
فتحت الظرف ببطء، لكن أول ما شفت أول سطر في الرسالة، حسيت إن قلبي وقف للحظة.
لأن حسن كان كاتب:
“يا نوال، محمود ماكانش الشخص الوحيد اللي عرف سر اللي حصل في ليلة اختفاء ابننا…”
ابننا؟!
أنا ومحمود ماكانش عندنا غير منى!
يبقى حسن بيتكلم عن مين؟
وليه كتب إن لينا ابن اختفى؟
والأخطر من كل ده…
إيه علاقة سعاد وأحمد بالموضوع اللي حصل من أكتر من عشرين سنة؟
الجزء الثالث
فضلت ماسكة الرسالة بإيدي، وبعيد قراءة نفس السطر أكتر من مرة.
«محمود ماكانش الشخص الوحيد اللي عرف سر اللي حصل في ليلة اختفاء ابننا…»
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
رفعت عيني وبصيت لمنى، بنتي الوحيدة، وسألتها بصوت مرتعش:
“منى… هو أبوكي كان عنده ابن تاني؟”
منى انفجرت في العياط، وحطت إيديها على وشها.
أما سعاد، فحاولت تقرب مني وتاخد الرسالة، لكني رجعتها بعيد عنها وقلت:
“إوعي تمدي إيدك! أنا مش هسمح لحد يخبي عني حاجة تاني.”
أحمد تدخل وقال:
“ماما نوال، أرجوكي اسمعينا للآخر. الموضوع قديم، ومش كل اللي هتعرفيه هيكون سهل.”
بصيت له بغضب وقلت:
“أنا عشت مع محمود أكتر من ثلاثين سنة، وكنت فاكرة إني أعرف كل حاجة عنه. دلوقتي بتقولي إن كان عنده ابن وأنا معرفش؟!”
رد أحمد بصوت منخفض:
“مش بالضبط…”
صرخت فيه:
“أمال إيه بالضبط؟!”
سكت الجميع.
فتحت الرسالة وكملت القراءة.
كان حسن كاتب:
«يا نوال، أنا عارف إنك هتتصدمِي من كلامي، وعارف إنك ممكن تكرهيني بعد ما تعرفي الحقيقة، لكن ضميري مش هيسمح لي أغيب وأنا سايبك عايشة وسط كذبة كبيرة.
من أكتر من عشرين سنة، محمود كان بيزورني باستمرار، وكان بينا اتفاق محدش يعرف عنه حاجة.
في الليلة اللي اختفى فيها الطفل، كنت أنا آخر شخص شافه، لكن اللي حصل بعد كده ماكانش بالبساطة اللي الناس حكتها.
الطفل ما غابش زي ما اتقال لك.
الطفل كان لسه عايش.»
وقعت الرسالة من إيدي.
بصيت لأحمد وسعاد ومنى، وقلت:
“يعني إيه الطفل ما غابش؟! هو فيه طفل اختفى؟!”
أحمد قرب مني وقال:
“ماما نوال، الطفل ده كان…”
لكن سعاد قاطعته بعصبية:
“اسكت يا أحمد! إحنا اتفقنا إن الكلام ده يفضل مدفون!”
لفيت ناحيتها وقلت:
“إنتِ كنتِ عارفة؟!”
ما ردتش.
لكن سكوتها كان إجابة كفاية.
قلت لها:
“إنتِ عارفة من أكتر من عشرين سنة إن فيه طفل اختفى، وساكتة؟”
سعاد قعدت على الكرسي، وحطت إيديها على وشها.
أما منى، فقربت مني وهي بتعيط وقالت:
“ماما، أرجوكي، أنا هحكيلك كل حاجة.”
بصيت لها وقلت:
“اتكلمي.”
بدأت منى تحكي وهي مش قادرة تسيطر على دموعها.
قالت إن من أكتر من عشرين سنة، قبل ما تتجوز أحمد بسنين طويلة، كان فيه خلاف كبير بين عيلتين بسبب طفل صغير اتولد في ظروف صعبة.
الطفل ده كان اسمه ياسين.
حسن كان قريب للعيلة، وكان عارف تفاصيل ولادته، ومحمود كان بيساعده في موضوع متعلق بمستقبل الطفل.
لكن في ليلة معينة، حصلت مشكلة كبيرة، والطفل اختفى من المكان اللي كان موجود فيه.
بعدها انتشرت حكاية إنه غاب، وإن محدش قدر ينقذه.
سألتها وأنا مش قادرة أستوعب:
“وإيه علاقة أبوكي بالموضوع؟”
ردت:
“بابا كان آخر شخص شاف حسن قبل ما يختفي ياسين.”
حسيت بدوخة.
قلت:
“ومحمود مخباش عليا كل ده ليه؟”
منى ماعرفتش ترد.
في اللحظة دي، أحمد اتكلم لأول مرة بصراحة.
قال:
“لأن ياسين كان مرتبط بعيلتنا إحنا كمان.”
بصيت له باستغراب.
“يعني إيه مرتبط بعيلتكم؟”
أحمد بص لأمه.
سعاد هزت راسها ببطء، وكأنها استسلمت أخيرًا.
وبعدين قال:
“ياسين كان ابن أخويا الكبير.”
اتسعت عينيا.
“إنت عندك أخ كبير؟”
رد:
“كان عندي أخ اسمه سامح. غاب من سنين، وكان متجوز قبل غيابه.”
سألته:
“والطفل ده كان ابنه؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
بدأت الصورة تتجمع قدامي، لكن لسه فيه أجزاء كتير ناقصة.
سألت سعاد:
“طب ليه كل السنين دي بتخفوا الحقيقة؟”
سعاد رفعت وشها، وكانت عينيها مليانة دموع.
قالت:
“لأن اللي حصل بعد اختفاء ياسين كان أكبر من قدرتنا على الاعتراف.”
سألتها:
“إيه اللي حصل؟”
لكنها فضلت ساكتة.
في اللحظة دي، عم فؤاد تدخل وقال:
“يا مدام نوال، فيه حاجة لازم تعرفيها. حسن ما سابش الجرة والرسالة بس. هو كمان ساب تسجيل صوتي.”
بصيت له بسرعة.
“تسجيل؟ فين؟”
أشار ناحية الجرة وقال:
“فيه مفتاح صغير تحت الغطا الداخلي. المفتاح ده بيفتح صندوق عندي في البيت، وحسن كان موصيني أسلمهولك.”
قلبت الجرة بين إيديا، وبدأت أدور على الجزء اللي أختي قالت لي عليه.
وبالفعل، لقيت قطعة صغيرة مخفية تحت الغطاء.
طلعتها، وكانت مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بورقة مكتوب عليها عنوان.
العنوان كان في منطقة قديمة بالإسكندرية.
بصيت لأختي اللي اتصلت بيا تاني، وقلت لها:
“فاطمة، إنتِ كنتِ عارفة إن فيه تسجيل؟”
ردت:
“أيوه يا نوال. حسن طلب مني أوصلك للمفتاح، وقال إنك لازم تسمعي التسجيل بنفسك.”
سألتها:
“هو التسجيل فيه إيه؟”
قالت بصوت حزين:
“فيه صوت محمود يا نوال.”
حسيت إن قلبي وقع.
صوت محمود؟
يعني جوزي كان مسجل اعتراف؟
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، سمعت سعاد بتقول بصوت مرتعش:
“نوال، أرجوكي ماتروحيش للمكان ده.”
بصيت لها وقلت:
“ليه؟”
ردت وهي بتعيط:
“لأنك لو سمعتي التسجيل، هتعرفي إن ياسين مش الشخص الوحيد اللي اتظلم في الحكاية دي.”
سألتها:
“أمال مين كمان؟”
سعاد بصت لمنى، وبعدها بصت لأحمد.
وبصوت بالكاد مسموع قالت:
“محمود كان بيحاول يحمي بنتك… من الحقيقة اللي حصلت يوم ولادتها.”
اتجمدت مكاني.
منى رفعت وشها بسرعة، وبصت لسعاد بصدمة.
وقالت:
“إنتِ وعدتيني إنك مش هتتكلمي عن الموضوع ده!”
في اللحظة دي فهمت إن السر مش متعلق بطفل اختفى من عشرين سنة وبس.
السر متعلق كمان ببنتي منى!
وقبل ما أقدر أستوعب الكلام، أحمد وقف فجأة وقال:




