روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

«والدك يمكن يكون مختلف معاكي في اختياراتك، لكن ده ما يديهوش الحق إنه يقلل من مجهودك أو من مكانتك. أنا شفت ملف خدمتك ضمن المستندات اللي اتقدمت، وعرفت إنك تحملتي إصابة أثناء أداء واجبك.»

سكت لحظة، وبعدها أضاف:

«مش كل الناس بتفهم معنى التضحية، لكن ده ما يقللش من قيمتها.»

حسّيت بعيني بتدمع، لكني تماسكت.

قلت:

«شكرًا يا سيادة المستشار.»

خرجت من المحكمة، ووقفت على السلم الخارجي.

الشمس كانت دافية، والهواء بيحرّك أطراف الجاكيت العسكري.

ولأول مرة من سنين، حسّيت إني مش مطالبة أبرر اختياراتي لحد.

لا لأبويا، ولا لأمي، ولا لأي شخص تاني.

لكن القصة ما انتهتش عند قرار المحكمة.

لأن بعد الجلسة، أبويا طلب يقابلني لوحدنا.

### المواجهة الأخيرة

اتقابلنا في حديقة صغيرة قريبة من المحكمة.

أبويا وصل قبلي، وكان قاعد على مقعد خشبي، ووشه باين عليه التعب.

لما قربت، رفع رأسه وقال:

«اقعدي يا مريم.»

قعدت على الطرف التاني من المقعد، وسيبت بينا مسافة.

فضل ساكت شوية، وبعدها قال:

«أنا ما كنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.»

بصّيت له وقلت:

«إنت اللي رفعت القضية يا بابا.»

هزّ راسه.

«عارف.»

وبعد صمت طويل، قال:

«أنا كنت شايف إنك لما سافرتي للخدمة، اخترتي طريق بعيد عن العيلة. كنت حاسس إنك سيبتينا، وإنك بقيتي مش محتاجانا.»

الكلام وجعني، لكنه ما فاجأنيش.

قلت له:

«أنا ما سبتكوش عشان أعاقبكم. أنا اخترت شغلي، وكنت مستعدة أتحمل مسؤوليته. لكن في كل مرة كنت بحاول أقرب، كنت بحس إنكم شايفين اختياري غلطة.»

أبويا نزل عينيه.

كمّلت:

«فاكر الرسالة اللي أمي بعتها لي بعد التدريب؟ اللي قالت فيها إنكم ربّيتوا بنت، مش جندي؟»

غمض عينيه لحظة.

«أيوه.»

«أنا قريتها مرة واحدة، يا بابا. لكن فضلت فاكرة معناها سنين. كنت مستنية منك كلمة واحدة تقول لي إنك فخور بيا، حتى لو مش فاهم طبيعة حياتي.»

صوته بقى أهدى وهو بيقول:

«يمكن أنا أخطأت في حاجات كتير.»

بصّيت له.

«المشكلة مش إنك اختلفت معايا. المشكلة إنك لما احتجت تتعامل معايا، اخترت المحكمة بدل ما تتصل بيا. ولما اتكلمنا عن البيت، حاولت تثبت إني تخليت عنه رغم إنك كنت عارف إني بسدد كل التزاماته.»

فضل ساكت.

وبعد شوية، قال:

«أنا آسف.»

كانت أول مرة أسمع منه الكلمة دي بالشكل ده.

ما كانتش مصحوبة بتبرير طويل، ولا بطلب إني أنسى كل اللي حصل.

لكن الاعتذار، مهما كان مهمًا، ما كانش كافيًا لوحده يمحو سنين من الألم.

قلت له:

«أنا سامعاك يا بابا، لكن محتاجة وقت. الثقة مش بترجع بكلمة واحدة.»

هزّ راسه ببطء.

«فاهم.»

وبعدين بصّ للزي العسكري وقال:

«أنا ما كنتش فاهم ليه مصممة تكملي في الطريق ده.»

ابتسمت ابتسامة حزينة.

«مش لازم تكون فاهم كل حاجة بعملها. كان يكفيني إنك تحترم اختياري.»

ما ردش.

ولأول مرة، حسّيت إنه بيسمعني فعلًا، مش مستني دوره عشان يرد.

قمت من مكاني، لكنه ناداني قبل ما أمشي.

«مريم.»

لفّيت ناحيته.

قال بصوت مكسور:

«جدك كان بيحبك جدًا. وكان دايمًا يقول إنك أكتر واحدة في العيلة شبهه.»

ابتسمت رغم الدموع اللي لمعت في عيني.

«عارفة يا بابا. عشان كده البيت ده مهم عندي.»

مشيت من غير ما أقول كلامًا أكتر.

ما كنتش عايزة أنتقم منه، ولا كنت عايزة أشوفه خسران.

كنت عايزة حقي يرجع، وإنه يفهم إن البنت اللي كان فاكر إنها اختارت تبعد عنه، كانت طول الوقت بتحاول تبني حياة تقدر تبص لنفسها فيها باحترام.

### بعد مرور ثلاثة أشهر

رجعت لبيت جدي في صباح يوم هادي.

المرة دي، ما كنتش داخلة عشان أبحث عن صندوق أو مستند مخفي.

كنت داخلة عشان أبدأ أصلّح المكان.

استعنت بعمال لإصلاح الشرفة، وتجديد الدهان، وترميم السور القديم. واهتميت بالشجرة الكبيرة اللي كانت بدأت تموت.

ما قدرتش أرجعها لحالتها الأولى بالكامل، لكننا أنقذنا الجزء السليم منها، وزرعنا شتلات جديدة جنبها.

أما المخزن، فاحتفظت بمكتب جدي زي ما هو.

حطيت فوقه صورته القديمة، والخطاب اللي كتبه لي، بعد ما حفظت الأصل بطريقة مناسبة.

وفي درج المكتب، وضعت نسخة من قرار المحكمة والمستندات اللي بتثبت حقي.

مش عشان أفضل أفتكر الخلاف.

لكن عشان أفتكر إن الحقيقة محتاجة صبر، وإن الأمانة لازم يكون ليها أصحاب مستعدين يدافعوا عنها.

عم صبري زارني بعد انتهاء أعمال الترميم.

وقف في الحوش وبصّ للمكان، وبعدها قال:

«جدك لو شاف البيت دلوقتي، كان هيفرح.»

قلت له:

«كان هيفرح أكتر لو شاف العيلة وهي متفاهمة.»

ابتسم بحزن.

«يمكن ده يحصل يومًا.»

سألته عن عمي حسن.

قال إنه قدّم توضيحات للمحامي، وإن الإجراءات الخاصة بدوره في الاتفاقات القديمة اتراجعت بشكل منفصل. لم يكن هناك ما يكفي لإثبات كل الاتهامات التي دارت حوله، لكن بعض التصرفات الإدارية ظلت محل مراجعة.

ما حاولتش أضغط عشان أنتقم منه.

سيبت القانون يحدد المسؤولية بناءً على الأدلة، لأنني ما كنتش عايزة أتحول لشخص بيصدر أحكامًا لمجرد إنه اتوجع.

أما أمي، فبعتت لي رسالة بعد أسابيع.

كتبت فيها:

«يا مريم، البيت شكله جميل. نفسي أزورك لو تسمحي لي.»

قرأت الرسالة مرتين.

وبعد تفكير، رديت:

«أهلًا بيكي يا أمي. تقدري تزوريني، لكن محتاجة علاقتنا تبدأ من جديد، على أساس الاحترام والصراحة.»

ما كنتش متأكدة إن علاقتنا هترجع زي ما كانت ممكن تكون لو الأمور اختلفت من البداية.

لكنني كنت مستعدة أدي فرصة صغيرة، من غير ما أتنازل عن حدودي أو أسمح لحد يقلل مني مرة تانية.

وفي اليوم اللي زارتني فيه، وقفت أمي قدام صورة جدي المعلقة في الصالة.

لمست إطار الصورة وقالت:

«كان بيحبك أكتر مما كنت فاهمة.»

رديت بهدوء:

«هو كان بيحبنا كلنا. بس كان عارف إن الحب لوحده مش كفاية، ولازم يكون فيه عدل.»

أمي نزلت عينيها.

ما طلبتش منها اعتذارًا جديدًا، وما حاولتش أفتح كل الجروح القديمة.

بعض الأمور محتاجة وقتًا طويلًا عشان تلتئم، وبعض العلاقات ما بترجعش بنفس الشكل، حتى لو بدأ أصحابها يحاولوا يصلحوها.

لكنني كنت أخيرًا قادرة أعيش من غير ما أستنى اعترافهم بقيمتي.

### الرسالة الأخيرة

في مساء أحد الأيام، كنت قاعدة على شرفة بيت جدي، وكلبي نوكس نايم عند رجلي.

فتحت صندوق البحرية القديم، وطلعت منه العلم اللي احتفظت بيه تخليدًا لذكرى صديقي الراحل لويس.

افتكرت كل الأشخاص اللي قابلتهم خلال سنوات خدمتي؛ ناس كانوا بعيدين عن أهلهم، وناس ضحّوا بحاجات كتير من غير ما يطلبوا مقابلًا.

وفهمت إن العيلة مش دايمًا بتكون مجموعة أشخاص متفقين في كل حاجة.

العيلة الحقيقية هي اللي تقدر تختلف معاك من غير ما تهينك، وتخاف عليك من غير ما تتحكم فيك، وتحترم اختياراتك حتى لو ما كانتش اختياراتها.

أما البيت، فمش مجرد أرض أو حيطان.

البيت هو المكان اللي تقدر ترجع له من غير ما تضطر تخفي حقيقتك، أو تعتذر عن الشخص اللي بقيت عليه.

بصّيت للشجرة اللي قدام الشرفة، وافتكرت جدي وهو بيقول لي:

«الأمانة مش إنك تحتفظ بالحاجة لنفسك وبس يا مريم. الأمانة إنك تحافظ عليها من غير ما تظلم حد.»

ابتسمت.

لأنني أخيرًا فهمت قصده.

أنا دافعت عن حقي، لكنني ما احتجتش أدمّر حياة أهلي عشان أثبت إنهم أخطأوا.

وما احتجتش أنتظر تصفيقهم عشان أعرف قيمة اللي عملته.

وفي اليوم اللي دخلت فيه المحكمة بزي البحرية، كنت فاكرة إن أصعب معركة هخوضها هي المعركة ضد أهلي.

لكنني اكتشفت إن المعركة الأصعب كانت إني ما أسمحش لرفضهم القديم يحدد نظرتي لنفسي.

أبويا كان شايف إن الزي العسكري وصمة عار على العيلة، لكنه ما فهمش إن البنت اللي لبسته كانت بتحاول طول عمرها تكون جديرة باسم عيلتها، حتى لما العيلة نفسها ما عرفتش تشوف قيمتها.

والنهارده، البيت اللي جدي سابه لي بقى مكانًا أقدر أعيش فيه بسلام.

مش لأنني كسبت قضية وبس.

لكن لأنني أخيرًا بطلت أحاول أثبت لأي حد إني أستحق الاحترام.

أنا استحق الاحترام من البداية… سواء اعترفوا بده أو لأ.

تمت القصة.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى