روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

فارس كان واقف قدام باب غرفة العمليات، مش قادر يستوعب اللي بيحصل حواليه.

إيده كانت بتترعش، وعينيه متعلقة بالباب اللي دخلوني منه، وكأنه مستني حد يخرج ويقوله إن كل اللي سمعه مجرد سوء فهم.

أما سارة، فكانت واقفة جنبه، لكنها بدأت تفقد هدوءها المعتاد.

قربت منه وقالت:

«فارس، إحنا لازم نمشي. أكيد الدكاترة هيعرفوا يتصرفوا، وبعدين هي اللي غلطت من البداية».

لف لها فارس ببطء، وبصلها بنظرة عمرها ما شافتها منه.

«إنتِ كنتِ عارفة إنها حامل؟»

اتلخبطت سارة للحظة، وبعدها ردت بسرعة:

«لأ طبعًا، وإيه اللي يخليني أعرف؟»

صرخ فيها:

«طب إزاي سبتيني أخرج وأسيبها مرمية على الأرض؟ إزاي قولتي لي إنها بتمثل؟»

حاولت تمسك إيده وقالت:

«أنا كنت بحاول أهديك، إنت عارف إني بخاف عليك».

فارس سحب إيده منها بعنف.

«اسكتي دلوقتي».

مرت دقائق طويلة، لحد ما خرج الدكتور من غرفة العمليات.

فارس جري عليه وسأله:

«مراتي عاملة إيه؟ والطفل؟ أرجوك قولي إنهم بخير».

الدكتور خلع الكمامة وقال بجدية:

«إحنا بنحاول نسيطر على النزيف ونثبت حالتها، لكن الإصابة كانت شديدة، والحمل في خطر. الساعات الجاية هتكون حاسمة».

فارس حس إن الأرض بتلف بيه.

سند ضهره على الحيطة، وحط إيده على وشه.

«يعني ممكن أخسرهم؟»

الدكتور رد:

«إحنا مش هنقدر نديك ضمان دلوقتي، لكن بنعمل كل اللي نقدر عليه».

رجع فارس بص لسارة، وكانت واقفة بعيد شوية، وبتراقب الموقف بقلق.

قال لها بصوت منخفض لكنه مليان غضب:

«إنتِ روحي البيت».

اتصدمت سارة.

«إنت بتطردني؟»

«قلت لك روحي!»

دموعها نزلت، وقالت:

«بعد كل السنين دي تختارها هي عليّا؟»

فارس رد لأول مرة من غير تردد:

«الموضوع مش اختيار. دي مراتي، واللي في بطنها ابني».

لكن سارة ما استسلمتش.

قربت منه وهمست:

«فارس، إنت ناسي إنك كنت بتقول لي طول عمرك إنك مش عايز أطفال؟ وإنك مش مستعد تخلي حد يشاركك حياتك؟»

رفع عينيه لها فجأة.

«إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

«أنا بس بفكرك بالحقيقة».

وقبل ما يقدر يرد، خرجت ممرضة من غرفة العمليات وطلبت منه ييجي معاها.

قالت له:

«المريضة فاقت لدقايق، وبتسأل عليك».

فارس جري وراها.

لما دخل الغرفة، شافني نايمة على السرير، ووشي شاحب، وأجهزة المراقبة حواليّ.

قرب مني ببطء.

«ليلى…»

فتحت عيني بصعوبة.

أول ما شوفته، حاولت أبعد وشي عنه.

مد إيده ناحيتي، لكنني همست:

«متلمسنيش».

وقف مكانه وكأن حد صفعه.

قال بصوت مكسور:

«أنا مكنتش أعرف إنك حامل».

بصيت له ودموعي نزلت.

«ولو كنت تعرف، كنت هتضربني؟»

معرفش يرد.

كملت وأنا بحاول أتمالك نفسي:

«إنت مش بس ضربتني يا فارس… إنت سيبتني أموت على الأرض، وخرجت مع واحدة تانية».

نزل رأسه، وقال:

«أنا آسف».

ضحكت ضحكة قصيرة ممزوجة بالوجع.

«آسف؟ عشر سنين وأنا بطلب منك نبقى أسرة، وإنت كنت بتتفق معاها إزاي تهرب مني. كنت فاكرني مش هعرف؟»

رفع عينيه بسرعة.

«إنتِ قريتي الرسايل؟»

«أيوه. وعرفت إن حياتي كلها كانت كذبة».

حاول يتكلم، لكنني قاطعته:

«أنا مش عايزة أسمع تبريرات. أنا عايزة أخرج من هنا، وأعيش أنا وطفلي بعيد عنك».

فارس قرب خطوة وقال:

«ليلى، أرجوكي اديني فرصة أصلح اللي عملته».

بصيت له وقلت:

«في حاجات لما بتتكسر، الاعتذار مش بيرجعها زي الأول».

في اللحظة دي، دخل الدكتور وقال إن حالتي محتاجة راحة تامة، وإن أي انفعال ممكن يضرني.

طلب من فارس يخرج.

وقبل ما يمشي، بص لي وقال:

«أنا مش همشي من المستشفى لحد ما أطمن عليكم».

لكنني أغمضت عيني من غير ما أرد.

خرج فارس من الغرفة، ولقى سارة مستنياه في الممر.

كانت ماسكة موبايلها وبتتكلم مع حد بصوت منخفض.

أول ما شافته، أنهت المكالمة بسرعة.

فارس سألها:

«كنتِ بتكلمي مين؟»

ردت بتوتر:

«واحدة صاحبتي».

لكنه ما اقتنعش.

مد إيده وقال:

«هاتِ الموبايل».

سارة رجعت خطوة لورا.

«إنت اتجننت؟»

فارس بص لها بحدة:

«من النهارده مفيش أسرار بينا».

حاولت تخبي الموبايل، لكن إشعار رسالة ظهر على الشاشة.

وكان مكتوب فيها:

«متقلقيش، السر اللي مخبيينه عن فارس مش هيظهر أبدًا… حتى لو مراته خلفت الطفل».

فارس قرأ الرسالة.

ورفع عينيه ببطء ناحية سارة.

«سر إيه اللي مخبيينه عني؟»

سارة وشها اتغير تمامًا.

ولأول مرة، ما لقتش إجابة جاهزة تنقذها.

لكن قبل ما تتكلم، وصلته رسالة تانية من رقم مجهول، فيها صورة قديمة ليه مع سارة، وتحتها جملة واحدة:

«لو عايز تعرف ليه مراتك فضلت عشر سنين من غير أطفال، اسأل سارة عن الحقيقة».

فارس حس إن قلبه وقف للحظة.

وبص ناحية غرفة العمليات، وبعدها رجع بص لسارة وقال:

«إنتِ عملتي إيه؟»

يتبع…
الجزء الثالث

فارس كان واقف قدام سارة، ماسك الموبايل في إيده، وعينيه مليانة شك وغضب.

قال بصوت هادي بشكل مخيف:

«أنا سألتك سؤال، إيه السر اللي مخبياه عني؟»

سارة حاولت تضحك، لكنها كانت متوترة.

«فارس، متصدقش أي حد بيحاول يوقع بينا. أكيد حد عايز يخرب علاقتنا».

رفع الموبايل قدامها وقال:

«طب والرسالة دي؟ والصورة دي؟»

سارة سكتت.

قرب منها وقال:

«أنا عايز الحقيقة، ومش هسألك تاني».

بدأت دموعها تنزل، وقالت:

«أنا عملت كل ده علشانك».

فارس رد بعصبية:

«علشانِي إزاي؟!»

قالت وهي بتبص حواليها:

«تعالى نتكلم في مكان بعيد عن الناس».

لكنه رفض.

«هنتكلم هنا، دلوقتي».

في اللحظة دي، ظهر راجل كبير في السن كان مستني عند آخر الممر. قرب منهم، وأول ما شافته سارة، وشها اصفر.

فارس لاحظ ده وسأله:

«حضرتك مين؟»

الراجل رد:

«أنا الدكتور اللي تابع حالة مراتك من سنين، وعندي كلام لازم تعرفه».

فارس بص له باستغراب.

«مراتي؟ إنت تعرف ليلى؟»

هز الدكتور رأسه.

«أيوه، وكنت أتمنى إنك تعرف الحقيقة بنفسك من زمان».

سارة حاولت تقاطعه:

«مفيش داعي للكلام ده يا دكتور».

لكن الدكتور تجاهلها وقال:

«من عشر سنين، ليلى كانت بتعاني من مشكلة بسيطة في الهرمونات، وكانت محتاجة علاج ومتابعة، لكن حالتها مكانتش تمنع الحمل بشكل نهائي».

فارس عقد حاجبيه.

«يعني إيه؟»

الدكتور كمل:

«كانت فيه احتمالية كبيرة إنها تحمل بصورة طبيعية، لكن اللي حصل إن حد كان بيتدخل في علاجها وبيخليها تاخد أدوية مش مناسبة لحالتها».

فارس بص لسارة.

«إنتِ؟»

سارة انفجرت في الكلام:

«أنا كنت بحاول أحافظ عليك! إنت بنفسك كنت بتقولي إنك مش عايز أطفال!»

فارس صرخ:

«أنا سألتك عن السر، مش عن مبرراتك!»

الدكتور أخرج ملفًا قديمًا من حقيبته وقال:

«فيه تقارير طبية تثبت إن ليلى كانت بتاخد علاج مختلف عن اللي أنا وصفته لها. وكمان فيه تسجيل لمكالمة قديمة بين سارة وشخص كان مسؤول عن صرف الأدوية».

فارس أخد الملف، وبدأ يقلب في الأوراق.

كل ورقة كانت بتكشف له جزءًا جديدًا من الحقيقة.

عشر سنين من عمر ليلى ضاعوا وهي فاكرة إن المشكلة فيها، وإنها مش قادرة تحقق حلم الأمومة.

وفي الوقت اللي كانت بتعيط فيه لوحدها، سارة كانت بتعيش وسط بيتها وتتحكم في حياتها.

فارس رفع رأسه وقال:

«إنتِ كنتِ بتديها أدوية تمنع الحمل؟»

سارة بدأت تبكي وتقول:

«أنا كنت خايفة أخسرك. كنت عارفة إنك لو بقيت أب، هتتغير، وهتبقى مشغول ببيتك ومراتك وطفلك، وأنا هخرج من حياتك».

فارس رجع خطوة لورا.

«يعني كنتِ بتدمري حياتها علشان تفضلي موجودة في حياتي؟»

سارة حاولت تمسك إيده.

«أنا بحبك يا فارس».

سحب إيده وقال:

«ده مش حب. ده أنانية ودمار».

وفي اللحظة دي، خرجت الممرضة من غرفة العناية المركزة.

فارس جري ناحيتها.

«ليلى عاملة إيه؟»

الممرضة قالت:

«حالتها بدأت تستقر، لكن لسه محتاجة متابعة دقيقة. والجنين لسه تحت الملاحظة».

فارس غمض عينيه، وكأنه أخيرًا قدر ياخد نفس.

لكن الممرضة أضافت:

«وفيه حاجة تانية… المريضة طلبت من الإدارة إن حضرتك متدخلش غرفتها، وقالت إنها مش عايزة تشوفك».

الكلام نزل عليه زي الصاعقة.

أما سارة، فكانت بتحاول تمشي بهدوء، لكن فارس وقفها.

«إنتِ مش هتمشي قبل ما أعرف كل حاجة».

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى