روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

اول الطعام معهم، وأبتسم في وجوههم، بينما كنت في الحقيقة أجمع قطع اللغز واحدة تلو الأخرى.

كان كريم يتصرف بصورة طبيعية جدًا.

يخرج صباحًا إلى عمله، يعود في المساء، يقبّلني أمام والدته، ثم يسألني:

— يومك كان عامل إيه؟

كنت أجيبه بنفس الهدوء:

— عادي.

لكنني لم أعد أثق في كلمة واحدة تخرج من فمه.

كنت قد نسخت تسجيلات الكاميرا على أكثر من جهاز، وأرسلت نسخة إلى بريد إلكتروني لا يعرفه أحد.

ثم بدأت أراجع التسجيلات القديمة.

كنت أبحث عن أي شيء يتعلق بالبيت أو الحسابات أو ما يسمونه بالدين الوهمي.

وبعد ساعات من البحث، وجدت تسجيلًا جعل قلبي يتوقف.

ظهر كريم جالسًا مع والدته وشخص ثالث.

كان الرجل هو عماد، شقيق كريم الأكبر.

قال عماد:

— أنا شايف إن الموضوع لازم يتعمل بسرعة. لو ندى بدأت تشك، كل الخطة هتبوظ.

رد كريم:

— هي مش هتشُك. أنا عارفها.

ضحكت نوال وقالت:

— ندى واثقة في جوزها زيادة عن اللزوم. وده اللي هيوقعها.

ثم فتح عماد ملفًا على جهاز الكمبيوتر.

— الورقة دي لازم تكون جاهزة قبل العشاء.

اقتربت من الشاشة.

كانت هناك ورقة مكتوب فيها مبلغ ضخم.

ثلاثة ملايين جنيه.

وتحت المبلغ كان هناك اسم شركة لم أتعامل معها في حياتي.

قال عماد:

— هنقول إن ندى اقترضت المبلغ ده من الشركة، وإن البيت اتقدم كضمان.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

قال كريم:

— بس هي هتطلب تشوف العقد.

أجابه عماد:

— العقد موجود. طبعًا مش حقيقي، لكن شكله هيخلي أي حد يصدقه.

سألت نوال:

— ولو رفضت توقع؟

ضحك عماد.

— مش هترفض بعد ما نشغل التسجيل.

هنا توقفت عن المشاهدة.

لم أكن بحاجة إلى المزيد.

لقد فهمت الخطة كاملة.

كانوا يريدون تلفيق دين بقيمة ثلاثة ملايين جنيه، ثم إقناعي بأن البيت معرض للحجز.

وبعدها سيقدمون لي ورقة تنازل.

سيقولون لي إن الحل الوحيد لإنقاذ نفسي من الديون هو أن أوقّع.

وبمجرد أن أوقع…

سأفقد بيتي.

لكن كان هناك شيء لم يعرفوه.

البيت لم يكن مجرد منزل بالنسبة لي.

كنت قد اشتريته قبل الزواج، واحتفظت بكل مستنداته الأصلية.

ولم يكن هناك أي رهن أو قرض عليه.

كنت أملك كل ما يثبت ذلك.

لكنني لم أخبرهم.

قررت أن أتركهم يذهبون إلى النهاية.

—

في صباح اليوم التالي، دخلت نوال إلى غرفتي وهي تحمل ظرفًا بني اللون.

قالت:

— ندى، كريم قالي إنك لازم تمضي الورق ده.

نظرت إلى الظرف.

— ورق إيه؟

تنهدت وكأنها حزينة من أجلي.

— دي مشكلة كبيرة يا بنتي. واضح إن في قرض باسمك.

فتحت الظرف.

وجدت عدة أوراق مصممة بعناية.

اسم شركة.

مبلغ ثلاثة ملايين جنيه.

توقيعات.

وأختام.

كل شيء يبدو حقيقيًا.

رفعت عيني إليها وقلت:

— أنا مش فاكرة إني وقعت على حاجة زي دي.

تغير وجهها للحظة، لكنها تماسكت بسرعة.

— يمكن نسيتي. المبلغ كبير، وممكن تكوني عملتي الموضوع من غير ما تقولي لكريم.

نظرت إليها طويلاً.

ثم قلت:

— ممكن.

ابتسمت.

كانت تظن أنني خفت.

لكن الحقيقة أنني كنت أراقبها فقط.

خرجت من الغرفة، وبعد دقائق دخل كريم.

جلس بجانبي وقال:

— ندى، الموضوع مش مستاهل مشاكل. إمضي الورقة ونخلص.

سألته:

— ولو ما مضيتش؟

اقترب مني وقال:

— هتدخلي في مشكلة قانونية كبيرة.

نظرت إليه.

— وإنت مصدق إن عليّ دين بثلاثة ملايين؟

قال بسرعة:

— الأوراق قدامك.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— صح.

ثم وقعت.

لكنني لم أوقع على التنازل الذي أعطاني إياه.

بل وقعت على ورقة أخرى وضعتها بينهم عمدًا.

كانت مجرد ورقة فارغة لا تحمل أي قيمة قانونية.

لم ينتبهوا.

أخذت نوال الورقة بسرعة وقالت:

— كويس. كده نقدر نحل كل حاجة.

خرجت من الغرفة وهي سعيدة.

وبمجرد أن أغلقت الباب، أرسلت رسالة واحدة إلى محاميتي.

“بدأوا التنفيذ. أريدك جاهزة قبل العشاء.”

—

جاء يوم العشاء.

منذ الصباح، كانت نوال تتحرك في المنزل بحماس غريب.

طلبت من الجميع الحضور.

كريم دعا شقيقه عماد.

حتى بعض الأقارب الذين لم أرهم منذ سنوات حضروا.

كنت أعرف أن هناك شيئًا سيحدث.

وفي السابعة مساءً، جلس الجميع حول المائدة.

كانت نوال ترتدي أفضل ملابسها.

وكريم كان هادئًا بشكل مريب.

أما عماد، فكان يبتسم طوال الوقت.

بعد انتهاء الطعام، وقفت نوال وقالت:

— قبل ما كل واحد يمشي، عندي حاجة مهمة جدًا لازم الكل يعرفها.

نظرت إليّ.

— أنا تعبت من السكوت.

بدأت الهمسات بين الحاضرين.

قال كريم:

— ماما، مش لازم نعمل كده.

لكن نبرته لم تكن نبرة رجل يحاول إيقافها.

كانت نبرة رجل يؤدي دوره.

قالت نوال:

— لا يا كريم. لازم الناس تعرف الحقيقة.

ثم توجهت إلى التلفاز.

أخرجت وحدة تخزين صغيرة ووضعتها في الجهاز.

جلست في مكاني دون أن أتكلم.

قالت:

— النهارده هتشوفوا بنفسكم مين ندى الحقيقية.

اشتغل التلفاز.

ظهر أول تسجيل.

وكانت المفاجأة أن التسجيل لم يكن من الحمام.

كان تسجيلًا لي وأنا أتحدث مع شخص ما داخل غرفة مكتبي.

قالت نوال:

— شوفوا! دي وهي بتعترف إنها مدينة بالفلوس!

بدأ بعض الحاضرين ينظرون إليّ بصدمة.

كريم قال:

— أنا كنت أتمنى إن الموضوع ما يوصلش لكده.

لم أتحرك.

لم أدافع عن نفسي.

فقط نظرت إلى الشاشة.

ثم قلت بهدوء:

— خلصتي؟

تجمدت نوال.

— إيه؟

ابتسمت وقلت:

— شغلي التسجيل كله.

بدأ الفيديو من جديد.

وبعد ثوانٍ ظهر الصوت الحقيقي.

كان واضحًا أن التسجيل قد تم قصه.

ثم ظهرت الجملة التي حُذفت من النسخة التي عرضتها نوال:

— “أنا لا أعرف شيئًا عن هذا الدين، ولم أوقع على أي قرض.”

ساد الصمت.

نظرت نوال إلى التلفاز.

ثم إلى كريم.

قال عماد بسرعة:

— التسجيل متلاعب فيه!

ابتسمت.

— فعلًا.

ثم أخرجت هاتفي ووضعته أمام الجميع.

— عشان كده أنا جبت النسخة الأصلية.

ضغطت زر التشغيل.

وفي اللحظة التالية…

امتلأت غرفة الطعام بصوت نوال وهي تتحدث عن الكاميرا المخفية.

ثم جاء صوت كريم بوضوح:

— “اعملي اللي إنتِ عايزاه يا أمي، بس أهم حاجة ندى ما تعرفش.”

لم يتحرك أحد.

حتى صوت الملاعق اختفى.

كانت نوال تنظر إلى الشاشة وكأنها ترى شبحًا.

أما كريم، فكان وجهه قد تغير تمامًا.

قال بصوت مرتجف:

— ندى…

رفعت يدي.

— متتكلمش.

ثم شغلت التسجيل التالي.

ظهر عماد وهو يشرح بالتفصيل كيف سيصنعون عقد الدين الوهمي.

سمع الجميع صوته وهو يقول:

— “هنقول إن البيت اتقدم كضمان.”

وضعت هاتفي على الطاولة.

ثم نظرت إلى الجميع وقلت:

— دلوقتي فهمتوا ليه ما دافعتش عن نفسي من البداية؟

لم يجب أحد.

اقتربت نوال مني وقالت:

— إنتِ سجلتينا من غير إذن!

قلت بهدوء:

— وأنا كنت عايزة أعرف مين اللي بيحاول يسرق بيتي.

صرخ كريم:

— إنتِ مجنونة؟!

نظرت إليه.

— لا.

ثم أضفت:

— أنا فقط كنت أستمع.

وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب.

دخلت محاميتي.

وكان معها رجلان آخران.

نظر عماد إليهم، ثم شحب وجهه.

لأن أحد الرجلين كان يحمل ملفًا يحتوي على أصل عقد ملكية البيت بالكامل.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في ملكية المنزل.

كانت في المستند الذي وضعته محاميتي أمام الجميع.

قالت:

— قبل ما نكمل، في حاجة لازم تعرفوها.

فتحت الملف.

— عقد الدين اللي حضرتكم صنعتوه فيه مشكلة كبيرة جدًا.

نظر عماد إليها بتوتر.

قالت:

— لأن الشركة المذكورة في العقد لا وجود قانوني لها أصلًا.

ثم وضعت مستندًا ثانيًا.

— والتوقيع الموجود على العقد ليس توقيع ندى.

ثم رفعت مستندًا ثالثًا.

— والأخطر… أن الختم المستخدم في الورقة تم نسخه من مستند رسمي قديم.

ساد الصمت.

ثم نظرت محاميتي إلى كريم مباشرة وقالت:

— وبالتالي، الموضوع لم يعد مجرد خلاف عائلي.

كان الجميع ينظرون إلى كريم.

أما أنا، فكنت أعرف أن هذه الليلة لم تنتهِ بعد.

لأن هناك سرًا آخر لم أكتشفه إلا قبل العشاء بساعات.

سرًا يتعلق بالمال الذي دفعه كريم وعماد لصناعة الأوراق المزورة.

والشخص الذي أعطاهم المال…

لم يكن شخصًا غريبًا.

كان شخصًا قريبًا جدًا مني.

قريبًا لدرجة أنني لم أشك فيه ولو للحظة واحدة.
نكمل من نفس اللحظة، ومع تصاعد المفاجآت:

الجزء الثالث

لم أكن أتوقع أن المفاجأة التالية ستكون أقسى من كل ما سمعته.

ظل الجميع صامتين بعد كلام المحامية.

أما كريم فكان يحدق في الأرض، بينما عماد يحاول أن يبدو متماسكًا.

نوال وحدها كانت لا تزال تحاول إنقاذ الموقف.

قالت بعصبية:

— كل ده كذب! ندى هي اللي بتحاول توقعنا في مشكلة!

نظرت إليها محاميتي بهدوء.

— لو كنتِ واثقة من كلامك، لماذا أزلتِ أجزاء من التسجيل قبل عرضه؟

لم تجد جوابًا.

ثم أخرجت المحامية هاتفًا آخر.

قالت:

— ولسه عندنا حاجة أهم.

نظرت إليها.

كنت أعرف ما سيأتي، لكنني لم أكن أعرف كيف ستكشفه.

فتحت تسجيلًا صوتيًا.

ظهر صوت عماد:

— الفلوس هتدخل الحساب بكرة.

ثم جاء صوت كريم:

— ومين هيحوّلها؟

رد عماد:

— الشخص اللي اتفقنا معاه.

توقف التسجيل.

سأل أحد أقارب كريم:

— مين الشخص ده؟

نظرت المحامية إليّ.

ثم قالت:

— دي المفاجأة.

فتحت ملفًا آخر.

— الأموال التي تم دفعها لتجهيز الأوراق المزورة خرجت من حساب باسم…

توقفت لحظة.

ثم قالت:

— حسام عبدالسلام.

شعرت بصدمة.

حسام كان ابن خالتي.

الشخص الذي كنت أعتبره مثل أخي.

التفتُّ إلى هاتفي بسرعة.

لم أكن أصدق.

حسام كان يعرف تفاصيل البيت، ويعرف أنني اشتريته قبل الزواج، ويعرف أن كل أوراقه باسمي.

كيف يمكن أن يكون متورطًا؟

قلت:

— مستحيل.

وضعت المحامية أمامي كشفًا بنكيًا.

— التحويلات تمت بالفعل.

نظرت إلى التواريخ.

كانت هناك ثلاثة تحويلات.

كلها خلال الشهر الماضي.

وفي وصف التحويل كُتب:

“خدمات استشارية.”

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

— يعني حسام كان بيساعدهم؟

لم يجب أحد.

ثم رن هاتفي.

كان المتصل…

حسام.

نظرت إلى الشاشة.

لم أرد.

رن مرة ثانية.

ثم مرة ثالثة.

قال كريم:

— ردي.

نظرت إليه.

— ليه؟

لم يجب.

ضغطت زر الإجابة ووضعت الهاتف على مكبر الصوت.

جاء صوت حسام متوترًا:

— ندى، اسمعيني بس…

قلت:

— أنا سامعاك.

— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

— طيب فهمني.

صمت لثوانٍ.

ثم قال:

— أنا كنت فاكر إن كريم عنده مشكلة مالية كبيرة، وإن البيت هيتباع عشان يسدد ديونه.

نظرت إلى كريم.

كان شاحبًا.

قلت:

— ومين قالك إن البيت هيتباع؟

صمت حسام.

ثم قال:

— كريم.

انفجرت الحقيقة أمام الجميع.

لم يكن هناك دين حقيقي.

لم يكن هناك قرض.

كان كريم يريد التخلص مني، والاستيلاء على البيت، ثم بيعه أو استخدامه للحصول على المال.

لكن لماذا؟

هذا السؤال ظل في رأسي.

سألت:

— كريم، أنت محتاج الفلوس ليه؟

لم يجب.

تدخل عماد:

— الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.

صرخت:

— كفاية!

ثم التفت إلى كريم.

— أنت كنت هتسرق بيتي ليه؟

ظل صامتًا.

ثم قال بصوت منخفض:

— أنا كنت محتاج أبدأ من جديد.

حدقت فيه.

— تبدأ من جديد؟

رفع عيني نحوي.

— كان عندي ديون.

ضحكت بمرارة.

— ديونك أنت؟

لم يجب.

قالت المحامية:

— ليست ديونه فقط.

فتحت ملفًا جديدًا.

— لدينا مستندات تثبت أن كريم وعماد عليهما التزامات مالية كبيرة نتيجة مشروع فاشل.

نظر عماد إليها بغضب.

— دي معلومات خاصة!

ردت:

— أصبحت مهمة قانونيًا بعد محاولة استخدام مستندات مزورة للاستيلاء على ملكية موكلتي.

ثم أخرجت ورقة أخرى.

— لكن المشكلة الأكبر أن هناك شخصًا آخر كان متورطًا.

سألت:

— مين؟

قالت:

— نوال.

نظرت إليها.

قالت المحامية:

— الحساب الذي خرجت منه بعض الأموال المستخدمة في تجهيز الأوراق المزورة يعود إلى نوال نفسها.

تجمدت نوال.

— كذب!

وضعت المحامية كشف الحساب أمامها.

— هذه أرقام حساباتك.

لم تستطع الرد.

ثم قالت المحامية:

— ولدينا أيضًا رسائل بينك وبين الشخص الذي جهز المستندات.

أخرجت هاتفها وبدأت في قراءة بعض الرسائل.

لم أحتج إلى سماع المزيد.

كل شيء أصبح واضحًا.

كانت الخطة كالتالي:

يختلقون دينًا ضدي.

يصنعون أوراقًا مزورة.

يستخدمون تسجيلات خاصة بي لتشويه سمعتي.

ثم يخيفونني بالدين حتى أوقع على التنازل عن المنزل.

وبعد ذلك يصبح البيت تحت سيطرتهم.

لكن بقي سؤال واحد:

لماذا كانوا واثقين لهذه الدرجة أنني سأخاف وأوقع؟

ثم تذكرت جملة قالتها نوال قبل أيام:

“ندى واثقة في جوزها زيادة عن اللزوم.”

كانوا يعتمدون على شيء واحد.

ثقتي بكريم.

لكنهم لم يعرفوا أن هذه الثقة انتهت يوم اكتشفت الكاميرا.

—

اقترب كريم مني.

قال:

— ندى، أنا غلطت.

نظرت إليه.

— غلطت؟

— أنا كنت تحت ضغط.

— الضغط خلاك تصورني؟

صمت.

— الضغط خلاك تزور عقد دين؟

صمت.

— الضغط خلاك تخطط تاخد بيتي؟

لم يجب.

قلت:

— لا تسمي ده ضغط يا كريم.

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

— اسمه خيانة.

بدأت نوال في البكاء.

— إحنا عيلة واحدة يا ندى!

نظرت إليها.

— العيلة مش بتزرع كاميرا في حمام حد.

لم ترد.

ثم قالت:

— أنا كنت بحاول أحمي ابني.

أجبتها:

— من إيه؟

قالت:

— منك.

ابتسمت بحزن.

— وأنا كنت فاكرة إني بحمي بيتي من الغرباء.

ثم نظرت إلى الجميع.

— طلعت المشكلة كانت جوه البيت.

—

بعد انتهاء العشاء، غادر معظم الأقارب وهم في حالة صدمة.

أما كريم وعماد ونوال فبقوا في غرفة المعيشة.

محاميتي أخبرتهم أن جميع المستندات والتسجيلات سيتم تسليمها للجهات المختصة، وأن أي محاولة لاستخدام الأوراق المزورة أو التسجيلات الخاصة ضدي ستكون موثقة.

وقبل أن أغادر الغرفة، قال كريم:

— ندى… ممكن نتكلم لوحدنا؟

نظرت إليه.

كنت أعرف أنني لن أعود زوجته مرة أخرى.

لكنني وافقت.

جلسنا في الغرفة التي شهدت بداية زواجنا.

قال:

— أنا لسه بحبك.

نظرت إليه طويلاً.

ثم قلت:

— لو كنت بتحبني، عمرك ما كنت خططت تسرقني.

خفض رأسه.

قلت:

— أنا مش زعلانة عشان البيت.

رفع عيني.

— أمال عشان إيه؟

قلت:

— عشان اكتشفت إن الإنسان اللي كنت أنام جنبه كل ليلة كان ممكن يدمر حياتي، وأنا كنت فاكرة إنه أماني.

لم يجد ما يقوله.

ثم سأل:

— هتعملي إيه دلوقتي؟

نظرت إليه.

— هخرج من البيت.

ابتسم وكأنه شعر بالراحة.

لكنني أكملت:

— وأنت اللي هتخرج منه.

اختفت ابتسامته.

قلت:

— البيت ملكي، وأوراقه باسمي، ومحاميتي بدأت الإجراءات.

ثم وقفت.

— أما زواجنا…

توقفت لحظة.

— انتهى.

لكنني قبل أن أخرج، سمعت كريم يقول:

— ندى، في حاجة لازم تعرفيها.

استدرت.

قال:

— الشخص اللي كان بيمول الخطة… مش حسام.

تجمدت.

— إنت قلت إيه؟

قال:

— حسام مجرد وسيط.

— أمال مين؟

نظر إليّ بخوف.

ثم قال:

— الشخص اللي دفع المبلغ الحقيقي هو والدك.

شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

والدي؟

الرجل الذي كنت أظنه يقف في صفي؟

لم أفهم شيئًا.

قلت:

— أبي مات من سبع سنين.

ارتبك كريم.

ثم قال:

— أنا عارف.

سكت.

— بس الشخص اللي دفع الفلوس استخدم اسم والدك في التحويل.

وهنا أدركت أن القضية أكبر بكثير من مجرد محاولة سرقة البيت.

لأن هناك من كان يستخدم اسم والدي في الخفاء…

وكان يريد مني أن أصدق أن كل ما يحدث سببه زوجي وحماتي فقط.

لكن الحقيقة التي اكتشفتها في اليوم التالي قلبت القصة كلها من جديد.
الجزء الرابع

لم أنم تلك الليلة.

ظل كلام كريم يدور في رأسي:

“الشخص اللي دفع الفلوس استخدم اسم والدك.”

والدي مات منذ سبع سنوات.

فكيف يمكن لشخص أن يستخدم اسمه؟

وفي صباح اليوم التالي، اتصلت بمحاميتي وطلبت منها أن تبحث في كل تحويل مالي ظهر في القضية.

قالت:

— عندي خبر مهم.

— إيه؟

— الحساب اللي استقبل الأموال مش باسم والدك فعلًا.

تنفست براحة.

— أمال؟

قالت:

— الاسم المستخدم في التحويل كان مجرد وصف للمعاملة، وليس اسم صاحب الحساب.

سألتها:

— وصاحب الحساب الحقيقي مين؟

صمتت لثوانٍ.

ثم قالت:

— لازم تشوفي بنفسك.

ذهبت إليها فورًا.

وضعت أمامي مجموعة من الأوراق.

في البداية لم أفهم شيئًا.

ثم رأيت اسم صاحب الحساب.

حسام عبدالسلام.

رفعت رأسي.

— حسام؟

قالت:

— أيوه.

— لكن حسام قال إنه كان مجرد وسيط.

— وده صحيح جزئيًا.

أعطتني ورقة أخرى.

— الأموال دخلت حسابه من حساب ثالث.

شعرت بالتوتر.

— مين صاحب الحساب الثالث؟

دفعت الورقة نحوي.

وعندما قرأت الاسم…

توقفت تمامًا.

لم أستطع الكلام.

كان الاسم:

عماد كريم السيد.

شقيق زوجي.

قلت:

— يعني عماد هو اللي موّل الخطة؟

قالت:

— الظاهر كده.

لكن محاميتي لم تكن قد انتهت.

أخرجت مستندًا آخر.

— وفي حاجة أغرب.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى