روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

أما أمي، فحاولت تتدخل بسرعة.

«يا مريم، إحنا في الآخر أهلك! هو لازم الموضوع يوصل للمحاكم؟ كان ممكن نتكلم في البيت ونحل كل حاجة بينا.»

بصّيت لها، وحسّيت بمرارة السنين كلها بتطلع جوايا.

«نتكلم في البيت؟»

كررت كلامها وأنا بحاول أحافظ على هدوئي.

«هو أنتم حاولتم تتكلموا معايا قبل ما ترفعوا عليّا القضية؟ حد فيكم اتصل بيا وسألني عن البيت؟ حد بعتلي رسالة يقول لي إن فيه مشكلة؟»

أمي سكتت.

كمّلت كلامي:

«أنا عرفت بالقضية من ظرف وصل على باب بيتي. لقيت اسمي مكتوب في خانة المدعى عليها، واسمكم في خانة المدّعين. بعد اتناشر سنة من البُعد، دي كانت أول طريقة اخترتموها عشان تتواصلوا معايا.»

المستشار رفع عينيه من الورق، لكنه ما قاطعنيش.

أبويا فجأة ضرب كفّه على الطاولة وقال:

«كفاية تمثيل! أنتِ عايزة إيه بالضبط؟ عايزة تثبتي إنك أحسن مننا عشان لبستي الزي ده وحطيتي شوية أوسمة على صدرك؟»

الكلمات دي كانت كفيلة إنها ترجعني بذاكرتي سنين طويلة لورا.

افتكرت يوم ما كنت واقفة قدامه بملابس التدريب، مستنية منه كلمة تشجيع واحدة.

افتكرت لما كنت بتعب في التدريبات وأرجع آخر اليوم، وأتمنى أسمع منه إنه فخور بيا.

وافتكرت رسالة أمي اللي قالت فيها إنهم ربّوا بنت، مش جندي.

لكن المرة دي، ما حسّيتش إني البنت الصغيرة اللي محتاجة رضاهم.

بصّيت لأبويا وقلت:

«أنا مش محتاجة أثبت إني أحسن منكم. أنا جيت هنا عشان أثبت إن البيت حقي، وإن مفيش حد من حقه ينسب لنفسه حاجة أنا دفعت تمنها وحافظت عليها طول السنين دي.»

وبعدين أشرت للملف الموجود قدام المستشار.

«والأوراق هي اللي هتتكلم.»

في اللحظة دي، المستشار شريف منصور طلب من الجميع الهدوء.

وبعد ما راجع مجموعة من المستندات، قال:

«المحكمة هتحتاج تتحقق من بعض التفاصيل المتعلقة بالإقرار، وسجلات السداد، والأساس القانوني للدعوى. لكن في ضوء الأوراق المقدمة حتى الآن، فيه نقاط جوهرية لازم تتراجع قبل إصدار أي قرار نهائي.»

أبويا حاول يقاطعه، لكن المستشار أوقفه بإشارة من إيده.

ثم أضاف:

«كمان، فيه طلب لازم يتراجع بخصوص أي تصرفات تمت على العقار خلال الفترة الماضية، وده هيستلزم الاطلاع على السجلات ذات الصلة.»

الكلمة الأخيرة خلت أمي ترفع رأسها فجأة.

لأول مرة من بداية الجلسة، ظهر عليها خوف حقيقي.

مش خوف من كلام الناس، ولا من الزي العسكري اللي كانت محرجة منه.

كان خوف من حاجة تانية.

حاجة أنا لسه ما عرفتهاش.

لاحظت إنها مالت ناحية أبويا وهمست له:

«فؤاد، ما تقولش حاجة عن الورق التاني.»

أنا سمعت الجملة رغم إنها قالتها بصوت واطي.

وبصراحة، قلبي دق بسرعة.

الورق التاني؟

إيه الورق اللي بيتكلموا عنه؟ وهل له علاقة بالبيت؟

رفعت عيني ناحية المستشار، فلاحظت إنه هو كمان انتبه لهمس أمي.

قال لها مباشرة:

«مدام نادية، حضرتك قلتي ورق تاني؟ هل فيه مستندات متعلقة بالعقار لم يتم تقديمها للمحكمة؟»

أمي اتلخبطت.

«لا يا سيادة المستشار، أنا… أنا كنت أقصد أوراق قديمة.»

المستشار ما اقتنعش بسهولة.

«لو فيه أي مستندات لها علاقة بموضوع الدعوى، فمن واجب الأطراف الإفصاح عنها وفقًا للإجراءات القانونية.»

أبويا قام من مكانه فجأة.

«أنا مش هكمل الجلسة بالطريقة دي!»

المستشار رد بحزم:

«أستاذ فؤاد، من فضلك التزم بمكانك. إحنا في قاعة محكمة.»

رجع أبويا قعد، لكنه كان واضح إنه فقد السيطرة على الموقف.

أما أنا، ففضلت أفكر في الهمسة اللي سمعتها.

جدي ما كانش مجرد رجل ساب لي بيتًا قديمًا.

كان رجلًا دقيقًا، بيحتفظ بكل ورقة مهمة، وبيحب يوثّق كل اتفاق عشان ما يسيبش مجال للخلاف بعد وفاته.

لو فيه ورق تاني، فغالبًا كان له سبب.

وبعد دقائق من مراجعة المستندات، قرر المستشار تأجيل الفصل في بعض الطلبات لحين استكمال الفحص القانوني للأوراق والسجلات اللازمة.

خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن المعركة لسه ما انتهتش.

لكن قبل ما أوصل لنهاية الممر، سمعت صوت أبويا بيناديني.

«مريم! استني عندك.»

وقفت، ولفّيت ناحيته.

كان جاي ناحيتي بخطوات سريعة، وأمي وراه.

وقف قدامي وقال بصوت منخفض، لكنه مليان غضب:

«أنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه. الورق اللي شوفتيه ده مش كل الحقيقة.»

بصّيت له بثبات.

«يبقى فيه إيه تاني يا بابا؟»

سكت لحظة، وبعدها قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى