
الجزء الثاني
فضلت واقفة في المطبخ، وببص لأحمد وسعاد، مستنية أي واحد فيهم ينطق ويشرح لي إيه الحكاية الغريبة دي.
لكن الاتنين كانوا ساكتين.
سعاد كانت ماسكة إيديها ببعض، وأحمد عمال يبص ناحية الجرة ويرجع يبص لأمه، وكأنه خايف يقول كلمة تكشف سر كبير.
قلت بصوت حازم:
“أنا مش هتحرك من هنا غير لما أفهم إيه اللي بيحصل. الجرة دي فيها رماد شخص غائب، وإنتوا الاتنين أول ما شفتوها اتغيرت ملامحكم. يبقى أكيد فيه حاجة أنا معرفهاش.”
أحمد حاول يتكلم، لكن أمه سبقته.
قالت بعصبية:
“يا نوال، إنتِ بتفهمي الموضوع غلط. إحنا بس اتفاجئنا.”
ضحكت بسخرية وقلت:
“اتصدمتوا من جرة؟ ولا اتصدمتوا من الشخص اللي رماده جواها؟”
سعاد قامت من مكانها وقالت:
“أنا مش هفضل واقفة أتحقق معاكي كأني متهمة!”
لكن قبل ما تتحرك، أحمد مسك دراعها وقال:
“استني يا ماما.”
بصت له بغضب وهمست:
“إنت اتجننت؟ قولتلك ماتتكلمش!”
سمعت كلامها، وحسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خوف عابر.
في اللحظة دي، واحد من الضيوف دخل المطبخ، وكان راجل كبير في السن اسمه عم فؤاد.
بص لنا باستغراب وقال:
“فيه إيه يا جماعة؟ إحنا سمعنا صوت عالي.”
سعاد حاولت ترجع ابتسامتها وقالت:
“مفيش حاجة يا فؤاد، سوء تفاهم بسيط.”
لكن الراجل بص للجرة، وفجأة وقف مكانه.
قرب خطوة وقال بصوت منخفض:
“هي الجرة دي رجعت تاني؟”
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
بصيت له وقلت:
“إنت كمان تعرفها؟”
ما ردش.
بدل ما يجاوب، بص لأحمد وقال:
“إنتوا ماقولتوش إنها راحت خلاص؟”
أحمد غمض عينيه للحظة، وكأنه بيحاول يسيطر على نفسه.
أما سعاد، فصرخت فيه:
“فؤاد! اطلع بره!”
لكن أنا رفعت إيدي وقلت:
“محدش هيخرج من المطبخ قبل ما أفهم الحقيقة.”
في اللحظة دي، رن موبايلي.
كانت أختي فاطمة.
رديت بسرعة، وقلت لها:
“فاطمة، أنا محتاجة أفهم منك حاجة.”
قالت بقلق:
“خير يا نوال؟ حصل إيه؟”
بصيت لسعاد وأحمد وقلت:
“الناس اللي عندي في البيت عرفوا الجرة أول ما شافوها. واحد منهم حتى قال إنها رجعت تاني. إنتِ كنتِ عارفة إن فيه ناس هنا ممكن تعرفها؟”
سكتت أختي ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت متوتر:
“يا نوال، إنتِ فتحتي الجرة قدامهم؟”
قلت:
“أيوه.”
ردت بسرعة:
“اسمعيني كويس. ماتسلميش الجرة لأي حد، وماتخليش حد ياخدها منك. أنا هحكيلك كل حاجة، بس لازم تعرفي إن اللي جواها مرتبط بسر قديم.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
سألتها:
“سر إيه يا فاطمة؟”
قالت:
“فاكرة الراجل اللي سألتيني عنه قبل ما تسافري؟”
افتكرت كلامها.
قبل ما أرجع القاهرة بيومين، أختي كانت حكت لي عن شخص اسمه حسن، كان عايش في نفس المنطقة اللي كانت ساكنة فيها زمان.
قالت إنه كان يعرف محمود من سنين طويلة، وإنه قبل غيابه بفترة حاول يوصل لي، لكن محدش قدر يلاقيني.
وقتها ما اهتمتش بالموضوع، لكن دلوقتي بدأت أحس إن فيه حاجة مهمة ضاعت مني.
قلت لها:
“أيوه، فاكرة. هو حسن ده علاقته إيه بالجَرة؟”
ردت بصوت مكسور:
“حسن من فترة قريبة، وقبل ما يغيب ساب عندي أمانة وقال لي أوصلهالك. ولما سألتك عن الجرة، قلتِ لي إنك هترجعي القاهرة قريب، فطلبت منك تاخديها معاكي.”
سألتها:
“يعني الرماد اللي جواها بتاع حسن؟”
قالت:
“أيوه، لكن الموضوع مش مجرد رماد. حسن ساب معاها ورقة مهمة جدًا، وقال لي ما تتفتحش غير قدامك إنتِ.”
اتسعت عينيا.
بصيت للجرة، وبعدها سألتها:
“ورقة إيه؟”
قالت:
“هتعرفي لما تفتحي الجزء الداخلي من الغطا. لكن قبل ما تعملي كده، لازم تسمعيني للآخر.”
وقبل ما تكمل كلامها، سعاد خطفت الموبايل من إيدي!
صرخت فيها:
“إنتِ بتعملي إيه؟!”
لكنها كانت بالفعل قفلت المكالمة.
مسكت الجرة ودفعتها ناحيتي وقالت بغضب:
“كفاية يا نوال! إنتِ مش فاهمة إنتِ بتدخلي نفسك في إيه.”
بصيت لها وقلت:
“أنا صاحبة البيت، ومن حقي أفهم كل حاجة بتحصل فيه.”
ردت بصوت مرتعش:
“مش كل حقيقة لازم تعرفيها!”
الجملة دي خلتني أحس ببرودة في جسمي.
قلت لها:
“يعني فيه حقيقة فعلًا؟”
ما ردتش.
أما أحمد، فكان واقف ساكت، وبعدين قال بصوت منخفض:
“ماما نوال، أنا آسف. كان المفروض محدش يعرف إن الجرة دي رجعت.”
بصيت له وقلت:
“رجعت منين؟”
أخد نفس طويل وقال:
“من المكان اللي اتدفن فيه السر من أكتر من عشرين سنة.”
في اللحظة دي، حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
أكتر من عشرين سنة؟
إيه السر اللي ممكن يفضل مستخبي كل المدة دي؟
وليه جوز بنتي وأمه عارفين عنه؟
وقبل ما أقدر أسأله، سمعت صوت منى جاية من الطرقة.
كانت وصلت أخيرًا.
دخلت المطبخ، وأول ما شافت الجرة قدامي، وشها اتغير.
قالت بصوت عالي:
“ماما! إنتِ عملتي إيه؟!”
بصيت لها باستغراب وقلت:
“أنا اللي عملت إيه؟ إنتِ اللي دخلتي ناس غريبة بيتي من غير إذني، ولسه مش عارفة أطلع منهم بإجابة واحدة!”
لكنها ما اهتمتش بكلامي.
قربت من الجرة وقالت:
“إنتِ لازم ترجعيها لفاطمة فورًا.”
سألتها:
“وإنتِ عرفتي منين إنها تخص خالتك فاطمة؟”
اتلخبطت، وبصت لأحمد.
كانت نظرة واحدة كفاية علشان أفهم إن بنتي كمان عارفة حاجة.
قلت لها وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:
“منى، بصي في عيني وقوليلي: إنتِ تعرفي إيه عن الجرة دي؟”
نزلت عينيها للأرض.
وبعد لحظات قالت:
“أنا كنت فاكرة إن الموضوع انتهى من زمان.”
سألتها:
“انتهى إزاي؟ وإيه اللي بدأ أصلًا؟”
رفعت عينيها، وكانت الدموع بدأت تتجمع فيها.
قالت:
“ماما، فيه حاجة بابا محمود كان مخبيها عنك، وحسن كان آخر شخص يعرف تفاصيلها.”
اتسمرت مكاني.
جوزي محمود؟
الراجل اللي عشت معاه عمري كله؟
اللي كنت فاكرة إني أعرف عنه كل حاجة؟
إيه اللي ممكن يكون مخبيه عني؟
لكن قبل ما منى تكمل، عم فؤاد قرب من الترابيزة وحط قدامي ظرف قديم لونه أصفر.
قال:
“يا مدام نوال، حسن سلمني الظرف ده من حوالي شهر، وقال لي لو الجرة وصلت لك، أسلمهولك بإيدي.”
مسكت الظرف بإيد مرتعشة.
كان مكتوب عليه اسمي بخط واضح:
إلى نوال عبد الرحمن… الحقيقة اللي محمود خاف يقولها لك طول عمره.
رفعت عيني وبصيت لكل الموجودين.
سعاد كانت شبه منهارة.
أحمد ساكت.
ومنى بتعيط.




