
سألته فورًا:
«تتصرفوا في إيه؟»
أمي بصّت له بتحذير.
لكنه كان متوتر لدرجة إنه ما انتبهش.
قال:
«فيه اتفاق قديم مع واحد من الناس، وكان المفروض الموضوع يخلص من زمان.»
حسّيت بقلبي بيهبط.
«أي اتفاق؟ ومع مين؟»
أبويا ما ردش.
بدل ما يجاوب، قال جملة خلتني أحس إن القضية أكبر بكتير من مجرد محاولة للاستيلاء على البيت.
«اسمعيني كويس يا مريم. لو المستندات دي اتفتحت كلها، مش أنا لوحدي اللي هتضرر.»
وبعدين لفّ ومشي، وسابني واقفة في الممر.
أمي فضلت لحظة مكانها، وبصّت لي بعينين مليانين قلق.
همست:
«كان المفروض تسيبي الموضوع زي ما هو.»
وبعدها لحقت أبويا.
وقفت لوحدي، وأنا بحاول أفهم معنى كلامهم.
كنت داخلة المحكمة عشان أدافع عن بيت جدي، لكن دلوقتي بقيت متأكدة إن فيه سر أكبر مستخبي ورا القضية.
طلعت من حقيبتي صورة قديمة لجدي، كنت محتفظة بيها من سنين.
كان واقف قدام البيت، مبتسم، وحاطط إيده على كتفي وأنا صغيرة.
افتكرت آخر مرة قالي فيها:
«يا مريم، البيت مش مجرد حيطان. البيت أمانة، واللي يحافظ على الأمانة عمره ما يخسر نفسه.»
ضمّيت الصورة لحظات، وبعدين رجعتها مكانها.
وقلت لنفسي:
«أنا مش هرجع خطوة واحدة.»
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن الورقة اللي ظهرت في المحكمة كانت مجرد بداية.
لأن بعد ما رجعت البيت في نفس اليوم، لقيت رسالة من رقم مجهول على هاتفي.
كانت قصيرة جدًا:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن بيت جدك، دوري على صندوق الحديد الموجود تحت أرضية المخزن القديم. لكن خدي بالك… فيه ناس مش عايزاكي توصلي له.»
فضلت أبص للرسالة وأنا مش قادرة أصدق اللي بقراه.
صندوق حديد تحت أرضية المخزن؟
أنا دخلت المخزن ده عشرات المرات وأنا صغيرة، لكن عمري ما لاحظت حاجة زي دي.
رفعت عيني ناحية الساعة.
كان الوقت قرب من المغرب.
وبصّيت من الشباك ناحية الطريق المؤدي لبيت جدي.
في اللحظة دي، عرفت إن اليوم اللي بعده مش هيكون يومًا عاديًا.
لأن الحقيقة اللي أهلي حاولوا يخفوها عني سنين، يمكن تكون مستخبية على بعد خطوات قليلة من المكان اللي قضيت طفولتي فيه… والسؤال الوحيد اللي كان شاغلني: مين اللي بعت الرسالة، وليه مستعد يكشف السر دلوقتي بالذات؟
يتبع…
### الجزء الثالث: الصندوق الحديدي اللي كشف السر اللي أهلي خبّوه سنين
فضلت ماسكة الموبايل وبقرأ الرسالة للمرة العاشرة، وكل مرة كنت بحس إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد خلاف على بيت قديم.
مين الشخص اللي بعتلي الرسالة؟
وإزاي عرف إن فيه صندوق حديد تحت أرضية المخزن؟
والأهم من كل ده، ليه أبويا وأمي كانوا خايفين من ظهور مستندات تانية قدام المحكمة؟
قررت ما أستعجلش في أي خطوة.
اتعلمت خلال سنين خدمتي إن أخطر الأخطاء بتحصل لما الإنسان يتصرف تحت ضغط الخوف أو الغضب.
صورت الرسالة واحتفظت بنسخة منها، وبعدها اتصلت بالمحامي اللي كنت استشرته قبل كده في بعض الإجراءات الخاصة بملكية الأرض.
حكيت له اللي حصل في المحكمة، وقرأت عليه نص الرسالة.
سكت شوية، وبعدها قال:
«مريم، أنا شايف إنك ما تروحيش المكان لوحدك، خصوصًا إننا مش عارفين مين بعت الرسالة ولا قصده إيه. لازم نتصرف بحذر، وأي مستند نلاقيه لازم نحافظ عليه من غير ما نغيّر فيه حاجة.»
وافقت على كلامه.
واتفقنا نتقابل الصبح عند بيت جدي، بحضور شخص موثوق يعرف المكان كويس.
لكن قبل ما أقفل المكالمة، سألني سؤال خلاني أفكر من جديد.
«هو جدك كان عنده شراكة مع والدك في أي مشروع؟ أو كان فيه حد بيجيله البيت باستمرار وبيتكلم معاه في أمور الأرض؟»
غمضت عيني لحظة وأنا بحاول أفتكر.
وفجأة، افتكرت راجلًا كان بيزور جدي كل فترة، اسمه عم صبري.
كان راجل كبير في السن، هادي، ودايمًا شايل شنطة جلد بنية. كنت أشوفه قاعد مع جدي في المخزن، وأحيانًا كانوا يقفلوا الباب ويتكلموا بالساعات.
لما سألت جدي عنه وأنا صغيرة، قال لي:
«ده راجل أمين يا مريم، ولو الزمن فرّق بينا، هتعرفي يومًا إن الأمانة ما بتموتش.»
وقتها ما فهمتش قصده.
لكن دلوقتي، الجملة رجعت ترن في ودني.
هل ممكن يكون عم صبري هو اللي بعت الرسالة؟
في صباح اليوم التالي، وصلت لبيت جدي قبل الموعد بشوية.
وقفت قدام البوابة الحديدية، وبصّيت للبيت اللي فضلت سنين طويلة بعيدة عنه.
كان المكان هادي، لكن إحساسي بيه اتغير.
زمان كنت بدخله وأنا مطمنة، لأن جدي كان موجود.
أما النهارده، فكنت داخلاه وأنا عارفة إن فيه سر ممكن يغيّر حياتي بالكامل.
وصل المحامي، ومعاه رجل متخصص في أعمال التوثيق وفحص المستندات القديمة، واتجهنا للمخزن.
فتحت الباب بصعوبة، لأن المفصلات كانت صدئة، والهواء جوه كان مليان برائحة الخشب القديم والتراب.
بدأنا نفحص المكان بهدوء.
الأرفف كانت شبه فاضية، وفي الركن البعيد كان فيه مكتب جدي الخشبي، اللي كنت فاكرة إني أعرف كل تفصيلة فيه.
قربت منه، ومررت إيدي على سطحه.
افتكرت جدي وهو قاعد ورا المكتب، بيكتب ملاحظاته بخطه الدقيق، وكل شوية يرفع عينه ويسألني عن المدرسة.
انحنيت أبص تحت المكتب، وبعدها بدأت أتفحص الأرضية.
في البداية، ما لاحظتش أي حاجة غير عادية.
لكن لما حركنا دولابًا خشبيًا صغيرًا كان ملاصقًا للحائط، ظهر جزء من الأرضية مختلف عن باقي الألواح.
كان فيه لوح خشب مثبت بطريقة غريبة.
المحامي بصّ لي وقال:
«واضح إن الجزء ده اتفتح قبل كده.»
حسّيت بقلبي بيدق أسرع.
استعنا بالشخص الموجود معانا لفحص اللوح ورفعه من غير ما نسبب تلفًا للمكان.
وبمجرد ما ارتفع، ظهر تجويف صغير تحت الأرضية.
وفي داخله كان فيه صندوق حديد قديم، لونه أسود، وعليه طبقة كثيفة من التراب.
وقفت مكاني وأنا ببص له.
الصندوق كان موجود فعلًا.
نفس الصندوق اللي الرسالة قالت عليه.
المحامي طلب إننا نوثّق مكانه وحالته قبل ما نفتحه، وبعدها بدأنا نفحص القفل.
كان قديمًا، لكنه ما زال سليمًا.
وبعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة، فتحناه.
أول حاجة ظهرت قدامنا كانت مجموعة من المظاريف البنية، مربوطة بشريط قماشي.
وتحتها دفتر حسابات قديم، ونسخ من مستندات رسمية، وصورة لجدي واقف جنب أبويا قدام البيت.
لكن اللي شدّ انتباهي فعلًا كان ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه بخط جدي:
«إلى حفيدتي مريم… يُفتح فقط إذا حاول أحد حرمانها من حقها.»
حسّيت إن إيدي بدأت ترتعش.
قعدت على الكرسي الخشبي القريب، وفتحت الظرف بحذر.
كان جواه خطاب طويل، مكتوب بخط جدي اللي أعرفه كويس.
بدأت أقرأ.
«يا مريم،
لو وصلتي للخطاب ده، فمعناه إن فيه حاجة حصلت خلتك تدوري على الحقيقة بنفسك.
أنا عارف إنك ممكن تكوني بعيدة عن البيت وقت ما تقري الكلام ده، وعارف كمان إن الحياة ممكن تاخد الإنسان في طرق ما كانش يتخيلها.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها من دلوقتي.
البيت والأرض مش مجرد ميراث سايبهولك. أنا اخترت أسيبهم ليكي لأني شفت فيكي صفات كنت أتمنى أشوفها في كل اللي حواليا: الصدق، والصبر، واحترام الأمانة.»
وقفت عن القراءة لحظة.
حطيت إيدي على فمي، وحاولت أتماسك.
جدي كان عارف إن ممكن ييجي يوم أحس فيه إني لوحدي.
وكأنه كتب الرسالة دي عشان يطمني حتى بعد رحيله.
رجعت أكمل.
«أنا عارف إن والدك ممكن يعترض على قراري، وعارف إنه شايف إن من حقه يتصرف في كل حاجة تخص العيلة.
لكن الملكية اتنقلت ليكي وفقًا للمستندات اللي جهزتها ووثقتها بالطريقة القانونية المناسبة.
وفيه أمر تاني لازم تعرفيه.
من سنوات، والدك طلب مني أوافق على استخدام جزء من الأرض في مشروع تجاري، وقال إن المشروع هيكون لمصلحة الأسرة كلها.
أنا رفضت في البداية، لأن الأرض دي ليها قيمة خاصة عندي، ولأني كنت خايف إن المشروع يتحول لخلاف بينكم بعد وفاتي.
بعدها اكتشفت إن فيه اتفاقات اتعملت من غير موافقتي، وإن بعض الأشخاص اتقال لهم كلام عن ملكية الأرض مش مطابق للحقيقة.»
وقفت عن القراءة مرة تانية.
بصّيت للمحامي.
«يعني إيه اتفاقات اتعملت من غير موافقة جدي؟»
المحامي مد إيده للدفتر القديم، وبدأ يقلب صفحاته.
«لازم نفحص الأوراق دي كويس. الخطاب بيدينا مؤشر، لكن ما ينفعش نستنتج كل حاجة قبل مراجعة المستندات الرسمية.»
رجعت للخطاب، وقلبي مليان أسئلة.
«أنا ما حبيتش أواجهك بالمشكلة دي وإنتِ صغيرة، ولا كنت عايز أحملك خلافات أكبر من سنك.
لكن لو حد حاول يومًا يغيّر الحقيقة أو ينسب لنفسه حق مش حقه، افتكري إن المستندات موجودة، وإن فيه شهود كانوا عارفين كل حاجة.
ابحثي عن صبري عبد الحميد.
هو يعرف تفاصيل الاتفاق، واحتفظ بنسخ من بعض الأوراق اللي طلبت منه يحافظ عليها.
لو احتجتي مساعدة، هتلاقيه عارف يعمل إيه.»
رفعت رأسي فجأة.
صبري عبد الحميد!
ده كان اسم عم صبري كاملًا.
الشخص اللي افتكرته من طفولتي.
بصّيت للمحامي وقلت:
«أنا لازم أوصل له.»
رد بهدوء:
«هنحاول نتواصل معاه بطريقة رسمية وآمنة، لكن الأول لازم نعرف إيه الموجود في الصندوق.»
رجعنا نراجع محتوياته.
كان فيه دفتر حسابات بيحتوي على تواريخ ومبالغ وأسماء، وصور لمستندات مرتبطة بالأرض، وإيصالات قديمة.
وفي آخر الصندوق، لقينا ملفًا منفصلًا، عليه علامة حمراء صغيرة.
فتحناه.
كانت فيه نسخة من اتفاق مبدئي بين جدي وشخص اسمه سامح الديب، بخصوص استغلال جزء من الأرض في مشروع تجاري.
لكن الاتفاق كان واضحًا في نقطة مهمة جدًا: أي تصرف نهائي في الأرض يتطلب موافقة مكتوبة من مالكها، وفقًا للشروط الواردة في المستند.
والأهم إن الاتفاق نفسه ما كانش دليلًا على انتقال الملكية.
المحامي راجع الصفحات بعناية، وبعدها قال:
«الورقة دي ممكن تكون مهمة جدًا، خصوصًا لو فيه حد استخدم الاتفاق المبدئي وكأنه عقد بيع نهائي. لكن لازم نتحقق من النسخة الأصلية وسجلات التسجيل وأي مستندات لاحقة.»
كنت لسه بحاول أستوعب الكلام، لما لاحظت وجود إيصال قديم في نهاية الملف.
كان صادرًا من مكتب محاسبة، ومكتوبًا فيه مبلغ كبير تم دفعه مقابل «إجراءات تخص العقار».
لكن اسم الشخص اللي دفع المبلغ كان مشطوبًا جزئيًا، والتاريخ كان بعد وفاة جدي بفترة قصيرة.
قلّبت الإيصال بين إيديا.
وسألت:
«هو ممكن يكون أبويا باع جزءًا من الأرض بعد وفاة جدي؟»
المحامي ما استبعدش الاحتمال، لكنه ما أكدوش.
قال:
«ده أحد الاحتمالات اللي لازم نتحقق منها. الإيصال لوحده ما يثبتش بيعًا، لكنه يخلينا نراجع كل التصرفات اللي تمت على العقار بعد الوفاة.»
في اللحظة دي، فهمت ليه أبويا اتوتر لما المستشار طلع ورقة جدي في المحكمة.
الموضوع ما كانش مجرد محاولة لإثبات إنه دفع المصاريف.
كان فيه احتمال إن تصرفات قديمة على الأرض تكون محتاجة مراجعة كاملة.
ويمكن عشان كده أمي همست له إنها مش عايزة حد يعرف عن الورق التاني.
بعد ما انتهينا من توثيق محتويات الصندوق، خرجت من المخزن وأنا شايلة نسخة من خطاب جدي، بينما احتفظ المحامي بالمستندات الأصلية في مكان آمن وفق الإجراءات المناسبة.
وقفت في الحوش وبصّيت للبيت.
كنت فاكرة إني رجعت عشان أحمي ميراثي.
لكن الحقيقة إن جدي كان سايب لي أكتر من مجرد عقار.
كان سايب لي دليلًا على إنه حاول يحافظ على حقي حتى بعد ما رحل.
وفجأة، رنّ هاتفي.
رقم غير مسجل.
رديت.
جالي صوت رجل كبير في السن، متردد في البداية، وبعدها قال:
«مريم؟»
قلت بسرعة:
«أيوه، مين معايا؟»
قال:
«أنا صبري عبد الحميد. عارف إنك لقيتي الصندوق.»
اتسمرت مكاني.
«حضرتك اللي بعت الرسالة؟»
سكت لحظة، وبعدها رد:
«أيوه. استنيت سنين قبل ما أتواصل معاكي، لكن لما عرفت إن والدك رفع عليكي قضية، فهمت إن السكوت مش هينفع تاني.»
سألته بقلق:
«إنت تعرف إيه عن الموضوع؟»
تنهد وقال:
«أنا كنت شاهد على الاتفاقات اللي جدك عملها، وشفت بعيني إن فيه أوراق اتستخدمت بعد وفاته بطريقة ما كانتش متوافقة مع اللي اتفقنا عليه.»
حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
سألته:
«تقصد إن أبويا زوّر أوراق؟»
رد بسرعة:
«أنا مش هتهم حد بحاجة قبل ما الأوراق تتراجع، لكن أقدر أقولك إن فيه مستندات لازم تتشاف، وفيه تفاصيل ما ظهرتش في الصندوق.»
وبعدين قال جملة خلت الدم يبرد في عروقي:
«يا مريم، الموضوع مش متعلق بوالدك لوحده. فيه شخص تاني كان بيساعده، وشخصيته هتفاجئك.»
سألته فورًا:
«مين الشخص ده؟»
لكنه ما جاوبش.
قال إنه لازم يقابلني وجهًا لوجه، وإنه هيجيب معاه المستندات اللي احتفظ بيها من سنين.
اتفقنا على موعد في اليوم التالي، في مكتب المحامي.
وقبل ما يقفل المكالمة، قال:
«وفيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها. جدك ما كانش عايزك تخسري عيلتك، لكنه كان عارف إن الحقيقة ممكن تفرّق بينكم لو ظهرت.»
قفلت المكالمة وأنا مش عارفة أفرح لأن الحقيقة بدأت تظهر، ولا أحزن لأن كل خطوة كانت بتكشف لي جانبًا جديدًا من حياة أهلي.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في القضية هي إني أواجه أبويا وأمي قدام المحكمة.
لكن دلوقتي، بقيت خايفة من سؤال واحد:
لو الشخص التاني اللي كان بيساعد أبويا حد قريب مني، هل هقدر أواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة؟
ما كنتش أعرف إن الإجابة هتظهر في اليوم التالي، وإن أول ما عم صبري يحط المستند الأخير على مكتب المحامي، كل اللي كنت فاهمته عن عيلتي هيتغير من جديد.
يتبع في الجزء الرابع…
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي قلبت القضية… والسر اللي جدي أخفاه لآخر يوم في عمره
في صباح اليوم التالي، وصلت مكتب المحامي بدري، وأنا طول الطريق بفكر في كلام عم صبري.
مين الشخص التاني اللي كان بيساعد أبويا؟
وليه جدي كان خايف إن الحقيقة تفرّق بين أفراد العيلة؟
كنت متوقعة إن الموضوع متعلق بالفلوس والأرض، لكن كان عندي إحساس إن فيه حاجة أعمق من كده بكتير.
بعد حوالي عشرين دقيقة، باب المكتب اتفتح، ودخل راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان محتفظ بنفس النظرة الهادية اللي فاكرها من أيام طفولتي.
كان عم صبري.
أول ما شافني، وقف مكانه لحظة، وبعدين ابتسم بحزن.
قال:
«كبرتي يا مريم… وآخر مرة شوفتك فيها كنتِ لسه بنت صغيرة بتجري ورا جدك في الحوش.»
قمت من مكاني وسلمت عليه.
«وأنت لسه فاكرني يا عم صبري؟»
ضحك بهدوء.
«فيه ناس الزمن ما يقدرش يمحيهم من الذاكرة.»
قعد قدامي، وحط شنطة جلد بنية على المكتب.
نفس الشنطة اللي كنت بشوفها معاه زمان!
فتحها وطلع منها مجموعة مستندات قديمة، مربوطة بخيط، ومعاها ظرف مختوم.
بصّ للمحامي وقال:
«أنا محتفظ بالأوراق دي من سنين، بناءً على طلب المرحوم عبد الرحيم المنسي. كنت مستني الوقت المناسب عشان أقدمها لو حصل أي خلاف على الأرض.»
المحامي بدأ يفحص المستندات واحدة واحدة.
كان فيه نسخة من الاتفاق المبدئي بين جدي وسامح الديب، وإيصالات مالية، ومراسلات قديمة، وصورة من خطاب مكتوب بخط جدي.
لكن المستند اللي خلاني أحبس أنفاسي كان ورقة رسمية فيها تفاصيل عن محاولة نقل حق الانتفاع بجزء من الأرض إلى شركة خاصة.
والتاريخ كان بعد وفاة جدي.
سألت عم صبري:
«إيه اللي حصل بالضبط؟»
اتنهد، وبدأ يحكي.
قال إن جدي، قبل وفاته بسنوات، كان بيدرس فكرة إقامة مشروع تجاري صغير على جزء من الأرض. كان هدفه يوفر دخلًا ثابتًا للعيلة، ويسيب لي مصدر أمان للمستقبل.
أبويا وقتها كان متحمس للمشروع، وكان شايف إن الأرض ممكن تجيب أرباح كبيرة.
لكن جدي اكتشف إن الاتفاقات المقترحة فيها شروط ممكن تخلّي السيطرة على الأرض تنتقل تدريجيًا لطرف تاني، فقرر يوقف المشروع.
قال عم صبري:
«جدك كان واضح جدًا. قال إن الأرض ملكه، وإنه مش هيوافق على أي تصرف نهائي إلا لما يراجع كل بند بنفسه.»
سألته:
«وبعدين؟»
رد:
«بعد وفاة جدك، والدك رجع يتواصل مع الأشخاص اللي كانوا مهتمين بالمشروع. وبدأت تظهر أوراق واتفاقات جديدة، بعضها بيستند إلى الاتفاق القديم، لكن بشروط مختلفة.»
المحامي رفع رأسه وسأل:
«هل حضرتك شاهدت توقيعًا على عقد نهائي؟»
هز عم صبري رأسه.
«لا. وأنا عشان كده احتفظت بالمراسلات اللي عندي. ما أقدرش أقول إن كل ورقة غير صحيحة، لكن أقدر أقول إن فيه مستندات كانت بتعرض الاتفاق القديم على إنه موافقة على تصرفات أوسع من اللي جدك وافق عليها.»
المحامي دوّن ملاحظاته، وقال إن الأمر يحتاج إلى فحص رسمي ومقارنة المستندات بسجلات الملكية.
كنت بسمع الكلام وأنا حاسة إن صورة أبويا اللي في ذاكرتي بتتغير قدامي.
ما كنتش عايزة أصدق إنه ممكن يكون حاول يتصرف في أرض جدي من غير ما يرجع لي.
لكن الحقيقة ما كانتش بتسألني أنا عايزة أصدق إيه.
الحقيقة كانت محتاجة مني أواجهها.
وبعدين سألت عم صبري السؤال اللي كان شاغلني من أول مكالمة:
«مين الشخص التاني اللي كان بيساعد أبويا؟»
بصّ لي طويلًا، وبعدها قال:
«عمك حسن.»
اتجمدت مكاني.
عمي حسن، أخو أبويا الأصغر، كان الشخص الوحيد في العيلة اللي فضل يتواصل معايا من وقت للتاني بعد ما سافرت للخدمة.
كان بيتصل يطمن عليّا، ويسألني عن صحتي، وفي كل مرة أرجع فيها إجازة، كان يحاول يقنعني أزور العيلة.
ما كنتش أتخيل إنه ممكن يكون له علاقة بالموضوع.
قلت بصدمة:
«عمي حسن؟ أنت متأكد؟»
رد عم صبري:
«اسمه موجود في المراسلات، وفيه توقيعات مرتبطة بإجراءات إدارية. لكن لازم المحامي يراجع دوره بدقة قبل ما نحكم عليه.»
المحامي وافقه الرأي.
وقال إن وجود اسم شخص في مراسلات أو مستندات لا يثبت وحده ارتكابه مخالفة، وإن كل حاجة لازم تتراجع وفق الإجراءات القانونية.
لكن بالنسبة لي، كان الموضوع أكبر من أسماء على الورق.
كان إحساسًا بالخيانة من ناس كنت فاكرة إنهم، مهما اختلفوا معايا، مش هيحاولوا يحرموّني من حقي.
خلال الأيام التالية، سلّمنا المستندات للجهات المختصة، وطلب المحامي مراجعة سجلات الملكية وأي إجراءات تمت على الأرض بعد وفاة جدي.
واتحدد موعد جديد لاستكمال النظر في القضية.
المرة دي، ما دخلتش المحكمة وأنا خايفة من المفاجآت.
دخلت وأنا معايا أوراق أكتر، وفهم أعمق للي حصل.
كان أبويا وأمي موجودين، وعمي حسن قاعد بعيد عنهم.
أول ما شافني، نزل عينيه للأرض.
ما سلمش عليّا.
وما حاولش يكلمني.
المستشار شريف منصور بدأ الجلسة، وطلب من الأطراف توضيح موقفهم بعد مراجعة المستندات الإضافية.
المحامي بتاعي عرض الأدلة اللي قدمناها، وشرح إن سجلات السداد بتثبت إنني كنت بسدد الالتزامات المتعلقة بالعقار، وإن بعض المستندات القديمة بتشير إلى وجود خلاف حول حدود الاتفاق التجاري اللي بدأ في حياة جدي.
كمان أوضح إننا طلبنا مراجعة أي إجراءات تمت بعد وفاة جدي، للتأكد من توافقها مع سجلات الملكية والقواعد القانونية.
المستشار استمع بعناية، وبعدها وجّه سؤالًا مباشرًا لأبويا:
«أستاذ فؤاد، هل حضرتك عندك مستندات تثبت إنك دفعت المصاريف اللي نسبت لنفسك سدادها في صحيفة الدعوى؟»
أبويا اتردد.
«فيه مصاريف اتدفعت على مدار السنين، وبعضها كان عن طريق حسابات العيلة.»
المستشار سأله:
«هل عندك إيصالات أو كشوف حسابات تثبت المبالغ دي؟»
أبويا ما قدمش مستندات كافية تثبت ادعاءه.
بعدها، المستشار طلب منه يوضح سبب رفع الدعوى بادعاء إنني هجرت العقار، رغم وجود إيصالات سداد باسمي.
أبويا بصّ للمحامي، وبعدها قال:
«كنت فاكر إن بنتي مش هترجع تطالب بالبيت، وإن الأفضل إننا نرتب الأمور داخل العيلة.»
الجملة دي كانت كافية إنها تخليني أفهم جزءًا كبيرًا من اللي حصل.
بالنسبة له، غيابي كان معناه إن حقي ممكن يتأجل أو يتنسى.
وإنه يقدر يتصرف في المكان اللي جدي سابه لي، طالما أنا بعيدة.
المستشار قال بوضوح:
«غياب المالك عن العقار لا يعني تلقائيًا تخليه عن ملكيته، وده أمر هيتحدد بناءً على المستندات والقانون.»
وبعد مراجعة الأوراق المتاحة، قرر استبعاد الادعاءات اللي ما اتقدّمش عليها دليل كافٍ، واستكمال الفحص القانوني للنقاط المتعلقة بأي تصرفات أخرى على العقار.
وفي النهاية، صدر القرار برفض طلب والديّ المتعلق بإثبات تخليي عن العقار، لعدم كفاية الأدلة المقدمة لدعمه، مع استمرار الإجراءات اللازمة بشأن المستندات الأخرى.
أما ملكية الأرض، فتم تأكيد حقي فيها وفقًا للمستندات الرسمية التي جرى التحقق منها.
البيت اللي جدي سابه لي ما بقاش مجرد ذكرى بدافع عنها… بقى حقي المثبت بالأوراق.
أبويا فضل قاعد مكانه، باصص قدامه.
أمي كانت ساكتة، وعقد اللؤلؤ اللي في رقبتها بيتحرك بين صوابعها بعصبية.
أما عمي حسن، فقام من مكانه وخرج من القاعة من غير ما يبص ناحيتي.
لكن قبل ما أخرج، المستشار طلب مني أقف لحظة.
بصّ للأوسمة الموجودة على صدري، وبعدها قال:
«يا فندم، قبل ما تنصرفي، أحب أقول لك كلمة شخصية، بعيدًا عن موضوع القضية.»
وقفت باحترام.




