روايات وقصص

العربة الصغيرة الجزء الثاني والثالث بقلم محمد عبده

حطه قدامها وقال:

— لازم نتكلم في موضوع مهم، ومش عايزك تقاطعيني.

سلمى افتكرت إنه هيكلمها عن تجهيزات الأطفال، لكنها اتفاجئت إنه بيطلب منها توقّع على أوراق من غير ما يشرح محتواها.

رفضت.

ولما أصرت تعرف السبب، قال لها إن فيه إجراءات مالية وقانونية تخص التوأم، وإن توقيعها هيسهّل أمور كتير.

لكنها لاحظت إن بعض الأوراق فيها بيانات غير صحيحة، وإن فيه أسماء أشخاص ما تعرفهمش.

ساعتها، قالت له بوضوح:

— أنا مش همضي على ورقة مش فاهماها، حتى لو كنت جوزي.

حسام أخد الملف من قدامها، وبص لها بنظرة عمرها ما نسيتها.

وقال:

— إنتِ لسه مش فاهمة إنتِ دخلتي نفسك في إيه.

بعدها بأيام، حصلت بينهم مشكلة كبيرة، وطلب منها تسيب البيت مؤقتًا لحد ما «الأمور تهدى».

سلمى راحت تقعد في البيت الصغير اللي كانت أمها سايباهولها، وحسام وعدها إنه هيفضل يصرف عليها وعلى الأطفال.

وبالفعل، كان بيبعت لها فلوس كل شهر، لكنه كان بيصر إن كل حاجة تخص التوأم تفضل سرية، وإنها ما تتكلمش مع أي حد عن الأوراق اللي شافتها.

ولما ولدت، ما حضرش في البداية.

وبعد فترة، ظهر مرة واحدة، وجاب ظرف فيه مبلغ مالي، وطلب منها تمضي على ورقة جديدة.

رفضت مرة تانية.

ومن اليوم ده، انقطعت زياراته، وبقت المكالمات بينهما كلها تقريبًا تهديدات مبطنة وضغط عليها عشان توافق على توقيع المستندات.

ريبيكا كانت بتسمع بتركيز، وبعدها سألتها:

— طيب، إيه علاقة كل ده بحقيقة إن الطفلين مش المفروض يكونوا معاكي؟

سلمى غمضت عينيها لحظة، ثم قالت:

— لأن الورق اللي رفضت أمضي عليه كان متعلقًا بمشروع طبي كبير، وحسام كان عايز يستخدم بيانات الطفلين في إجراءات مالية ما فهمتش حقيقتها. أنا خفت يكون فيه تلاعب بأسمائهم، فاحتفظت بنسخ من كل المستندات اللي قدرت أوصل لها.

— والورق ده فين دلوقتي؟

— في صندوق خشب صغير تحت السرير. مريم شافتني وأنا بخبيه، لكني ما شرحتلهاش حاجة.

ريبيكا فكرت للحظة، ثم قالت:

— لازم نبلغ الجهات المختصة، ونتأكد من صحة المستندات قبل ما نحكم على أي حد.

سلمى هزت راسها بالموافقة.

لكن فجأة، افتكرت حاجة مهمة.

— يا دكتورة، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. حسام ما كانش بيخاف من المستندات بس. كان خايف إن حد يعرف مين اللي موّل المشروع الطبي من البداية.

ريبيكا سألتها:

— مين؟

سلمى ردت بصوت خافت:

— رجل أعمال كبير اسمه فؤاد المنشاوي. هو اللي كان بيموّل جزءًا كبيرًا من المشروع، وحسام كان مسؤولًا عن الإدارة المالية فيه.

في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت ميادة وهي بتقول إن الراجل اللي اتصل بالمستشفى وصل بالفعل، وإنه واقف عند الاستقبال وبيطلب يشوف التوأم.

ريبيكا قامت من مكانها.

— محدش هيدخله عند الأطفال قبل ما نتأكد من هويته ونفهم سبب وجوده.

لكن سلمى مسكت إيدها فجأة وقالت:

— استني يا دكتورة… أنا أعرف حسام كويس. لو عرف إن الورق معانا، ممكن يحاول ياخده بأي طريقة.

ريبيكا ردت بثبات:

— المستشفى مش هتسمح لأي شخص ياخد الأطفال أو يوصل لأوراقك من غير الإجراءات اللازمة.

وفي نفس الوقت، كان حسام واقف عند مكتب الاستقبال، لابس بدلة أنيقة، وساعته بتلمع تحت إضاءة المستشفى.

كان هاديًا بشكل غريب، وبيتكلم مع الموظفين بثقة، وكأنه متعود إن الناس تنفذ طلباته من غير نقاش.

قال لموظف الاستقبال:

— أنا والد الطفلين، وعايز أطمن عليهم.

الموظف سأله عن بياناته، وطلب منه إثبات هويته.

حسام قدم بطاقته، وبعدها أخرج ملفًا من حقيبته.

— أنا معايا مستندات تثبت علاقتي بيهم، وكمان فيه إجراءات عائلية لازم تتعمل.

في اللحظة دي، وصلت ريبيكا.

أخدت الملف، وبصت للمستندات، ثم رفعت عينيها إليه.

— الأطفال تحت الرعاية الطبية، وأي إجراء يخصهم لازم يتم وفقًا للقانون وبعد التأكد من كل البيانات.

حسام ابتسم ابتسامة صغيرة.

— طبعًا، أنا فاهم. أنا مش جاي أعمل مشاكل. أنا بس عايز آخد ولادي وأرجع بيهم البيت لما الدكتور يسمح.

ريبيكا لاحظت إنه ما سألش عن حالة سلمى، ولا حتى عن مريم، رغم إنه عرف إن التوأم وصلوا المستشفى بعد رحلة طويلة.

فسألته:

— حضرتك عرفت إزاي إن الطفلين موجودين هنا؟

للحظة، اختفت الابتسامة من وشه.

ثم رد بسرعة:

— حد اتصل بيا وقال لي.

— مين؟

سكت ثواني، ثم قال:

— مش فاكر الاسم.

ريبيكا ما علقتش، لكنها طلبت من الموظف تسجيل بياناته، وأبلغت المسؤولين المختصين بوصوله.

وفجأة، خرجت مريم من الممر وهي ماسكة دميتها الصغيرة.

أول ما شافت حسام، وقفت مكانها.

فضلت باصة له لثواني طويلة، وبعدين قربت خطوة.

حسام بص لها باستغراب.

— إنتِ مريم، صح؟

البنت ما ردتش.

قرب منها ومد إيده كأنه عايز يربت على كتفها، لكنها رجعت لورا بسرعة.

وقالت بصوت مرتعش:

— إنت ليه ما جيتش لما ماما كانت تعبانة؟

السؤال نزل على المكان كله كأنه صدمة.

حسام اتلخبط، وبص حواليه قبل ما يرد:

— أنا ما كنتش أعرف إنها تعبانة يا حبيبتي.

مريم هزت راسها بعنف.

— لأ، إنت كنت بتكلمها في التليفون. أنا سمعت صوتك. ماما كانت بتعيط، وإنت قلت لها إنك مش هتقدر تيجي.

وش حسام اتغير.

ريبيكا قربت من مريم وسألتها برفق:

— إنتِ فاكرة الكلام ده يا حبيبتي؟

مريم هزت راسها.

— أيوه. وماما بعد ما قفلت التليفون، راحت خبّت ورق في الصندوق اللي تحت السرير، وقالت لي لو حصل لها حاجة ما أديش المفتاح لحد غريب.

حسام اتحرك بسرعة ناحية البنت.

— مريم، إنتِ فاهمة غلط…

لكن ريبيكا وقفت بينه وبينها.

— من فضلك، خليك مكانك.

وفي اللحظة دي، رن تليفون حسام.

بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، ملامحه اتغيرت تمامًا.

رد بصوت منخفض:

— أيوه؟

جاله صوت رجل على الطرف التاني، لكن ريبيكا ما قدرتش تسمع الكلام.

كل اللي لاحظته إن حسام بدأ يتوتر، وإن إيده اللي ماسكة التليفون بقت بتترعش.

قال بسرعة:

— لأ، الورق مش معايا… أيوه، أنا في المستشفى دلوقتي… لا، ما حدش عرف حاجة لحد دلوقتي.

سكت لحظة، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:

— بس فيه مشكلة… البنت الصغيرة موجودة هنا.

قفل التليفون، ورفع عينيه، فوجد ريبيكا بتراقبه.

سألته مباشرة:

— مين اللي كان بيكلمك؟

حسام حط التليفون في جيبه وقال:

— موضوع شغل، ملوش علاقة بالأطفال.

لكن قبل ما ريبيكا ترد، وصلت ممرضة من قسم الأطفال، وطلبت منها تتكلم معاها على انفراد.

ريبيكا مشيت معاها خطوتين، فالممرضة همست:

— يا دكتورة، فيه حاجة غريبة حصلت. أثناء تسجيل بيانات الطفلين، اكتشفنا إن فيه طلبًا سابقًا في الملف الإلكتروني متعلقًا بتغيير بيانات الأب المسجلة، لكن الطلب اتوقف قبل ما يكتمل.

ريبيكا اتجمدت مكانها.

— تغيير بيانات الأب؟ مين اللي قدم الطلب؟

الممرضة فتحت الملف على الجهاز، وراجعت التفاصيل.

وبعدين بصت لريبيكا وقالت:

— الطلب متقدم من شهرين، ومرفق بيه مستندات باسم شركة مرتبطة بالمشروع الطبي اللي حضرتك سمعتي عنه.

ريبيكا رجعت بصت ناحية حسام.

كان واقف عند الاستقبال، وبيحاول يتصرف بشكل طبيعي، لكنه كان بيراقب كل حركة بتحصل في الممر.

وفجأة، ظهر رجل كبير في السن عند باب المستشفى، ومعاه محامٍ، وطلب مقابلة المسؤول عن حالة التوأم.

قدم الرجل بطاقته، وقال بهدوء:

— أنا فؤاد المنشاوي، وسمعت إن فيه طفلين وصلوا المستشفى النهارده، وإن فيه مشكلة في أوراق تخص مشروعًا طبيًا أنا موّله.

ريبيكا بصت له بدهشة.

أما حسام، فبمجرد ما سمع الاسم، وشه فقد لونه تمامًا.

فؤاد لاحظ وجوده، وفضل باصص له للحظات، ثم قال:

— حسام؟ إنت بتعمل إيه هنا؟

حسام حاول يبتسم.

— أنا جاي أطمن على ولادي.

فؤاد ما ردش فورًا، لكنه فتح حقيبته وأخرج ملفًا سميكًا.

ثم قال بصوت واضح:

— غريبة جدًا… لأن المحامي بتاعي جه من شوية بمعلومات بتقول إن فيه مستندات مالية اتقدمت باسمي من غير علمي، وإن أسماء طفلين حديثَي الولادة ظهرت في أوراق مرتبطة بمعاملة أنا ما وافقتش عليها أصلًا.

سكت المكان كله.

مريم مسكت إيد ريبيكا، وبصت ناحية حسام بخوف.

أما حسام، ففضل واقف من غير ما ينطق بكلمة.

فؤاد فتح الملف، وأخرج صورة من أحد المستندات، ثم رفع عينيه ناحية سلمى اللي كانت بتتحرك ببطء على كرسي متحرك في نهاية الممر.

وقال:

— أنا محتاج أقابل الأم فورًا. لأن الورقة اللي وصلتني النهارده عليها توقيعها… ولو التوقيع ده حقيقي، يبقى فيه حد ضحك علينا كلنا.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير من المستند…

السطر اللي كشف إن التوأم ما كانوش مجرد طفلين اتذكر اسمهم في معاملة مالية، بل إن اسميهما ارتبطا بملف تاني، اتفتح قبل ولادتهم بشهور، واتقفل فجأة بعد اختفاء مبلغ مالي ضخم.

وفؤاد، وهو بيبص للمستند، قال جملة خلت ريبيكا تحس إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد خلاف بين زوجين:

— يا جماعة، أنا مش جاي أدور على فلوسي بس… أنا جاي أعرف مين اللي استخدم أسماء الطفلين دول، وليه.

وفي اللحظة دي، سلمى رفعت إيدها المرتعشة، وأشارت ناحية حقيبتها الصغيرة.

وقالت:

— النسخة الأصلية معايا… وفيها اسم الشخص اللي كان بيدير كل حاجة من ورا ضهرنا.

كل العيون اتجهت ناحيتها.

لكن قبل ما تفتح الحقيبة، حسام قال بصوت مرتفع:

— استنوا! لو فتحت الورق ده، حياة ناس كتير هتتدمر!

سلمى بصت له للمرة الأولى من غير خوف.

وقالت:

— لأ يا حسام… حياة ناس كتير اتدمرت بالفعل، والنهارده جه وقت الحقيقة.

يتبع في الجزء الرابع والأخير…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى