روايات وقصص

العربة الصغيرة الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

### العربة الحمراء الصغيرة – الجزء التاني

أول ما المسعف أحمد منصور وصل للبيت الصغير، حس إن فيه حاجة مش طبيعية.

البيت كان واقف في آخر طريق ضيق، حواليه أرض فاضية وسور قديم، والباب الخارجي كان موارب. مفيش أي صوت جاي من جوه، ولا حتى صوت حركة بسيطة.

أحمد خبط على الباب بقوة.

— يا مدام سلمى! إحنا من الإسعاف! فيه حد سامعني؟

محدش رد.

زق الباب ودخل بحذر، ومعاه زميله المسعف اللي كان بيتفقد المكان وراه.

أول حاجة شافها كانت علبة لبن مفتوحة على الترابيزة، وكوباية مية واقعة على الأرض، وطبق صغير فيه بقايا أكل ناشف.

وبعدين شافها.

سلمى كانت ممددة على السرير، وشكلها مرهق جدًا، ووشها شاحب، وشفايفها ناشفة بشكل واضح.

أحمد قرب منها بسرعة، وبدأ يفحص استجابتها ويتأكد من تنفسها.

— يا مدام سلمى، سامعاني؟ افتحي عينيكي لو سمحتي!

لكنها ما ردتش.

بعد لحظات من الفحص، بص أحمد لزميله وقال بجدية:

— لازم ننقلها المستشفى فورًا. حالتها مش مطمئنة.

وأثناء ما كانوا بيجهزوها للنقل، لاحظ أحمد حاجة غريبة على الترابيزة اللي جنب السرير.

كان فيه تليفون محمول قديم، وشاشته منورة، وعليه عشرات المكالمات الفائتة.

الغريب إن أغلب المكالمات كانت من رقم واحد، والاسم المسجل عليه كان:

«حسام – والد التوأم».

أحمد ما كانش عنده وقت يحقق في الموضوع، لكنه لاحظ كمان وجود ورقة مطوية تحت التليفون.

فتحها بالصدفة وهو بيدور على أي بيانات تساعده يعرف هوية المريضة.

كانت الورقة عبارة عن إيصال تحويل بنكي، والمبلغ المكتوب عليه كان كبيرًا بالنسبة لأسرة عايشة في البيت المتواضع ده.

لكن اللي شد انتباهه فعلًا كان التاريخ.

التحويل كان من شهرين، واسم المستلم هو سلمى، بينما اسم الشخص اللي أرسل الفلوس كان حسام عبد الرحمن.

وتحت الإيصال، كانت فيه ورقة تانية مكتوب عليها بخط إيد سلمى:

«لو حصل لي أي حاجة، لازم حد يعرف الحقيقة عن ولادي.»

أحمد وقف للحظة، وبص للورقة باستغراب.

لكن قبل ما يقدر يقرأ باقي الكلام، سمع زميله بينادي عليه:

— أحمد، إحنا لازم نتحرك دلوقتي!

حط الورقتين مكانهما، وساعد في نقل سلمى إلى سيارة الإسعاف.

وفي الطريق، حاولوا يخلّوها تستجيب، لكن حالتها كانت محتاجة فحوصات عاجلة.

وفي نفس الوقت، في مستشفى النور، كانت مريم قاعدة على كرسي صغير قدام غرفة الأطفال، ورجليها مش بيوصلوا للأرض.

كانت ميادة جايبة لها بطانية دافية وكوباية عصير، لكن البنت ما كانتش مهتمة بأي حاجة.

كل شوية تسأل السؤال نفسه:

— طنط، إخواتي هيعيشوا؟

ميادة كانت بتحاول تطمنها من غير ما توعدها بحاجة مش مضمونة.

— الدكاترة معاهم يا حبيبتي، وبيعملوا كل اللي يقدروا عليه. إنتِ عملتي حاجة عظيمة لما جبتيهم هنا.

مريم بصت لها بعيون مليانة دموع.

— أنا كنت خايفة أوي. أخويا الصغير بطل يعيط، وأنا افتكرت إنه زعلان مني عشان مش عارفة أعمل له اللبن.

ميادة حست إن قلبها بيتقطع.

حضنتها وقالت:

— لأ يا حبيبتي، إنتِ مش غلطانة في أي حاجة. إنتِ حاولتي تساعديهم بكل اللي تقدري عليه.

لكن مريم فضلت ساكتة، وبعد لحظات سألت:

— هو بابا هييجي؟

ميادة استغربت السؤال.

— باباكي فين يا مريم؟

البنت نزلت عينيها وقالت:

— ماما بتقول إنه مسافر، وإنه مش هيقدر ييجي دلوقتي.

— وإنتِ شوفتيه قبل كده؟

مريم هزت راسها.

— شوفته مرة واحدة بس، لما كنت أصغر. جاب لماما ظرف فيه فلوس، وبعدها اتخانقوا بصوت عالي. ومن يومها ماما بتعيط كل ما حد يسألها عنه.

ميادة ما علقتش، لكنها بدأت تحس إن فيه تفاصيل كتير محدش يعرفها عن الأسرة دي.

بعد حوالي نص ساعة، وصل أحمد للمستشفى ومعاه سلمى.

فريق الطوارئ استلمها فورًا، وبدأت الفحوصات اللازمة لمعرفة سبب فقدانها الوعي.

أما أحمد، فراح يدور على ريبيكا، ولما لقاها حكى لها عن الورقة اللي شافها في البيت.

ريبيكا عبست وهي بتسمع كلامه.

— يعني الأم كانت بتحتفظ بورقة بتقول إن فيه حقيقة لازم تتكشف لو حصل لها حاجة؟

أحمد هز راسه.

— بالضبط. وكمان فيه تحويلات مالية من شخص اسمه حسام، مكتوب إنه والد التوأم.

في اللحظة دي، خرج الدكتور من غرفة الأطفال.

كان واضح على ملامحه إنه محتاج يتكلم مع حد من المسؤولين.

ريبيكا جريت ناحيته.

— طمّنا يا دكتور، الأطفال عاملين إيه؟

الدكتور أخد نفسًا عميقًا قبل ما يرد.

— الطفلان وصلوا في حالة ضعف شديد، وكانوا محتاجين تدخل سريع ورعاية مكثفة. إحنا بدأنا العلاج، ودلوقتي بنراقب استجابتهم.

ريبيكا سألت بقلق:

— يعني فيه أمل؟

— أيوه، فيه أمل، لكن الساعات الجاية مهمة جدًا.

وبعدها بص ناحية مريم، اللي كانت واقفة عند باب الغرفة وبتحاول تشوف إخواتها من بعيد.

قال بهدوء:

— البنت دي أنقذت إخواتها. لو كانت اتأخرت أكتر، كان ممكن الوضع يبقى أخطر بكتير.

ريبيكا قربت من مريم، ونزلت لمستواها.

— يا مريم، إنتِ بطلة شجاعة.

لكن البنت ما ابتسمتش.

قالت بصوت خافت:

— أنا مش عايزة أبقى بطلة. أنا عايزة ماما تصحى، وإخواتي يرجعوا البيت.

ريبيكا ما قدرتش ترد، فاكتفت إنها حضنتها.

وبعد دقائق، وصلت ممرضة من قسم الطوارئ وقالت إن سلمى بدأت تستجيب بشكل بسيط للفحوصات، وإن الفريق الطبي بيحاول يحدد سبب حالتها.

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت لما طلبت سلمى، بصوت ضعيف ومتقطع، إنها تشوف بنتها.

دخلت ريبيكا عليها، وسألتها:

— إنتِ في المستشفى يا سلمى. بنتك مريم هنا، والتوأم كمان تحت رعاية الدكاترة. محتاجين نعرف منك شوية معلومات عشان نقدر نساعدكم.

سلمى حاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيفًا.

— مريم… هي اللي جابتهم؟

ريبيكا هزت راسها.

— أيوه. هي اللي وصلت بيهم للمستشفى.

سلمى غمضت عينيها، ودموعها نزلت على خدها.

— يا رب سامحني… بنتي الصغيرة اضطرت تعمل كل ده لوحدها.

ريبيكا مسكت إيدها.

— دلوقتي أهم حاجة إنك تتحسني. لكن فيه سؤال لازم أسألهولك: مين حسام؟ وليه فيه ورقة في بيتك بتقول إن فيه حقيقة لازم نعرفها عن الأطفال؟

بمجرد ما سمعت الاسم، ملامح سلمى اتبدلت.

فتحت عينيها بسرعة، وبصت ناحية الباب كأنها خايفة يكون فيه حد واقف وراه.

وبعدين همست:

— هو عرف إنهم في المستشفى؟

ريبيكا استغربت.

— مين؟ حسام؟

سلمى بدأت تتنفس بسرعة، وحاولت ترفع نفسها من على السرير، لكن الدكتورة طلبت منها تهدى.

قالت سلمى بصوت مرتعش:

— أرجوكي، ما تتصليش بيه قبل ما تسمعي مني. هو مش الشخص اللي الناس فاكره.

ريبيكا سحبت كرسي وقعدت جنبها.

— طيب، احكيلي. إيه اللي حصل؟

سلمى بصت للسقف، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها عشان تحكي سر فضل مدفون شهور طويلة.

وبعد لحظات قالت:

— حسام مش مجرد أبو التوأم… هو الشخص الوحيد اللي يعرف ليه أنا كنت خايفة أسيب البيت، وليه كنت مصممة إني ما أطلبش منه المساعدة مهما حصل.

سكتت قليلًا، ثم أضافت:

— لكنه كمان ما يعرفش إن مريم شافت الورق اللي كنت مخبياه…

ريبيكا قربت منها وسألت:

— ورق إيه يا سلمى؟

سلمى التفتت ناحيتها، ودموعها بتلمع في عينيها.

— الورق اللي يثبت إن الطفلين دول مش المفروض يكونوا معايا أصلًا…

وفي اللحظة دي، رن تليفون المستشفى.

الممرضة ردت، وبعد ثوانٍ قليلة بصت لريبيكا بصدمة وقالت:

— فيه راجل على الخط، بيقول إنه حسام عبد الرحمن، وعايز يعرف إذا كان فيه توأم وصل المستشفى النهارده… وبيقول إنه لازم يشوفهم فورًا.

ريبيكا بصت لسلمى، فلاحظت إن وشها بقى شاحبًا من جديد.

سلمى مسكت إيدها بقوة وهمست:

— لو دخل المستشفى، ما تخليهوش يقرب من ولادي… مش قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.

يتبع في الجزء الثالث…
### العربة الحمراء الصغيرة – الجزء الثالث

ريبيكا فضلت باصة لسلمى، مش قادرة تستوعب اللي سمعته.

إزاي أم تخاف بالشكل ده من أبو ولادها؟ وإيه الورق اللي ممكن يثبت إن التوأم مش المفروض يكونوا معاها؟

قبل ما تسألها، سلمى بدأت تعيط، وحاولت تتكلم رغم إنها كانت لسه ضعيفة جدًا.

— أرجوكي يا دكتورة، أنا مش عايزة أخسر ولادي. أنا استحملت كتير، وسكتّ كتير، لكن دلوقتي بعد اللي حصل لمريم، مش هقدر أفضل مخبية الحقيقة.

ريبيكا مسكت إيدها وقالت بهدوء:

— محدش هياخد منك ولادك لمجرد إنك خايفة أو تعبانة. إحنا هدفنا نطمن على صحتك وصحتهم، ونتأكد إنكم في أمان. لكن لازم أعرف إيه اللي حصل.

سلمى أخدت نفسًا طويلًا، وبدأت تحكي.

من حوالي سنتين، كانت بتشتغل في مكتب محاسبة صغير في الإسكندرية. كانت حياتها بسيطة، لكنها كانت مستقرة، خصوصًا بعد ما اتجوزت من راجل اسمه حسام عبد الرحمن.

في بداية جوازهم، حسام كان شخصًا مختلفًا تمامًا عن الصورة اللي ظهرت بعد كده. كان بيهتم بيها، وبيتكلم معاها عن المستقبل، ووعدها إنه هيبني معاها بيت تعيش فيه مرتاحة.

لكن بعد شهور قليلة، بدأت تلاحظ إنه بيخبي عنها حاجات كتير.

مكالمات سرية، أوراق بيخبيها في مكتبه، ومبالغ كبيرة بتدخل حسابه من غير ما يشرح مصدرها.

ولما كانت بتسأله، كان بيرد بعصبية:

— إنتِ مالك بكل حاجة؟ أنا بتعب وبشتغل عشان البيت، مش عشان أرجع أتحاسب على كل جنيه!

سلمى كانت بتسكت، لأنها ما كانتش عايزة كل يوم يتحول لخناقة.

لكن في يوم، اكتشفت بالصدفة إن حسام كان بيحوّل مبالغ مالية لجهة خيرية بتساعد أسر الأطفال حديثي الولادة، واسم الجهة كان موجودًا في مستندات تخص مشروعًا طبيًا كبيرًا.

في البداية، افتكرت إنه بيساعد الناس، وما شغلتش بالها.

لحد ما حملت في التوأم.

لما عرف حسام إنها حامل في طفلين، اتغيرت ملامحه بشكل غريب. بدل ما يفرح، فضل ساكت، وبعدها بدأ يسألها أسئلة كتير عن مواعيد زيارتها للدكتور، والتحاليل اللي عملتها، والأوراق اللي استلمتها من المستشفى.

وفي إحدى الليالي، رجع البيت ومعاه ملف كبير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى