
الجزء الثاني والاخير
طلعت من المطبخ من غير ما أقول كلمة، وطلعت على أوضتي وقفلت الباب ورايا.
وقفت في نص الأوضة وبصيت حواليا. كل حاجة كانت بتفكرني بطفولتي، بالسنين اللي قضيتها في البيت ده، وبالأيام اللي كنت برجع فيها من الشغل تعبانة، وأحط فلوسي في علبة صغيرة عشان أوفر تمن العربية.
فتحت الدولاب وطلعت شنطة سفر قديمة، وبدأت أحط فيها هدومي.
ماخدتش حاجات كتير، شوية ملابس، أوراقي الشخصية، شهاداتي، وصور قديمة كنت محتفظة بيها.
كنت سامعة صوت التلفزيون من الصالة، وصوت أخويا وهو بيضحك مع أبويا، وكأن مفيش حاجة حصلت.
بعد حوالي نص ساعة، خرجت من الأوضة وأنا شايلة الشنطة.
أمي كانت واقفة في المطبخ، ولما شافتني قالت:
«إنتِ رايحة فين يا منار؟»
بصيت لها وقلت:
«زي ما أبويا قال، هخرج من بيته.»
اتوترت وقالت:
«ما تكبريش الموضوع، بكرة تهدوا وتتصالحوا.»
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة وجع وقلت:
«هو الموضوع كبر لما طلب مني أتنازل عن حقي، ولا لما طردني عشان رفضت؟»
ماعرفتش ترد.
عديت من جنبها وخرجت.
لقيت أبويا قاعد في الصالة، وكريم جنبه، ولما شافوني شايلة الشنطة قال أخويا بسخرية:
«أهو كده أحسن، بدل وجع الدماغ ده كله.»
بصيت له للحظة، وقلت:
«خلي بالك من العربية لو فكرت تلمسها.»
أبويا رد بغضب:
«إنتِ لسه بتتكلمي عن العربية؟ اطلعي بره!»
ما رديتش.
نزلت السلم، وحطيت الشنطة في شنطة العربية، وقعدت ورا الدركسيون.
فضلت أبص للبيت من المراية ثواني طويلة.
كنت مستنية حد ينزل ورايا، حتى لو بكلمة واحدة.
لكن محدش نزل.
شغلت العربية ومشيت.
ماكانش معايا غير مبلغ بسيط من الفلوس، ومكان أقدر أروحه عند واحدة صاحبتي في الإسكندرية، كانت زميلتي القديمة في الشغل.
وصلت عندها بعد منتصف الليل، ولما فتحت الباب وشافت عيني الحمرا، سألتني:
«مالك يا منار؟ حصل إيه؟»
أول ما سمعت السؤال، انهرت في العياط.
حكيت لها كل حاجة، وهي فضلت تسمعني لحد ما خلصت.
وبعدين قالت لي جملة عمري ما نسيتها:
«إنتِ مش محتاجة تثبتي لحد إنك تستاهلي الاحترام. إنتِ تستاهليه من غير ما تعملي أي حاجة.»
الكلام ده كان أول مرة أحس فيها إن فيه حد واقف في ضهري.
في اليوم التالي، بدأت أدور على شغل وسكن صغير.
اشتغلت في البداية في محل لبيع الأدوات المنزلية، وبعدها قدرت ألاقي شغل إداري في شركة صغيرة.
كان المرتب قليل، لكن كنت بصرف على نفسي، ومحدش يقدر يمد إيده على فلوسي أو يقرر أنا أعمل إيه.
مرت الشهور، وبعدها سنة كاملة.
ما اتصلتش بأبويا، وما حاولتش أرجع البيت.
أمي كانت بتبعت لي رسائل متقطعة، كلها نصايح عن إني لازم أرجع وأصالح أبويا، لكن عمرها ما قالت لي إنه ندم على اللي عمله.
أما كريم، فكان واضح إنه استمتع بغيابي.
وبعد فترة عرفت من واحدة من قرايبنا إنه بدأ يستخدم العربية بالفعل، رغم إنه ماكانش معاه أي حق فيها.
ولما حاولت أعرف التفاصيل، اكتشفت إن أبويا كان بيضغط عليّ عشان أسيب له العربية بشكل نهائي، مش مجرد أستخدمها معاه.
لكن المفاجأة إن العربية كانت مسجلة باسمي، وكل أوراق ملكيتها معايا.
وبعد مرور سنتين، بدأت حياتي تتغير.
الشركة اللي كنت بشتغل فيها كبرت، والمدير عرض عليّ مسؤولية متابعة الحسابات والمشتريات.
كنت بشتغل ساعات طويلة، وأتعلم كل يوم حاجة جديدة، وأوفر جزء من مرتبي.
وبعدها قررت أخوض أول تجربة خاصة بيا.
استأجرت محل صغير في منطقة تجارية بالإسكندرية، وبدأت أبيع مستلزمات السيارات وقطع الغيار البسيطة.
في البداية كنت بشتغل لوحدي، أفتح المحل الصبح وأقفله بالليل.
كان فيه أيام مفيش فيها زبون واحد، وأيام تانية كنت أرجع البيت وأنا مش عارفة هقدر أكمل ولا لأ.
لكن كل مرة كنت بفكر أستسلم، كنت أفتكر الليلة اللي وقفت فيها قدام باب بيت أبويا بشنطة هدومي.
وأقول لنفسي:
«أنا خرجت من غير ما حد يساعدني، يبقى لازم أقدر أكمل.»
ومرت السنوات.
المحل الصغير بقى محلين، وبعدها فتحت مخزن لتوريد قطع الغيار لعدد من مراكز الصيانة.
وبحلول السنة العاشرة، بقيت أمتلك شركة صغيرة معروفة في مجال توريدات السيارات، وبقى عندي فريق من الموظفين، وعملاء في أكتر من محافظة.
ماكانش النجاح سهل، لكنه كان حقيقي.
وفي صباح يوم عادي، وأنا في مكتبي، وصلني اتصال من رقم مش مسجل عندي.
رديت:
«ألو، مين معايا؟»
جالي صوت أمي.
«منار… إنتِ عاملة إيه يا بنتي؟»
سكت لحظة، وبعدين قلت:
«الحمد لله يا ماما، إنتِ عاملة إيه؟»
قالت بصوت متردد:
«إحنا محتاجين نشوفك. أبوكي تعبان شوية، وكريم عنده مشكلة كبيرة، ونفسنا ترجعي تقفي جنبنا.»
حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية في المكالمة.
سألتها:
«إيه المشكلة؟»
تنهدت وقالت:
«أخوك خسر شغله، وعليه ديون، والعربية اللي كان بيستخدمها اتباعت، وهو دلوقتي محتاج عربية تانية عشان يعرف يشتغل.»
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أستوعب سبب الاتصال الحقيقي:
«أبوكي شايف إنك تقدري تساعديه، خصوصًا إنك بقيتي صاحبة شركة وعندك عربيات كتير.»
قفلت عيني للحظة.
بعد عشر سنين من غير سؤال حقيقي عن حياتي، افتكروني فجأة لما احتاجوا حاجة مني.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن الزيارة اللي كانوا بيطلبوها هتكون بداية مواجهة عمرهم ما توقعوها…
لأن المرة دي، أنا مش البنت اللي خرجت من البيت بشنطة هدوم وعربية قديمة.
يتبع…
في اليوم التالي، فضلت أفكر في مكالمة أمي. جزء مني كان عايز يروح يشوفها، وجزء تاني كان رافض يرجع لنفس الوجع اللي عاشه من عشر سنين.
لكن في النهاية قررت أروح.
مش عشان أديهم فلوس، ولا عشان أرجع أعيش معاهم، لكن عشان أعرف إذا كانوا فعلًا عايزين يشوفوني، ولا افتكروني بس لما احتاجوا مساعدتي.
طلبت من السكرتيرة تلغي مواعيدي في آخر اليوم، وركبت عربيتي واتجهت ناحية البيت القديم.
لما وصلت، وقفت قدام الباب شوية.
نفس الشارع، ونفس العمارة، وحتى باب الشقة كان زي ما هو.
خبطت.
أمي فتحت الباب، وأول ما شافتني حضنتني بقوة وهي بتقول:
«وحشتيني يا بنتي، وحشتيني أوي.»
حضنتها، لكن كان فيه حاجز جوايا مش قادر يختفي بسهولة.
دخلت الصالة، ولقيت أبويا قاعد على الكنبة، وشعره بقى أبيض أكتر، ووشه اتغير مع السنين.
أما كريم، فكان قاعد على كرسي قدام التلفزيون، ولما شافني وقف بسرعة.
قال بابتسامة واسعة:
«أهو أختي الغالية وصلت!»
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
«إزيك يا كريم؟»
أبويا بص لي وقال:
«كبرتي يا منار، وسمعنا إنك بقيتي صاحبة شركة كبيرة.»
رديت بهدوء:
«الحمد لله، ربنا كرمني.»
قال وهو بيعدل قعدته:
«إحنا عارفين إنك تعبتي، وإنك وصلتي لمكانة كويسة، وده شيء يفرحنا.»
ما علقتش.
أمي دخلت المطبخ تجيب الشاي، وكريم قعد جنبي وبدأ يتكلم بسرعة:
«بصي يا منار، أنا عندي فرصة شغل كويسة جدًا، بس محتاج عربية أعتمد عليها. وإنتِ عندك أكتر من عربية في الشركة، فقلت بدل ما نروح نشتري واحدة جديدة، تساعديني بعربية من عندك.»
بصيت له وقلت:
«تساعدك إزاي؟»
قال:
«يعني تديني عربية أستخدمها، ولما ربنا يفرجها عليّا أبقى أرجعهالك.»
سألته:




