
الجزء الثاني والاخير
المستشار شريف منصور فضّل ماسك الورقة قدامه، وبصّ لأبويا بنظرة جادة، وبعدها قال:
«أستاذ فؤاد، حضرتك متأكد من أقوالك اللي أدليت بيها من شوية؟»
أبويا بلع ريقه، وحاول يرجّع الثقة لصوته.
«طبعًا يا سيادة المستشار. أنا قلت الحقيقة، والبيت ده إحنا اللي كنا بنتابع شؤونه طول السنين اللي فاتت.»
المستشار رفع الورقة قدام عينيه وقال:
«غريبة جدًا! لأن المستند الموجود قدامي بيقول كلام مختلف تمامًا.»
أمي اتعدّلت في كرسيها، وبدأت تحرّك صوابعها بعصبية في عقد اللؤلؤ اللي لابساه.
أما أنا، ففضلت واقفة في مكاني، ساكتة، وبراقب وش أبويا وهو بيتحوّل من الثقة للقلق.
المستشار كمّل:
«المستند ده عبارة عن إقرار موثّق من والدكم، المرحوم عبد الرحيم المنسي، بخصوص ملكية البيت والأرض المحيطة بيه. والإقرار واضح في إن العقار مخصّص لحفيدته مريم، وإن الملكية دي مشروطة بعدم التصرف في العقار بالمخالفة لرغبته المسجّلة.»
أبويا هزّ راسه بسرعة.
«الكلام ده مش صحيح! أبويا كان كبير في السن وقتها، وممكن يكون حد استغل حالته وخلاه يمضي على الورق ده.»
بصّ المستشار له بصرامة.
«قبل ما حضرتك توجّه أي اتهام، لازم تعرف إن المستند ده اتراجع ضمن ملف الملكية، وإن التوقيع عليه متطابق مع المستندات الرسمية المحفوظة. ولو عندك اعتراض قانوني، تقدر تقدّمه بالطريق الصحيح.»
وبعدين رفع ورقة تانية من الملف.
«لكن فيه حاجة أهم من كده.»
القاعة كلها فضلت ساكتة.
«السجلات بتوضح إن المدعى عليها كانت بتسدّد الالتزامات المالية المتعلقة بالعقار بصورة منتظمة، وإن فيه إيصالات ومستندات رسمية بتثبت ده على مدار سنوات طويلة.»
لفّ المستشار ناحية أبويا.
«فبناءً على إيه بتقول إنك أنت اللي دفعت المصاريف؟»
أبويا ما ردش فورًا.
بصّ لأمي، وأمي بصّت له، وفي النظرة اللي اتبادلوها كان فيه كلام كتير ما اتقالش.
بعد لحظات، أبويا قال:
«إحنا كنا بنساعدها. هي كانت بعيدة عن البلد بسبب شغلها، وإحنا أهلها، وكان طبيعي نتابع البيت.»
المستشار رد بهدوء:
«مساعدة الأسرة شيء، وادعاء سداد مصاريف لم يتم دفعها شيء تاني تمامًا. المحكمة محتاجة مستندات، مش مجرد أقوال.»
حسّيت إن صدري بدأ يرتاح لأول مرة من ساعة ما فتحت ظرف القضية.
لكن كان عندي سؤال أهم من كل اللي اتقال.
رفعت إيدي وطلبت الإذن بالكلام.
«سيادة المستشار، ممكن أقدّم المستندات اللي معايا؟»
أشار لي بالموافقة.
فتحت الحقيبة الجلدية الصغيرة اللي كنت جايباها معايا، وطلّعت ملفًا مرتبًا بعناية.
كان جواه إيصالات الضرائب، ومستندات الملكية، وإثباتات السداد، وخطابات رسمية متعلقة بالعقار.
حطيت الملف قدام المستشار وقلت:
«دي كل الإيصالات اللي احتفظت بيها من سنة 2013 لحد دلوقتي. حتى في الفترات اللي كنت فيها خارج مصر بسبب طبيعة خدمتي، كنت حريصة إن كل التزامات الأرض تتسدّد في مواعيدها.»
المستشار بدأ يراجع المستندات، ورقة وراء ورقة.
وبعد دقائق، رفع رأسه وقال:
«المستندات دي مهمة جدًا، وهتتضم لملف القضية.»
أبويا بدأ يتحرك في كرسيه بعصبية.
وبعدين قال بصوت أعلى:
«بس البيت كان فاضي! هي مش كانت موجودة فيه، وإحنا كنا خايفين عليه!»
بصّيت له لأول مرة من ساعة ما دخلت القاعة.
وقلت بهدوء:
«كوني مش موجودة في البيت مش معناه إني تخليت عنه يا بابا. أنا كنت بخدم في مكان بعيد، وعمري ما تنازلت عن حقي فيه.»
سكتّ لحظة، وبعدها كمّلت:
«وبعدين، أنت عارف كويس إن جدي هو اللي ساب لي البيت ده. أنت بنفسك كنت موجود يوم ما قال إن البيت ده أمانة عندي، وإنه عايزني أحافظ عليه.»
أبويا بصّ بعيد.




