
الجزء الثاني: الصدمة اللي قلبت حياة جلال المنياوي
طول الليل، جلال ما عرفش يغمض عينه.
كان نايم جنب مريم، لكنه حاسس إن فيه مسافة كبيرة بينهم، مسافة عمره ما تخيل إنها توصل للدرجة دي.
فضل يبص لوشها وهي نايمة، ولاحظ إنها حتى أثناء نومها كانت بتقبض إيديها كأنها بتحاول تخبي وجعها.
سأل نفسه: إزاي مراتي اللي عايشة في بيتي، واللي عمري ما قصّرت معاها في حاجة، تكون مخبية عني كل ده؟
تاني يوم الصبح، اتصرف بشكل طبيعي جدًا.
فطر مع ابنه عمر، وباس مريم قبل ما يخرج، وقال لها:
ـ أنا عندي مشوار مهم، وممكن أتأخر شوية.
ابتسمت مريم وقالت:
ـ ربنا معاك.
لكن أول ما الباب اتقفل، جلال ما اتحركش بعيد.
نزل من السلم بهدوء، ووقف بعيد عن مدخل العمارة، مستني يشوف مريم هتعمل إيه.
بعد حوالي نص ساعة، خرجت مريم من البيت، لابسة ملابس بسيطة، وشايلة شنطة كبيرة فيها هدوم وجوانتي.
ركبت تاكسي، وجلال طلب من السواق يتبعها من غير ما يلفت نظرها.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصل التاكسي لمنطقة راقية في القاهرة، ووقف قدام فيلا والدته.
نزلت مريم، وفتحت البوابة بمفتاح كان معاها، ودخلت من غير ما تخبط.
جلال ركن عربيته في شارع جانبي، ونزل بهدوء.
كان عايز يفاجئ أمه بزيارته، لكنه قرر الأول يعرف إيه اللي بيحصل جوه.
قرب من إحدى النوافذ الجانبية، وكانت الستائر مفتوحة جزئيًا.
وهنا شاف المشهد اللي عمره ما هينساه.
مريم كانت راكعة على الأرض، وبتفرك السيراميك بإيديها، وهدومها اتبلت بالمياه والمنظفات.
داليا أخته كانت قاعدة على الكنبة، بتشرب العصير وبتبص لمريم باحتقار.
وفجأة قامت داليا، وعدّت من فوق الأرض اللي مريم لسه مخلصاها، وسابت آثار رجليها عليها.
مريم رفعت راسها وقالت بصوت متعب:
ـ يا داليا، أنا لسه مخلصة المكان ده، ممكن تستني شوية لحد ما ينشف؟
داليا ردت بعصبية:
ـ وإنتِ بتتكلمي معايا كده ليه؟ هو أنا جاية أشتغل عندك؟ امسحي ورايا بدل ما تضيعيني في الكلام!
مريم سكتت، ورجعت تكمل التنضيف.
أما الحاجة فاطمة، فكانت قاعدة على كرسي قريب منهم، وقالت ببرود:
ـ يا بنتي، إنتِ مرات ابني، يعني المفروض تعرفي واجبك ناحية بيت أهله. مش كل شوية هتشتكي من شغل بسيط!
مريم ردت بصوت منخفض:
ـ أنا مش بشتكي يا طنط، بس إيدي بقت بتوجعني ومش قادرة أستخدم المنظفات دي تاني.
داليا ضحكت بسخرية وقالت:
ـ يا سلام! بقت إيدك غالية أوي؟ ما إنتِ طول ما جلال مسافر بتبقي شاطرة وبتخلصي كل حاجة!
الكلام ده كان كفيل إنه يخلي جلال يحس إن الدم بيغلي في عروقه.
لكنه فضل واقف مكانه، مستني يسمع باقي الكلام.
وفجأة، الحاجة فاطمة قالت جملة خلت جلال يتراجع خطوة لورا من شدة الصدمة:
ـ خلي بالك يا مريم، جلال لو عرف إنك بتشتغلي عندنا بالشكل ده، ممكن يزعل منك ويقول إنك بتعملي مشاكل بينه وبين أهله. وإنتِ عارفة كويس إنه عمره ما هيقف في صفك ضد أمه.
مريم سكتت، وحطت إيديها في المياه تاني.
وبعد لحظات قالت بصوت مكسور:
ـ أنا مش عايزة أخرب علاقة جلال بحضرتك. هو بيحبك أوي، وأنا مش عايزة أكون السبب في زعله.
جلال حس إن قلبه اتعصر.
مراته مش بس كانت بتتنضف وتتهان، دي كمان كانت خايفة تحكي له علشان ما تخربش علاقته بأمه!
لكن المفاجأة لسه ما خلصتش.
داليا قربت من مريم، ورمت قدامها كيس هدوم كبير وقالت:
ـ وبعد ما تخلصي الأرض، اغسلي الهدوم دي واكويها، وخدي بالك من فساتيني. عندي مناسبة بكرة ومش عايزة ألاقي فيها ولا كرمشة.
مريم بصت للكيس باستغراب وقالت:
ـ كل الهدوم دي؟ طب ما نوديها للمغسلة زي كل مرة؟
داليا ردت بحدة:
ـ وإنتِ مالك؟ جلال مش بيصرف عليكي؟ اعتبري إنك بتساعدي أهله شوية!
في اللحظة دي، جلال ما قدرش يستحمل أكتر من كده.
كان هيفتح الباب ويدخل، لكن فجأة سمع صوت مريم وهي بتقول:
ـ حاضر يا داليا، هعمل كل اللي تطلبيه، بس أرجوكي متقوليش لجلال إني اتأخرت، لأنه مستني مني أرجع بدري علشان عمر.
الحاجة فاطمة ردت عليها:
ـ ما تقلقيش، أنا هخليه يصدق إنك كنتِ عندي زيارة عادية. بس خليكي فاكرة إن سكوتك ده لمصلحتك ومصلحة ابنك.
هنا جلال فهم إن الموضوع أكبر من مجرد استغلال.
كان فيه تهديد واضح، وكانوا بيستخدموا خوف مريم على بيتها وابنها علشان يسيطروا عليها.
طلع تليفونه وبدأ يصور اللي بيحصل من مكانه، وبعدها اتصل بمحاميه الخاص وقال له بصوت هادي لكنه مليان غضب:
ـ عايزك تيجي على فيلا والدتي فورًا، ومن غير ما حد يعرف إنك جاي.
المحامي سأله:
ـ في مشكلة يا أستاذ جلال؟
رد جلال وهو عينه على مراته:
ـ أيوه، فيه مشكلة كبيرة جدًا، وأنا اكتشفت إن أقرب الناس ليا كانوا بيعملوا حاجة عمري ما كنت أتخيلها.
قفل المكالمة، ورجع يبص من الشباك.
وفجأة، حصل موقف خلاه ينسى كل اللي كان ناوي يعمله.
مريم حاولت تقوم من على الأرض، لكنها حطت إيدها على الحيطة، ووشها اتغير من شدة الألم.
وقعت منها الفرشة، وحاولت تستند على الكرسي.
داليا بصتلها وقالت باستهزاء:
ـ إيه التمثيل ده؟ قومي كملي شغلك بدل الدلع!
لكن مريم ما قدرتش ترد.
كانت بتعيط في صمت، وبتحاول تخفي دموعها علشان ما تسمعش إهانة جديدة.
في اللحظة دي، جلال فتح بوابة الفيلا بعنف ودخل.
صوته دوّى في أرجاء المكان:
ـ كفاية!
التلاتة بصوا ناحيته في ذهول.
داليا وقفت بسرعة، والحاجة فاطمة اتجمدت مكانها، أما مريم فرفعت عينيها، ولما شافته واقف قدامها، سابت نفسها وبدأت تنهار في البكاء.
جلال قرب منها، وبص لإيديها المجروحتين، وبعدها خلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتفها.
ثم رفع عينه ناحية أمه وأخته وقال:
ـ أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس… إنتوا من إمتى بتعاملوا مراتي بالشكل ده؟
الحاجة فاطمة حاولت تتكلم:
ـ يا جلال، إنت فاهم الموضوع غلط، دي كانت بتساعدنا من نفسها…
قاطعها جلال بصوت حاسم:
ـ من نفسها؟! يعني هي اللي اختارت تركع على الأرض، وتغسل هدوم داليا، وتستحمل الإهانة دي كلها؟!
داليا تدخلت بسرعة:
ـ إنت مكبر الموضوع ليه؟ دي مرات أخويا، ومن الطبيعي تساعدنا!
جلال بص لها وقال:
ـ المساعدة بتكون بالمحبة والاحترام، مش بالإهانة والإجبار!
ثم التفت لمريم وسألها بصوت أهدى:
ـ مريم، بصيلي… أنا عايزك تقولي الحقيقة كلها. بقالك قد إيه بتتعرضي للي بيحصل ده؟
مريم فتحت بقها علشان تتكلم، لكن الحاجة فاطمة سبقتها بجملة هتفتح باب سر أخطر من كل اللي شافه جلال.
قالت وهي بتبص لابنها:
ـ قبل ما تحكم علينا، اسأل مراتك الأول عن الفلوس اللي كانت بتاخدها مننا كل شهر!
جلال اتجمد مكانه.
بص لمريم، اللي وشها شحب فجأة، وكأنها سمعت كلمة كانت بتخاف منها من سنين.
وسألها:
ـ فلوس إيه يا مريم؟ وإيه حكاية الفلوس اللي أمي بتتكلم عنها؟
يتبع في الجزء الثالث والأخير…
الجزء الثالث والأخير: السر اللي قلب حياة جلال المنياوي
جلال كان واقف وسط الصالة، مش قادر يستوعب الكلام اللي سمعه من أمه.
بص لمريم وقال:
ـ فلوس إيه اللي أمي بتقول إنك كنتِ بتاخديها منها؟ أنا عايز أفهم!
مريم نزلت عينيها، ودموعها بدأت تنزل من غير ما تقدر تمنعها.
الحاجة فاطمة استغلت اللحظة وقالت:
ـ أهو شفت يا جلال؟ إحنا مش بنظلمها زي ما إنت فاكر. مراتك كانت بتاخد مني فلوس كل شهر مقابل إنها تساعدني في البيت، ولما الموضوع اتكشف، بدأت تعمل نفسها ضحية!
جلال بص لأمه باستغراب:
ـ يعني إنتِ بتدفعي لمراتي علشان تنظف بيتك؟!
داليا دخلت في الكلام وقالت:
ـ أيوه يا جلال، وبعدين هي كانت موافقة، محدش أجبرها على حاجة.
جلال رجع بص لمريم وقال:
ـ الكلام ده حقيقي؟
مريم مسحت دموعها، وبعد صمت طويل قالت:
ـ أيوه يا جلال، كنت باخد فلوس… بس مش زي ما هما بيقولوا.
جلال قرب منها وقال:
ـ طب احكيلي، وأنا سامعك.
مريم أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي.




