق:

— ممكن يكون فيه طلبة غابوا، أو وجبات اتلغت لأسباب تشغيلية.

قلت له:

— أنا فاهم إن فيه غياب، لكن الفرق أكبر من كده بكتير.

وبعدين حطيت ورقتين جنب بعض.

— بص هنا. التحويلات بتغطي وجبات لمدة فصل دراسي كامل، لكن الفواتير المسجلة بتغطي عدد أقل بشكل ملحوظ. فين باقي الوجبات؟

المدير سكت.

أما نجلاء، فبدأت تتكلم بسرعة:

— الشركة الموردة هي المسؤولة عن تجهيز الوجبات، وممكن تكون فيه مشكلة في التوريد. أنا ماليش علاقة بالحسابات.

قلت لها:

— طيب، مين اللي طلب استبعاد يوسف ومريم والطلاب التانيين؟

ردت:

— أنا كنت بنفذ تعليمات الإدارة.

المدير رفع رأسه فجأة.

— أنا ماطلبتش منك تستبعدي أي طالب من برنامج الوجبات.

الصمت ملأ المكتب.

لأول مرة، نجلاء ماقدرتش ترد فورًا.

لكن المفاجأة الحقيقية ماكانتش في كلامها، ولا في اختلاف الأرقام.

كانت في ورقة صغيرة موجودة في آخر الملف.

ورقة عليها توقيع بالموافقة على تعديل قائمة المستفيدين، وتاريخ التعديل كان قبل بداية المشكلة بأيام قليلة.

والأغرب إن التوقيع الموجود عليها كان توقيع المدير نفسه.

رفعت الورقة قدامه.

— أستاذ سامح، ممكن تشرح لي ده؟

أخد الورقة من إيدي، وبص للتوقيع طويلًا.

وبعدين قال بصوت منخفض:

— أنا ماوقعتش على الورقة دي.

نجلاء اتكلمت بسرعة:

— يمكن حضرتك نسيت، لأننا كنا بنراجع قوائم الطلبة وقتها.

المدير رد بحزم:

— أنا ما بنكرش توقيعي لما أكون وقعت فعلًا. الورقة دي لازم تتراجع.

في اللحظة دي، رن تليفوني.

كان مساعدي، اللي طلبت منه يراجع التحويلات والمستندات.

قلت له:

— وصلت لإيه؟

رد بصوت جاد:

— أستاذ محمود، راجعت التحويلات اللي حضرتك بعتها، وفيه حاجة محتاجة تتشاف فورًا. الشركة اللي بتورد الوجبات للمدرسة استلمت مبالغ أقل من المبالغ المسجلة في بعض الفواتير، وفيه مستندات تانية محتاجة مراجعة.

سألته:

— يعني فيه فرق بين اللي اتدفع واللي اتسجل؟

قال:

— أيوه، لكن لسه ماقدرناش نحدد سببه النهائي. محتاجين نراجع الفواتير الأصلية وكشوف التسليم.

قفلت المكالمة، وبصيت للمدير.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى