منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

ـ من حوالي سنتين، لما شركتك كانت بتمر بأزمة مالية كبيرة، وإنت كنت بتسافر كتير علشان تنقذ شغلك، أمي احتاجت عملية ضرورية، وأنا مكنتش عايزة أطلب منك فلوس لأنك كنت وقتها مضغوط جدًا.

جلال افتكر الفترة دي، وكانت فعلًا من أصعب الفترات اللي مرت عليه.

كملت مريم:

ـ رحت لماما فاطمة وطلبت منها تساعدني بمبلغ مؤقت، لكنها قالت لي إنها هتديني الفلوس بشرط إني أساعدها في شغل البيت، وإن داليا مشغولة ومش هتقدر تساعدها.

جلال بص لأمه بذهول.

مريم كملت وهي بتعيط:

ـ وافقت في البداية، لأن أمي كانت محتاجة العملية، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة علشانها. لكن بعد كده الموضوع اتغير. بقيت مطالبة أنضف البيت كله، وأغسل الهدوم، وأكوي، وأجهز الأكل، وحتى لما كنت بخلص، داليا كانت بتطلب مني أبدأ من الأول.

جلال سألها:

ـ وليه ما قولتيليش؟

ردت مريم:

ـ كل ما كنت أقول إني تعبانة، ماما فاطمة كانت بتفكرني بالفلوس اللي أخدتها، وتقول لي إنك لو عرفت هتزعل مني، وإنك هتشوفني واحدة بتستغل أهلك. وكانت بتقول لي إن داليا ممكن تخلي حياتنا جحيم لو عرفت إني اشتكيت.

جلال حط إيده على راسه من شدة الصدمة.

ثم سألها:

ـ طب الفلوس اللي كنتِ بتاخديها كانت قد إيه؟

مريم ردت:

ـ في الأول كانت بتديني مبلغ صغير كل شهر، وبعد فترة بطلت تدفع، وقالت إن المبلغ اللي أخدته لسه متسددش، وإن شغلي في البيت هو اللي هيغطيه.

جلال بص لأمه وقال:

ـ يعني من سنتين وإنتِ مشغلاها عندك من غير مقابل، وبتقولي لها إن عليها ديون؟!

الحاجة فاطمة حاولت تدافع عن نفسها:

ـ أنا أمك يا جلال، ومن حقي أطلب من مراتك تساعدني!

رد عليها جلال:

ـ من حقك تطلبي المساعدة، لكن مش من حقك تذليها وتجبريها وتستغلي احتياجها!

داليا قالت بعصبية:

ـ إنت بقيت ضد أهلك علشان مراتك؟ دي واحدة دخلت بيتنا بإرادتها!

جلال بص لها وقال:

ـ أنا مش ضد أهلي، أنا ضد الظلم. واللي يغلط لازم يتحمل نتيجة غلطه، حتى لو كان أقرب الناس ليا.

ثم التفت لمريم وقال:

ـ قومي يا حبيبتي، إحنا ماشيين.

لكن مريم فضلت مكانها وقالت بصوت مكسور:

ـ استنى يا جلال… فيه حاجة تانية لازم تعرفها.

جلال رجع بص لها.

قالت وهي بتبكي:

ـ أنا مش بس كنت بنضف البيت. أنا كنت بدي ماما فاطمة جزء من مرتبي اللي كنت بحوشه من مصروفي علشان أخلص المبلغ اللي قالت إني مديونة بيه. ولما كنت بسألك عن الفلوس، كنت بخاف أقول لك السبب.

جلال استغرب:

ـ مرتب إيه يا مريم؟ إنتِ أصلًا مش بتشتغلي!

هزت رأسها وقالت:

ـ كنت بشتغل من البيت في تصميم الملابس، وكنت ببيع شغلي أونلاين من غير ما أقول لك، علشان أقدر أسدد المبلغ وأخلص من الموضوع ده.

جلال حس بوجع شديد.

مراته كانت بتشتغل وتتعب، وفي نفس الوقت بتتحمل الإهانة، وكل ده علشان ما تحسّسوش إنه مقصر معاها.

لكن الصدمة الأكبر كانت لما طلعت مريم من شنطتها ظرف قديم، ومدته لجلال.

فتح الظرف، ولقى جواه إيصالات تحويلات مالية.

بص للتواريخ والمبالغ، واكتشف إن مريم كانت بتحول فلوس لوالدته بشكل منتظم، رغم إنها كانت بتشتغل عندها من غير مقابل!

رفع عينه وسأل أمه:

ـ الفلوس دي إيه؟

الحاجة فاطمة اتلخبطت وقالت:

ـ دي فلوس كانت بتسددها ليا.

جلال رد:

ـ بتسدد لك إيه؟ هي أصلًا ساعدتك في البيت سنتين، وفوق ده كله كانت بتحول لك فلوس!

داليا سكتت، لكن مريم قالت جملة خلت جلال يفهم إن الموضوع فيه استغلال أكبر.

ـ ماما فاطمة قالت لي إن الفلوس دي دين على بابا الله يرحمه، وإنه كان مستلف منها قبل وفاته، وإن لازم أسدده علشان أكون مرتاحة الضمير.

جلال بص لأمه بصدمة.

والده كان متوفي من سنين، وكان معروف عنه إنه عمره ما استلف من حد من غير ما يرجع حقه.

قال جلال بصوت غاضب:

ـ إنتِ دخلتي اسم أبويا في الموضوع ده كمان؟!

الحاجة فاطمة بدأت تتوتر:

ـ أنا كنت بحاول أحافظ على حق العيلة!

جلال رد بحسم:

ـ حق العيلة مش بيتحافظ عليه بالظلم والكذب.

خرج جلال بمريم من الفيلا، وطلب من سائقه يروح بيهم المستشفى علشان يكشف على إيديها.

وبعدها رجع البيت، وطلب من محاميه يراجع كل التحويلات والإيصالات، ويتأكد من حقيقة الدين اللي كانت أمه بتتكلم عنه.

وبالفعل، بعد أيام من المراجعة، اكتشف إن مفيش أي مستند يثبت وجود الدين المزعوم، وإن كل الفلوس اللي حولتها مريم كانت بتروح لحساب والدته الشخصي.

جلال واجه أمه مرة أخيرة.

قال لها:

ـ أنا مش همنعك من إنك تكوني أمي، ولا هحرمك من احترامك، لكن اللي حصل مش هيتكرر. مريم مش خدامة عند حد، وكرامتها من كرامتي.

الحاجة فاطمة حاولت تبكي وتستعطفه، لكن جلال كان قرر يحط حدود واضحة.

أما داليا، فاعتذرت لمريم بعد ما عرفت إن أخوها مش هيسكت على اللي حصل.

مريم قبلت الاعتذار بأدب، لكنها قالت لها:

ـ أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تحترمي حدودك معايا. أنا مش هنسى اللي حصل، لكن مش هسمح إنه يتكرر.

مرت أسابيع، وبدأت مريم تستعيد صحتها وراحتها النفسية.

وجلال بقى يهتم بيها أكتر، وقرر إنه مش هيسيب أي حد يتدخل في حياتهم بالطريقة دي مرة تانية.

وفي يوم، كان قاعد معاها في البلكونة، وشاف إيديها بعد ما بدأت تتحسن.

مسك إيدها وقال:

ـ سامحيني يا مريم، أنا آسف إني ماخدتش بالي من وجعك بدري.

مريم ابتسمت وقالت:

ـ أنا مش زعلانة إنك ماعرفتش، أنا كنت زعلانة إني كنت خايفة أحكيلك.

جلال رد عليها:

ـ من النهارده، مفيش حاجة تخافي تحكيها لي. إحنا المفروض نكون سند لبعض، مش كل واحد يشيل وجعه لوحده.

في اللحظة دي، خرج عمر من أوضته وجري عليهم، وحضنهم الاتنين.

ضحك جلال وشال ابنه، وبص لمريم وقال:

ـ أهم حاجة عندي إن بيتنا يفضل مليان حب وراحة، ومحدش يحس فيه إنه أقل من التاني.

ومن يومها فهم جلال درس عمره ما هينساه:

مش كل إنسان ساكت يبقى راضي، ومش كل واحد بيبتسم يبقى مرتاح. ساعات أقرب الناس لينا بيكونوا أكتر ناس محتاجين نسألهم: إنتوا كويسين بجد؟

والأهم إن صلة الرحم عمرها ما كانت مبرر للظلم، وإن احترام الأم لا يعني السكوت عن إهانة الزوجة، فالعدل واجب مع الجميع.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى