
الجزء الثاني
فاطمة فضلت واقفة عند الباب، مش عارفة تقول إيه.
بصت لمريم، وبعدين بصت للست العجوز.
— مين دي؟
مريم قربت منها وقالت بصوت واطي:
— اسمها الحاجة زينب.
الست العجوز ابتسمت.
— مريم بتيجيلي كل يوم من بدري… بتغسل لي، وتغير لي هدومي، وتعمل لي الأكل، وتاخد بالها مني.
فاطمة عقدت حواجبها.
— وإنتِ بتشتغلي عندها؟
مريم هزت راسها.
— مش بالمعنى ده.
— أمال إيه؟
سكتت مريم.
الحاجة زينب هي اللي ردت:
— هي بتشتغل عندي، بس مش عشان الفلوس.
فاطمة بصت لها باستغراب.
— يعني إيه؟
زينب أشارت لمريم:
— دي من أربع سنين وهي بترعاني.
فاطمة اتصدمت.
— أربع سنين؟!
— أيوه.
— ومين بيدفع لها؟
زينب ابتسمت ابتسامة حزينة.
— محدش.
فاطمة بصت لمريم.
— طب والفلوس اللي أحمد بيديهالك؟
مريم نزلت عينيها.
— بتروح هنا.
— هنا فين؟
مريم فتحت درج صغير جنب السرير.
طلعت منه مجموعة إيصالات وفواتير.
حطتهم قدام فاطمة.
أدوية.
تحاليل.
جلسات علاج طبيعي.
مستلزمات طبية.
فواتير كهرباء وغاز.
وفوق كل ده… إيصالات تحويلات شهرية.
فاطمة بدأت تقلب الورق بإيد مرتعشة.
كل شهر تقريبًا نفس المبلغ.
أحيانًا عشرة آلاف.
وأحيانًا أقل.
وأحيانًا أكتر.
— إنتِ… إنتِ بتصرفي فلوس أحمد على الست دي؟
مريم هزت راسها.
— وعلى ولادي كمان.
— طب ليه مخبيّة عليه؟
سكتت مريم فترة طويلة.
وبعدين قالت:
— لأن أحمد عارف.
فاطمة رفعت عينيها بسرعة.
— عارف؟!
— عارف كل حاجة.
فاطمة ضربت إيدها على صدرها.
— يبقى ليه بيقول لي إنك بتضيعي فلوسه؟!
مريم ما ردتش.
الحاجة زينب بصت لفاطمة وقالت:
— لأنه عايزك تصدقي كده.
سكت المكان كله.
فاطمة قربت منها.
— عايزني أصدق إن مرات ابني حرامية ومهملة؟
زينب قالت بهدوء:
— أيوه.
— ليه؟
الست العجوز بصت لمريم.
— عشان لما تيجي اللحظة… تكوني إنتِ أول واحدة تقفي ضده.
فاطمة حسّت إن الكلام أكبر من قدرتها على الفهم.
— أنا مش فاهمة حاجة.
مريم قربت منها، وعينيها مليانة دموع.
— أنا حاولت أقولك أكتر من مرة.
— تقولِي إيه؟
— إن أحمد مش زي ما إنتِ فاكرة.
فاطمة رجعت خطوة لورا.
— ده ابني!
مريم ردت بهدوء:
— وأنا عارفة.
— وإنتِ مراته!
— وعارفة.
— يبقى إزاي بتتكلمي عنه كده؟
مريم مسحت دمعة نزلت على خدها.
— لأن اللي بيحصل مش طبيعي.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
— أحمد مش بيدي البيت اتناشر ألف جنيه.
فاطمة اتجمدت.
— أمال؟
— بيحول أكتر من كده بكتير.
— قد إيه؟
مريم فتحت موبايلها.
ورّت فاطمة كشف الحساب.
فاطمة بدأت تقرأ.
تحويلات شهرية.
مبالغ كبيرة.
وأرقام ما كانتش تتخيل إن ابنها بيدفعها.
لكن الغريب إن الفلوس كانت بتدخل حساب مريم… وبعدها تخرج بسرعة.
فاطمة بصت لها.
— كل ده راح فين؟
مريم قالت:
— في علاج.
— علاج مين؟
— أمي.
فاطمة رفعت عينيها.
— أمك؟
مريم هزت راسها.
— أمي عايشة هنا من سنة تقريبًا.
فاطمة بصت للحاجة زينب.
الست العجوز كانت ساكتة.
فاطمة قربت منها.
— إنتِ أم مريم؟
زينب هزت راسها بالنفي.
— لأ.
— أمال مين؟
قبل ما ترد، سمعوا صوت مفتاح بيدخل في باب الشقة.
مريم اتجمدت.
الحاجة زينب قالت:
— وصل.
فاطمة بصت للباب.
الباب اتفتح.
ودخل أحمد.
أول ما شاف أمه، وقف مكانه.
بص لمريم.
وبعدين للحاجة زينب.
وشه اتغير.
— إنتِ هنا؟
فاطمة ردت:
— أيوه، أنا هنا.
أحمد حاول يبتسم.
— كنت بدور على مريم من الصبح.
فاطمة بصت له في عينيه.
— كنت بتدور عليها ليه؟
— عشان أخد الولاد ونمشي.
مريم شهقت.
— أحمد!
فاطمة بصت لابنها.
— تاخد الولاد وتروح فين؟
— عندي شغل.
— وإنت بتاخد ولادك من أمهم ليه؟
أحمد اتعصب.
— لأنها مش مسؤولة.
مريم قالت:
— مش مسؤولة؟!
— أيوه.
— عشان بشتري أدوية؟
— عشان بتصرفي فلوسي على ناس غريبة.
فاطمة بصت له.
— وإنت كنت عارف؟
سكت.
— رد عليا يا أحمد.
فضل ساكت.
فاطمة قربت منه.
— إنت عارف إنها بترعى الست دي من أربع سنين؟
أحمد رد ببرود:
— وماله؟
فاطمة اتصدمت من نبرة صوته.
— وماله؟!
— أيوه. أنا مش مانعها.
مريم بصت له بذهول.
— مش مانعني؟! ده إنت اللي طلبت مني أعمل كده!
أحمد بص لها بسرعة.
— اخرسي.
فاطمة لاحظت الخوف في عيني مريم.
ولأول مرة… بدأت تشك في ابنها.
قالت:
— إنت طلبت منها؟
أحمد حاول يغير الموضوع.
— أمي، إحنا بينا مشاكل، ومش محتاجين نفتحها قدامك.
زينب فجأة قالت:
— افتحوها.
الجميع بص لها.
رفعت يدها وأشارت لأحمد.
— كفاية كذب يا ابني.
أحمد اتجمد.
فاطمة بصت للحاجة زينب.
— إنتِ تعرفيه؟
زينب ابتسمت.
— أعرفه من قبل ما يتجوز مريم.
أحمد قال بعصبية:
— كفاية!
زينب ردت:
— لأ. المرة دي لازم تعرف.
فاطمة قربت منها.
— تعرف إيه؟
زينب سكتت لحظات.
وبعدين قالت:
— جوزك الله يرحمه كان عارف.
فاطمة حسّت الدنيا وقفت.
— جوزي؟
زينب هزت راسها.
— أيوه.
— كان عارف إيه؟
الست العجوز بصت لأحمد.
— عارف ابنه كان بيعمل إيه بالفلوس.
أحمد اندفع ناحية زينب.
— إنتِ وعدتيني!
مريم وقفت بينه وبينها.
— متقربش منها!
فاطمة بصت لابنها.
— إنت هددتها؟
أحمد سكت.
وفي اللحظة دي، زينب قالت الجملة اللي خلت فاطمة تحس بقشعريرة في جسمها:
— جوزك قال لي قبل ما يموت: «لو ابني حاول يطرد مريم أو ياخد منها العيال… خليها تروح لأمه. هي الوحيدة اللي هتعرف توقفه.»
فاطمة حطت إيدها على فمها.
نفس الجملة.
نفس المعنى.
نفس التحذير اللي قاله لها زوجها قبل وفاته.
لكن لسه ما كانتش عارفة…
إيه السر اللي كان زوجها مخبيه عنها كل السنين دي؟
فاطمة فضلت واقفة مكانها كأنها مش قادرة تستوعب.
بصت للحاجة زينب وقالت:
— جوزي قالك الكلام ده إمتى؟
زينب ردت:
— قبل وفاته بشهرين.
— وليه ماقالليش؟
— لأنه كان خايف.
فاطمة قربت منها.
— خايف من مين؟
زينب بصت لأحمد.
— من ابنه.
أحمد صرخ:
— كفاية بقى!
لكن فاطمة لأول مرة ما خافتش من صوته.
بصت له وقالت:
— لأ. مش كفاية.
ثم التفتت لمريم:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
مريم هزت رأسها.




